بسم الله الرحمن الرحيم باب ما جاء في إجازة خبر الواحد الصدوق في الأذان والصلاة والصوم والفرائض والأحكام أي هذا باب في بيان ما جاء في إجازة خبر الواحد الخ ، الإجازة هو الإنفاذ والعمل به ، والقول بحجيته ، قوله : الصدوق ببناء المبالغة والمراد أن يكون له ملكة الصدق ، يعني يكون عدلا ، وهو من باب إطلاق اللازم وإرادة الملزوم ، قوله : في الأذان الخ إنما ذكر هذه الأشياء ليعلم أن إنفاذ الخبر إنما هو في العمليات لا في الاعتقاديات ، والمراد بقبول خبره في الأذان أنه إذا كان مؤتمنا فأذن تضمن دخول الوقت فجازت صلاة ذلك الوقت ، وفي الصلاة الإعلام بجهة القبلة ، وفي الصوم الإعلام بطلوع الفجر أو غروب الشمس ، قوله : والفرائض من عطف العام على الخاص ، قوله : والأحكام جمع الحكم وهو خطاب الله تعالى المتعلق بأفعال المكلفين بالاقتضاء أو التخيير ، وهو من عطف العام على عام أخص منه لأن الفرائض فرد من الأحكام . ثم اعلم أنه عند جميع الرواة هكذا باب ما جاء إلخ ، بلفظ باب ، ووقع في بعض النسخ قبل البسملة كتاب خبر الواحد ، وكذا وقع عند الكرماني ، وثبتت البسملة قبل لفظ باب في رواية كريمة والأصيلي ، وسقطت لأبي ذر والقابسي والجرجاني . وقول الله تعالى : فَلَوْلا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طَائِفَةٌ لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ وَلِيُنْذِرُوا قَوْمَهُمْ إِذَا رَجَعُوا إِلَيْهِمْ لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ وقول الله تعالى بالجر عطف على المضاف إليه في باب ما جاء أي وفي بيان قول الله تعالى ، وساق الآية كلها في رواية كريمة ، وفي رواية غيرها وقول الله تعالى : فَلَوْلا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طَائِفَةٌ الآية وأول الآية قوله تعالى : وَمَا كَانَ الْمُؤْمِنُونَ لِيَنْفِرُوا كَافَّةً فَلَوْلا نَفَرَ الآية ، وسبب نزول هذه الآية أن الله لما أنزل في حق المنافقين ما أنزل بسبب تخلفهم عن الغزاة مع رسول الله صلى الله عليه وسلم قال المؤمنون : والله لا نتخلف غزوة يغزوها رسول الله صلى الله عليه وسلم ولا سرية أبدا ، فلما أرسل السرايا بعد تبوك نفر المؤمنون جميعا وتركوه صلى الله عليه وسلم وحده ، فنزلت هذه الآية ، ولفظها لفظ الخبر ومعناه الأمر ، والمعنى : ما كان لهم أن ينفروا جميعا بل ينفر بعضهم ويبقى مع النبي صلى الله عليه وسلم بعض ، قوله : فلولا نفر يعني فحين لم يكن نفير الكافة ولم يكن مصلحة فهلا نفر من كل فرقة منهم طائفة ، قال الزمخشري : أي من كل جماعة كثيرة جماعة قليلة منهم يكفونهم النفير ليتفقهوا في الدين أي ليتكلفوا الفقاهة فيه ولينذروا قومهم بعلمهم إذا رجعوا إليهم أي النافرين إذا رجعوا إليهم لعلهم يحذرون إرادة أن يحذروا الله فيعملوا عملا صالحا ، والكلام في الطائفة ، ومراد البخاري أن لفظ طائفة يتناول الواحد فما فوقه ولا يختص بعدد معين ، وهو منقول عن ابن عباس والنخعي ومجاهد وعطاء وعكرمة ، وعن ابن عباس أيضا : من أربعة إلى أربعين ، وعن الزهري : ثلاثة ، وعن الحسن : عشرة ، وعن مالك : أقل الطائفة أربعة ، وعن عطاء : اثنان فصاعدا ، وقال الراغب : لفظ طائفة يراد بها الجمع والواحد طائف ويراد بها الواحد . ويسمى الرجل طائفة لقوله تعالى : وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فلو اقتتل رجلان دخل في معنى الآية . لو قال : ويسمى الواحد أو الشخص لكان أولى ، قوله : لقوله تعالى : وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا استدلال منه بهذه الآية على أن الواحد يسمى طائفة ، قوله : فلو اقتتل رجلان دخل في معنى الآية لإطلاق الطائفة على الواحد ، وعن مجاهد في الآية المذكورة أنهما كانا رجلين ، ويروى فلو اقتتل الرجلان بالألف واللام ، قوله : دخل ويروى دخلا وهو الصواب . وقوله تعالى : إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا