باب إخراج الخصوم وأهل الريب من البيوت بعد المعرفة أي : هذا باب في بيان إخراج الخصوم - أي أهل المخاصمات والنزاع - وأهل الريب - بكسر الراء ، جمع ريبة وهي التهمة والمعصية . قوله ( بعد المعرفة ) ؛ أي بعد شهرتهم بذاك ، يعني لا يتجسس عليهم ، وذلك الإخراج لأجل تأذي الجيران ولأجل مجاهرتهم بالمعاصي ، وقد ذكر في الأشخاص باب إخراج أهل المعاصي والخصوم من البيوت بعد المعرفة ، وقد أخرج عمر أخت أبي بكر حين ناحت ، ثم ذكر الحديث الذي ذكره هنا ومضى الكلام فيه مستوفى . وقال المهلب : إخراج أهل الريب والمعاصي من دورهم بعد المعرفة بهم واجب على الإمام لأجل تأذي من جاورهم ومن أجل مجاهرتهم بالعصيان ، وإذا لم يعرفوا بأعيانهم فلا يلزم البحث عن أمرهم ؛ لأنه من التجسس الذي نهى الله عنه . وقيل : ليس إخراج أهل المعاصي بواجب ، فمن ثبت عليه ما يوجب الحد أقيم عليه . وقد أخرج عمر أخت أبي بكر حين ناحت . أي أخرج عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه أخت أبي بكر رضي الله تعالى عنه حين ناحت - من النياحة ، وإنما أخرجها من البيت لأنه نهاها فلم تنته ، وقيل : إنه أبعدها عن نفسه ، ثم بعد ذلك رجعت إلى بيتها . 78 - حدثنا إسماعيل ، حدثني مالك ، عن أبي الزناد ، عن الأعرج ، عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال : والذي نفسي بيده لقد هممت أن آمر بحطب يحتطب ثم آمر بالصلاة فيؤذن لها ، ثم آمر رجلا فيؤم الناس ثم أخالف إلى رجال فأحرق عليهم بيوتهم ، والذي نفسي بيده لو يعلم أحدكم أنه يجد عرقا سمينا أو مرماتين حسنتين لشهد العشاء . مطابقته للترجمة من حيث إنه أبلغ من معناها ، فإن فيها الإخراج من البيوت وفيه إحراقها بالنار . وإسماعيل هو ابن أبي أويس ، وأبو الزناد - بالزاي والنون - عبد الله بن ذكوان ، والأعرج عبد الرحمن بن هرمز ، ومضى الحديث في الأشخاص وقبله في الصلاة في باب الصلاة بالجماعة ، ومضى الكلام فيه . قوله ( يحتطب ) ، ويروى يحطب بالتشديد ؛ أي يجمع الحطب . قوله ( ثم أخالف إلى رجال ) ؛ أي آتيهم ، أي أخالف المشتغلين بالصلاة قاصدا إلى بيوت الذين لم يخرجوا عنها إلى الصلاة وأحرقها عليهم . قوله ( عرقا ) بفتح العين المهملة وسكون الراء ، هو العظم الذي أخذ عنه اللحم . قوله ( أو مرماتين ) تثنية مرماة - بكسر الميم - وهي ما بين ظلفي الشاة من اللحم ، وقيل هي الظلف ، وقيل هي سهم يتعلم عليه الرمي وهو أرذل السهام ؛ أي لو علم أنه لو حضر صلاة العشاء لوجد نفعا دنيويا وإن كان خسيسا حقيرا لحضرها لقصور همته ، ولا يحضرها لما لها من الأجور والمثوبات . وقال محمد بن يوسف : قال يونس : قال محمد بن سليمان : قال أبو عبد الله : مرماة ما بين ظلف الشاة من اللحم مثل منساة وميضاة - الميم مخفوضة . هذا لم يثبت إلا لأبي ذر عن المستملي وحده ، ومحمد بن يوسف هو الفربري ، ويونس ما وقفت عليه ، ومحمد بن سليمان أبو أحمد الفارسي راوي التاريخ الأكبر عن البخاري . قوله ( مثل منساة ) بغير همزة في قراءة أبي عمرو ونافع في قوله تعالى تأكل منسأته ، وقراءة الباقين بهمزة مفتوحة ، وهي العصا . وكذلك الوجهان في الميضاة . قوله ( الميم مخفوضة ) ؛ أي مكسورة في كل من المنساة والميضاة ، وروى أبو زيد عن ابن القاسم في رجل فاسد يأوي إليه أهل الفسق والشر ما يصنع به ؟ قال : يخرج من منزله ويحرق عليه الدار . قلت : لا يباع عليه ؟ قال : لا ، لعله يتوب فيرجع إلى منزله . وعن ابن القاسم : يتقدم إليه مرة أو مرتين أو ثلاثا ، فإن لم ينته أخرج وأكريت عليه . وقال بعض أصحابنا الحنفية : إذا لم ينته بعد النهي مرارا يهد بيته . وحديث الباب من أقوى الحجج فيه .
المصدر: عمدة القاري شرح صحيح البخاري
المصدر الرسمي: https://hdith.com/encyclopedia/book/b-43/h/403578
© hdith.com — الموسوعة الحديثيَّة