باب
حدثنا عبد الله بن محمد ، حدثنا يحيى بن آدم ، حدثنا أبو بكر بن عياش ، حدثنا أبو حصين ، حدثنا أبو مريم عبد الله بن زياد الأسدي قال : لما صار طلحة والزبير وعائشة إلى البصرة بعث علي عمار بن ياسر وحسن بن علي ، فقدما علينا الكوفة ، فصعد المنبر ، فكان الحسن بن علي فوق المنبر في أعلاه ، وقام عمار أسفل من الحسن ، فاجتمعنا إليه ، فسمعت عمارا يقول : إن عائشة قد سارت إلى البصرة ، ووالله إنها لزوجة نبيكم - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - في الدنيا والآخرة ، ولكن الله تبارك وتعالى ابتلاكم ليعلم إياه تطيعون أم هي . هذا مطابق للحديث السابق من حيث المعنى ، فالمطابق للمطابق للشيء - مطابق لذلك الشيء . وعبد الله بن محمد المعروف بالمسندي ، ويحيى بن آدم بن سليمان الكوفي صاحب الثوري ، وأبو بكر بن عياش - بفتح العين المهملة وتشديد الياء آخر الحروف وبالشين المعجمة - المقري ، وأبو حصين - بفتح الحاء وكسر الصاد المهملتين - اسمه عثمان بن عاصم الأسدي ، وأبو مريم عبد الله بن زياد - بكسر الزاي وتخفيف الياء آخر الحروف - الأسدي الكوفي ، وثقه العجلي والدارقطني ، وما له في البخاري إلا هذا الحديث .
قوله : لما سار طلحة هو ابن عبيد الله أحد العشرة ، والزبير هو ابن العوام أحد العشرة ، وعائشة أم المؤمنين رضي الله تعالى عنهم . وأصل ذلك أن عائشة كانت بمكة لما قتل عثمان ، ولما بلغها الخبر قامت في الناس ؛ تحضهم على القيام بطلب دم عثمان ، وطاوعوها على ذلك ، واتفق رأيهم في التوجه إلى البصرة ، ثم خرجوا في سنة ست وثلاثين في ألف من الفرسان من أهل مكة والمدينة ، وتلاحق بهم آخرون ، فصاروا إلى ثلاثين ألفا ، وكانت عائشة على جمل اسمه عسكر ، اشتراه يعلى بن أمية - رجل من عرينة - بمائتي دينار ، فدفعه إلى عائشة . وكان علي رضي الله تعالى عنه بالمدينة ، ولما بلغه الخبر خرج في أربعة الآف ، فيهم أربعمائة ممن بايعوا تحت الشجرة وثمانمائة من الأنصار ، وهو الذي ذكره البخاري بعث علي عمار بن ياسر وابنه الحسن ، فقدما الكوفة ، فصعدا المنبر ، يعني عمارا والحسن ، صعدا منبر جامع الكوفة ، فكان الحسن بن علي فوق المنبر ؛ لأنه ابن الخليفة ، وابن بنت رسول الله - صلى الله تعالى عليه وآله وسلم - .
قوله : فسمعت عمارا القائل أبو مريم الراوي يقول : سمعت عمارا يقول : إن عائشة قد سارت إلى البصرة ، والله إنها لزوجة نبيكم - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - في الدنيا والآخرة ، أراد بذلك عمار رضي الله تعالى عنه أن الصواب مع علي ، وإن صدرت هذه الحركة عن عائشة ؛ فإنها بذلك لم تخرج عن الإسلام ، ولا عن كونها زوجة النبي - صلى الله تعالى عليه وسلم - في الجنة ، ولكن الله ابتلاكم ليعلم على صيغة المجهول ، أي ليميز . قوله : إياه الضمير يرجع إلى علي . قوله : أم هي أي أم تطيعون هي ، يعني عائشة ، ووقع في رواية ابن أبي شيبة من طريق بشر بن عطية ، عن عبد الله بن زياد قال : قال عمار : إن أمنا سارت مسيرها هذا ، وإنها - والله - زوج محمد - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - في الدنيا والآخرة ، ولكن الله ابتلانا بها ليعلم إياه نطيع أو إياها .
انتهى . إنما قال : هي ، وكان المناسب أن يقول : إياها ؛ لأن الضمائر يقوم بعضها مقام البعض ، والذي يفهم من كلام الشراح أن قوله : ليعلم على بناء المعلوم ؛ فلذلك قال الكرماني : فإن قلت : إن الله تعالى عالم أبدا وأزلا وما هو كائن وسيكون . قلت : المراد به العلم الوقوعي ، أو تعلق العلم ، أو إطلاقه على سبيل المجاز عن التمييز ؛ لأن التمييز لازم للعلم ، انتهى .
ثم إن وقوع الحرب بين الطائفتين كان في النصف من جمادى الآخرة سنة ست وثلاثين ، ولما تواثب الفريقان بعد استقرارهم في البصرة ، وقد كان مع علي نحو عشرين ألفا ، ومع عائشة نحو ثلاثين ألفا كانت الغلبة لعسكر علي . وقال الزهري : ما شوهدت وقعة مثلها ، فني فيها الكمأة من فرسان مضر ، فهرب ابن الزبير ، فقتل بوادي السباع ، وجاء طلحة سهم غرب ، فحملوه إلى البصرة ، ومات ، وحكى سيف عن محمد وطلحة قالا : كان قتلى الجمل عشرة آلاف ، نصفهم من أصحاب علي ونصفهم من أصحاب عائشة . وقيل : قتل من أصحاب عائشة ثمانية آلاف - وقيل : ثلاثة عشر ألفا - ومن أصحاب علي ألف .
وقيل : من أهل البصرة عشرة آلاف ، ومن أهل الكوفة خمسة آلاف . وقيل : سبعون شيخا من بني عدي ، كلهم قراء القرآن سوى الشباب .