قال الكرماني : وجه الاستدلال به أنه أوجب الحذر عند مجيء فاسق بنبأ أي بخبر ، وأمر بالتبين عند الفسق ، فحيث لا فسق لا يجب التبين فيجب العمل به ، وقال بعضهم : وجه الدلالة منها تؤخذ من مفهومي الشرط والصفة فإنهما يقتضيان قبول خبر الواحد العدل انتهى ، قلت : كلام الكرماني كاد أن يقرب وكلام الآخر كاد أن يبعد جدا ؛ لأن الخصم لا يقول بالمفهوم ، والذي يظهر أنه إنما ذكر هذه الآية لقوله في الترجمة خبر الواحد الصدوق ، واحتج بها على أن خبر الواحد الفاسق لا يقبل فافهم . وكيف بعث النبي صلى الله عليه وسلم أمراءه واحدا بعد واحد فإن سها أحد منهم رد إلى السنة استدل بهذا أيضا على إجازة خبر الواحد الصادق ، فإن النبي صلى الله عليه وسلم كان يبعث أمراءه إلى الجهاد واحدا بعد واحد ؛ لأن خبر الواحد لو لم يكن مقبولا لما كان في إرساله معنى ، وقال الكرماني : إذا كان خبر الواحد مقبولا فما فائدة بعث الآخر بعد الأول ، قلت : لرده إلى الحق عند سهوه ، وهو معنى قوله : فإن سها واحد منهم أي من الأمراء المبعوثين رد إلى السنة ، وهو على صيغة المجهول ، وأراد بالسنة الطريق الحق والمنهج الصواب ، وقال الكرماني : والسنة هي الطريقة المحمدية ، يعني شريعته واجبا ومندوبا وغيرهما . 21 - حدثنا محمد بن المثنى ، حدثنا عبد الوهاب ، حدثنا أيوب ، عن أبي قلابة ، حدثنا مالك قال : أتينا النبي صلى الله عليه وسلم ونحن شببة متقاربون ، فأقمنا عنده عشرين ليلة ، وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم رقيقا ، فلما ظن أنا قد اشتهينا أهلنا أو قد اشتقنا سألنا عمن تركنا بعدنا ، فأخبرناه قال : ارجعوا إلى أهليكم فأقيموا فيهم وعلموهم ومروهم ، وذكر أشياء أحفظها أو لا أحفظها ، وصلوا كما رأيتموني أصلي ، فإذا حضرت الصلاة فليؤذن لكم أحدكم وليؤمكم أكبركم . مطابقته للترجمة في قوله : فليؤذن أحدكم لأن أذان الواحد يؤذن بدخول الوقت والعمل به . وعبد الوهاب هو ابن عبد المجيد الثقفي ، وأيوب هو السختياني ، وأبو قلابة بكسر القاف عبد الله بن زيد الجرمي ، ومالك هو ابن الحويرث بضم الحاء المهملة وفي آخره ثاء مثلثة ابن حشيش بشينين معجمتين على وزن عظيم ، من بني سعد بن ليث بن بكر بن عبد مناة بن كنانة ، حجازي سكن البصرة ومات بها سنة أربع وسبعين . والحديث بعين هذا الإسناد والمتن قد مضى في الصلاة في باب الأذان للمسافر ، وقد كرر هذا الحديث بلا فائدة جديدة ، ومضى الكلام فيه هناك . قوله : أتينا النبي صلى الله تعالى عليه وآله وسلم أي وافدين عليه ، قوله : ونحن شببة بشين معجمة وباءين موحدتين وفتحات جمع شاب وهو من كان دون الكهولة ، قوله : متقاربون أي في السن ، ووقع عند أبي داود متقاربون في العلم وعند مسلم متقاربون في القراءة ، قوله : رقيقا بقافين ويروى بفاء وقاف ، وعند مسلم بقافين فقط ، قوله : اشتهينا أهلنا وفي رواية الكشميهني أهلينا بكسر اللام وزيادة الياء جمع أهل ، وفي الصلاة اشتقنا إلى أهلنا والمراد بالأهل الزوجات أو أعم من ذلك ، قوله : سألنا بفتح اللام ، والضمير المرفوع فيه يرجع إلى النبي صلى الله تعالى عليه وسلم ، قوله : ارجعوا إلى أهليكم إنما أذن لهم بالرجوع لأن الهجرة كانت قد انقطعت بعد الفتح فكانت الإقامة بالمدينة باختيار الوافد ، قوله : وعلموهم أي الشرائع ومروهم بالإتيان بالواجبات والاجتناب عن المحرمات ، قوله : أحفظها أو لا أحفظها ليس شكا بل هو تنويع ، وقائل هذا هو أبو قلابة ، قوله : وصلوا كما رأيتموني أصلي أي من جملة الأشياء التي حفظها أبو قلابة عن مالك هو قوله صلى الله عليه وسلم هذا ، قوله : فإذا حضرت الصلاة أي فإذا دخل وقتها ، قوله : أكبركم أي أفضلكم أو أسنكم ، وعند النسائي في الفضيلة .
المصدر: عمدة القاري شرح صحيح البخاري
المصدر الرسمي: https://hdith.com/encyclopedia/book/b-43/h/403612
© hdith.com — الموسوعة الحديثيَّة