باب الأمراء من قريش
( باب الأمراء من قريش ) أي هذا باب مترجم بقوله الأمراء من قريش . " الأمراء " مبتدأ ، و " من قريش " خبره ، أي الأمراء كائنون من قريش ، وقال عياض : نقل عن ابن أبي صفرة : الأمر أمر قريش ، قال : وهو تصحيف . قلت : وقع في نسخة لأبي ذر ، عن الكشميهني مثل ذلك ، لكن الأول هو المعروف .
قيل : لفظ الترجمة لفظ حديث أخرجه يعقوب بن سفيان وأبو يعلى ، والطبراني من طريق مسكين ج٢٤ / ص٢٢٢ابن عبد العزيز ، حدثنا سيار بن سلامة أبو المنهال قال : دخلت مع أبي على أبي برزة الأسلمي ، فذكر الحديث . وفيه : الأمراء من قريش ، وروي عن أنس بلفظ : " الأئمة من قريش ما إذا حكموا فعدلوا " رواه البزار . وروي عن أنس بطرق متعددة ، منها ما رواه الطبراني من رواية قتادة عنه بلفظ : " إن الملك في قريش " .
وأخرجه أحمد بهذا اللفظ عن أبي هريرة . 3 - حدثنا أبو اليمان ، أخبرنا شعيب ، عن الزهري قال : كان محمد بن جبير بن مطعم يحدث أنه بلغ معاوية - وهو عنده في وفد من قريش - أن عبد الله بن عمرو يحدث أنه سيكون ملك من قحطان . فغضب ، فقام ، فأثنى على الله بما هو أهله ، ثم قال : أما بعد ، فإنه بلغني أن رجالا منكم يحدثون أحاديث ليست في كتاب الله ، ولا تؤثر عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وأولئك جهالكم ، فإياكم والأماني التي تضل أهلها ؛ فإني سمعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول : إن هذا الأمر في قريش ، لا يعاديهم أحد إلا كبه الله في النار على وجهه ما أقاموا الدين .
مطابقته للترجمة في آخر الحديث ، وشيخ البخاري واثنان بعده قد ذكروا عن قريب ، ومحمد بن جبير بن مطعم بن عدي بن نوفل بن عدي بن عبد مناف القرشي المدني ، مات بالمدينة زمن عمر بن عبد العزيز رضي الله تعالى عنهما ، قاله الواقدي . والحديث مضى في مناقب قريش ، عن أبي اليمان أيضا . قوله : " وهو عنده " أي والحال أن محمد بن جبير عند معاوية ، ويروى : وهم عنده ، أي محمد بن جبير ومن كان معه من الوفد الذين كانوا معه ، أرسلهم أهل المدينة إلى معاوية ليبايعوه ، وذلك حين بويع له بالخلافة لما سلم له الحسن بن علي بن أبي طالب رضي الله تعالى عنهما .
قوله : " أن عبد الله بن عمرو " في محل الرفع ؛ لأنه فاعل بلغ ، ومعاوية بالنصب مفعوله ، وعمرو بالواو ، وهو ابن العاص . قوله : " يحدث " جملة في محل الرفع ؛ لأنها خبر إن . قوله : " أنه " أي أن الشان سيكون ملك من قحطان قد مر أن قحطان أبو اليمن .
قوله : " فغضب " أي معاوية ، قال ابن بطال : سبب إنكار معاوية أنه حمل حديث عبد الله بن عمرو على ظاهره ، وقد يكون معناه أن قحطانيا يخرج في ناحية من النواحي فلا يعارض حديث معاوية . قوله : " أحاديث " جمع حديث على غير قياس ، قال العزيزي : إن واحد الأحاديث أحدوثة ، ثم جعلوه جمعا للحديث ، والحديث الخبر الذي يأتي على قليل وكثير . قوله : " ولا تؤثر " على صيغة المجهول أي لا تنقل عن رسول الله - صلى الله تعالى عليه وسلم - ولا تروى .
قوله : " وأولئك جهالكم " بضم الجيم وتشديد الهاء جمع جاهل . قوله : " فإياكم والأماني " أي احذروا الأماني - بتشديد الياء وتخفيفها - وهي جمع أمنية ، وأصله من منى يمني إذا قدر ، وقال الجوهري : فلان يتمنى الأحاديث أي يفتعلها ، مقلوب من المين وهو الكذب . قوله : " التي تضل أهلها " صفة للأماني ، وتضل - بضم التاء المثناة من فوق وكسر الضاد المعجمة - من الإضلال ، وروي بفتح أوله ورفع أهلها .
قوله : " إن هذا الأمر " أي الخلافة . قوله : " لا يعاديهم أحد " أي لا ينازعهم أحد في الأمر " إلا كبه الله في النار على وجهه " يعني إلا كان مقهورا في الدنيا معذبا في الآخرة . قوله : " كبه الله " من الغرائب ؛ إذ أكب لازم ، و " كب " متعد عكس المشهور .
قوله : " ما أقاموا الدين " أي مدة إقامتهم أمور الدين . قيل : يحتمل أن يكون مفهومه : فإذا لم يقيموه فلا يسمع لهم . وقيل : يحتمل أن لا يقام عليهم ، وإن كان لا يجوز إبقاؤهم على ذلك ، ذكرهما ابن التين ، وقال الكرماني : هذا - يعني ما رواه معاوية - لا ينافي كلام عبد الله - يعني ابن عمرو - لإمكان ظهوره عند عدم إقامتهم الدين .
قلت : غرضه أن لا اعتبار له ؛ إذ ليس في كتاب ولا في سنة . فإن قلت : مر في تغيير الزمان عن أبي هريرة أن رسول الله - صلى الله تعالى عليه وسلم - قال : "لا تقوم الساعة حتى يخرج رجل من قحطان يسوق الناس بعصاه" . قلت : هذا رواية أبي هريرة ، وربما لم يبلغ معاوية ، وأما عبد الله فلم يرفعه ، انتهى .
قلت : قد ذكرنا فيه ما فيه الكفاية في باب تغيير الزمان ، ثم قال الكرماني : فإن قلت : خلا زماننا عن خلافتهم . قلت : لم يخل ؛ إذ في الغرب خليفة منهم على ما قيل ، وكذا في مصر ، انتهى . قلت : لم يشتهر أصلا أن في الغرب خليفة من بني العباس ، ولكن كان فيه من الحفصيين من ذرية أبي حفص صاحب ابن ج٢٤ / ص٢٢٣تومرت ، وقد انتسبوا إلى عمر بن الخطاب ، وهو قرشي ، وفي مصر موجود من بني العباس ، ولكن ليس بحاكم ، بل تحت حكم .