باب ما يكره من التعمق والتنازع في العلم والعلو في الدين والبدع
حدثنا عمر بن حفص بن غياث ، حدثنا أبي ، حدثنا الأعمش ، حدثني إبراهيم التيمي ، حدثني أبي قال : خطبنا علي رضي الله عنه على منبر من آجر وعليه سيف فيه صحيفة معلقة ، فقال : والله ما عندنا من كتاب يقرأ إلا كتاب الله وما في هذه الصحيفة ، فنشرها فإذا فيها أسنان الإبل ، وإذا فيها المدينة حرم من عير إلى كذا ، فمن أحدث فيها حدثا فعليه لعنة الله والملائكة والناس أجمعين ، لا يقبل الله منه صرفا ولا عدلا ، وإذا فيه ذمة المسلمين واحدة يسعى بها أدناهم ، فمن أخفر مسلما فعليه لعنة الله والملائكة والناس أجمعين ، لا يقبل الله منه صرفا ولا عدلا ، وإذا فيها من والى قوما بغير إذن مواليه فعليه لعنة الله والملائكة والناس أجمعين ، لا يقبل الله منه صرفا ولا عدلا . مطابقته للترجمة ما قاله الكرماني : لعله استفاد من قول علي رضي الله تعالى عنه : تبكيت من تنطع في الكلام وجاء بغير ما في الكتاب والسنة ، وقال بعضهم : الغرض من إيراد الحديث هنا لعن من أحدث حدثا ، فإنه وإن قيد في الخبر بالمدينة فالحكم عام فيها وفي غيرها إذا كان من متعلقات الدين انتهى ، قلت : الذي قاله الكرماني هو المناسب لألفاظ الترجمة ، والذي قاله هذا القائل بعيد من ذلك يعرف بالتأمل . وشيخ البخاري يروي عن أبيه حفص بن غياث بالغين المعجمة والثاء المثلثة ، عن سليمان الأعمش ، عن إبراهيم التيمي ، وإبراهيم يروي عن أبيه يزيد بن شريك التيمي .
والحديث مضى في آخر الحج في باب حرم المدينة ، ومضى الكلام مستوفى فيه ، ولنذكر بعض شيء لبعد المسافة . قوله : من آجر قال الكرماني : الآجر بالمد وضم الجيم وتشديد الراء معرب ، وقال الجوهري : الآجر الذي يبنى به ، فارسي معرب ، ويقال أيضا : آجور على وزن فاعول ، وقال في باب الدال الترميد الآجر ، قلت : في لغة أهل مصر هو الطوب المشوي ، قوله : أسنان الإبل أي إبل الديات لاختلافها في العمد والخطأ وشبه العمد ، قوله : عير بفتح العين المهملة وسكون الياء آخر الحروف وبالراء جبل بمكة ، قوله : إلى كذا كناية عن موضع أو جبل ، قوله : حدثا أي بدعة أو ظلما ، قوله : لعنة الله المراد باللعنة هنا البعد عن الجنة أول الأمر بخلاف لعنة الكفار فإنها البعد عنها كل الإبعاد أولا وآخرا ، قوله : صرفا ولا عدلا الصرف الفريضة والعدل النافلة وقيل بالعكس ، قوله : وإذا فيها ذمة المسلمين أي في الصحيفة ، ويروى فيه أي في الكتاب ، والذمة العهد والأمان ، يعني أمان المسلم للكافر صحيح ، والمسلمون كنفس واحدة فيعتبر أمان أدناهم من العبد والمرأة ونحوهما ، قوله : فمن أخفر أي نقض عهده ، قوله : والى أي نسب نفسه إليهم كانتمائه إلى غير أبيه أو انتمائه إلى غير معتقه ، وذلك لما فيه من كفر النعمة وتضييع حقوق الإرث والولاء وقطع الرحم ونحوه ، ولفظ بغير إذن مواليه ليس لتقييد الحكم به ، وإنما هو إيراد الكلام على ما هو الغالب .