حَـدِيثابحث في الموسوعة — حديث، راوٍ، موضوع…⌘K
عمدة القاري شرح صحيح البخاري

باب قول الله عز وجل لما خلقت بيدي

حدثنا مسدد ، سمع يحيى بن سعيد ، عن سفيان ، حدثني منصور وسليمان ، عن إبراهيم ، عن عبيدة ، عن عبد الله ، أن يهوديا جاء إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - فقال : يا محمد ، إن الله يمسك السماوات على إصبع والأرضين على إصبع والجبال على إصبع والشجر على إصبع والخلائق على إصبع ، ثم يقول : أنا الملك ، فضحك رسول الله - صلى الله عليه وسلم - حتى بدت نواجذه ، ثم قرأ : وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ مطابقته للترجمة تؤخذ من قوله : والخلائق على إصبع ، على ما لا يخفى على المتأمل . ويحيى بن سعيد القطان ، وسفيان هو الثوري ، ومنصور هو ابن المعتمر ، وسليمان هو الأعمش ، وإبراهيم هو النخعي ، وعبيدة بفتح العين هو ابن عمرو السلماني ، أسلم في حياة النبي - صلى الله تعالى عليه وسلم - وعبد الله هو ابن مسعود ، وقد تابع سفيان الثوري عن منصور على قوله : عبيدة ، شيبان بن عبد الرحمن عن منصور كما مضى في تفسير سورة الزمر ، وفضيل بن عياض بعده ، وجرير بن عبد الحميد عند مسلم ، وخالفه عن الأعمش في قوله : عبيدة ، حفص بن غياث المذكور في الباب ، وجرير ، وأبو معاوية ، وعيسى بن يونس عند مسلم ، فكلهم قالوا : عن الأعمش عن إبراهيم عن علقمة بدل عبيدة ، ويعلم من تصرف الشيخين أنه عند الأعمش على الوجهين . والحديث مضى في تفسير سورة الزمر في باب قوله تعالى : وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ عن آدم ، عن شيبان ، ومضى الكلام فيه .

قوله : أن يهوديا جاء ، وفي رواية علقمة عن ابن مسعود : جاء رجل من أهل الكتاب ، وفي رواية فضيل بن عياض عند مسلم : جاء حبر ، وزاد شيبان في روايته : من الأحبار . قوله : فقال : يا محمد ، وفي رواية علقمة : يا أبا القاسم ، وجمع بينهما في رواية فضيل بن عياض . قوله : إِنَّ اللَّهَ يُمْسِكُ السَّمَاوَاتِ ، وفي رواية شيبان : يجعل بدل يمسك ، وزاد فضيل : يوم القيامة .

قوله : والشجر على إصبع زاد في رواية علقمة : والثرى ، وفي رواية شيبان : الماء والثرى ، وفي رواية فضيل بن عياض : الجبال والشجر على إصبع ، والماء والثرى على إصبع . قوله : والخلائق ، وفي رواية فضيل وشيبان وسائر الخلق ، وروى الترمذي من حديث ابن عباس : مر يهودي بالنبي - صلى الله تعالى عليه وسلم - فقال : يا يهودي حدثنا ، فقال : كيف تقول يا أبا القاسم إذا وضع الله السماوات على ذه ، والأرضين على ذه ، والماء على ذه ، والجبال على ذه ، وسائر الخلق على ذه ، وأشار أبو جعفر يعني أحد رواته بخنصره أولا ، ثم تابع حتى بلغ الإبهام ، قال الترمذي : حسن غريب صحيح . قوله : فضحك رسول الله - صلى الله تعالى عليه وسلم - وفي رواية علقمة عن ابن مسعود : فرأيت النبي - صلى الله تعالى عليه وسلم - ضحك .

