باب ما يكره من التعمق والتنازع في العلم والعلو في الدين والبدع
حدثنا عمر بن حفص ، حدثنا أبي ، حدثنا الأعمش ، حدثنا مسلم ، عن مسروق قال : قالت عائشة رضي الله عنها : صنع النبي صلى الله عليه وسلم شيئا ترخص فيه وتنزه عنه قوم ، فبلغ ذلك النبي صلى الله عليه وسلم ، فحمد الله ثم قال : ما بال أقوام يتنزهون عن الشيء أصنعه ، فوالله إني أعلمهم بالله وأشدهم له خشية . مطابقته للجزء الأول للترجمة تؤخذ من قوله : ترخص فيه وتنزه عنه قوم لأن تنزيههم عما رخص فيه النبي صلى الله عليه وسلم تعمق . والثلاثة الأول من رجال الحديث قد ذكروا الآن ، ومسلم قال الكرماني : يحتمل أن يكون ابن صبيح مصغر الصبح ، ويحتمل أن يكون ابن أبي عمران البطين بفتح الباء الموحدة ، لأنهما يرويان عن مسروق ، والأعمش يروي عنهما ، وقال غيره : هو مسلم بن صبيح أبو الضحى ، مشهور بكنيته أكثر من اسمه ، وقد وقع عند مسلم مصرحا به في رواية جرير عن الأعمش فقال : عن أبي الضحى به ، قلت : وكذا نص عليه الحافظ المزي ، فقال مسلم بن صبيح أبو الضحى ، عن مسروق ، عن عائشة ، ثم ذكر الحديث المذكور .
وقد مضى الحديث في الأدب في باب من لم يواجه بالعتاب . قوله : صنع النبي صلى الله عليه وسلم شيئا فرخص فيه أي أسهل فيه مثل الإفطار في بعض الأيام والصوم في بعضها من غير رمضان ، ومثل التزوج ، وتنزه قوم عنه أي احترزوا عنه بأن سردوا الصوم ، واختاروا العزوبة ، وأشار ابن بطال إلى أن الذي تنزهوا عنه القبلة للصائم ، وقال الداودي : التنزه عما رخص فيه الشارع من أعظم الذنوب ؛ لأن هذا يرى نفسه أتقى في ذلك من رسوله ، وهذا إلحاد ، وكذا قال ابن التين ، ولا شك أنه إلحاد إذا اعتقد ذلك ، قوله : أعلمهم بالله إشارة إلى القوة العلمية وأشدهم خشية إلى القوة العملية ، أي هم يتوهمون أن رغبتهم عما فعلت أفضل لهم عند الله وليس كما توهموا إذ أنا أعلمهم بالأفضل وأولاهم بالعمل .