قوله : حتى بدت أي : ظهرت نواجذه جمع ناجذ بنون وجيم مكسورة ، ثم ذال معجمة ، وهو ما يظهر عند الضحك من الأسنان ، وقيل : هي الأنياب ، وقيل : الأضراس ، وقيل : الدواخل من الأضراس التي في أقصى الحلق ، وزاد شيبان بن عبد الرحمن : تصديقا لقول الحبر ، وفي رواية فضيل : تعجبا وتصديقا له ، وعند مسلم : تعجبا مما قال الحبر تصديقا له ، وفي رواية جرير عنده : وتصديقا له بزيادة واو ، وأخرجه ابن خزيمة من رواية إسرائيل عن منصور : حتى بدت نواجذه تصديقا له . ثم الكلام هنا في مواضع ( الأول ) في أمر الإصبع ، قال ابن بطال : لا يحمل الإصبع على الجارحة ، بل يحمل على أنه صفة من صفات الذات لا يكيف ولا يحدد ، وهذا ينسب إلى الأشعري ، وعن ابن فورك : يجوز أن يكون الإصبع خلقا يخلقه الله فيحمل ما يحمل الإصبع ، ويحتمل أن يراد به القدرة والسلطان ، وقال الخطابي : لم يقع ذكر الإصبع في القرآن ولا في حديث مقطوع به ، وقد تقرر أن اليد ليست جارحة حتى يتوهم من ثبوتها ثبوت الأصابع ، بل هو توقيف أطلقه الشارع فلا يكيف ولا يشبه ، ولعل ذكر الأصابع من تخليط اليهود ، فإن اليهود مشبهة ، وفيما يدعونه من التوراة ألفاظ تدخل في باب التشبيه ولا تدخل في مذاهب المسلمين ، ورد عليه إنكاره ورود الإصبع لوروده في عدة أحاديث ، منها حديث مسلم : إن قلب ابن آدم بين إصبعين من أصابع الرحمن ، قيل : هذا لا يرد عليه ؛ لأنه إنما نفى القطع ، وفيه نظر لا يخفى ، أقول : لا يمنع ثبوت الإصبع الذي هو غير الجارحة ، فكما ثبت اليد أنها غير جارحة فكذلك الإصبع . ( الموضع الثاني ) في تصديق النبي - صلى الله تعالى عليه وسلم - إياه ، قال الخطابي : قول الراوي : تصديقا له ظن منه وحسبان ، وروى هذا الحديث غير واحد من أصحاب عبد الله فلم يذكروا فيه تصديقا له ، وقال القرطبي في المفهم : وأما من زاد : تصديقا له ، فليس بشيء ، فإن هذه الزيادة من قول الراوي وهي باطلة ؛ لأن النبي - صلى الله عليه وسلم - لا يصدق المحال ، وهذه الأوصاف في حق الله تعالى محال ، وطول الكلام فيه ، ثم قال : ولئن سلمنا أن النبي - صلى الله عليه وسلم - صرح بتصديقه لم يكن ذلك تصديقا في المعنى بل في اللفظ الذي نقله من كتابه عن نبيه ، ويقطع بأن ظاهره غير مراد .

( الموضع الثالث ) في ضحك النبي - صلى الله عليه وسلم - قال القرطبي : وضحك النبي - صلى الله عليه وسلم - إنما هو للتعجب من جهل اليهودي ، فظن الراوي أن ذلك التعجب تصديق ، وليس كذلك ، وقال ابن بطال : حاصل الخبر أنه ذكر المخلوقات وأخبر عن قدرة الله جميعا فضحك النبي - صلى الله عليه وسلم - تعجبا من كونه يستعظم ذلك في قدرة الله تعالى . ( الموضع الرابع ) في أن النبي - صلى الله عليه وسلم - ما كان يضحك إلا تبسما ، وهنا ضحك حتى بدت نواجذه ، وهو قهقهة ، قال الكرماني : كان التبسم هو الغالب وهذا كان نادرا ، أو المراد بالنواجذ الأضراس مطلقا . ( الموضع الخامس ) في الحكمة في قراءته - صلى الله عليه وسلم - قوله تعالى : وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ فقيل : أشار بهذا إلى أن الذي قاله اليهودي يسير في جنب ما يقدر عليه ، أي : ليس قدرته بالحد الذي ينتهي إليه الوهم أو يحيط به الحد والبصر ، وقال الخطابي : الآية محتملة للرضاء والإنكار ، وقال القرطبي : ضحكه - صلى الله عليه وسلم - تعجبا من جهل اليهودي ، فلذلك قرأ هذه الآية : وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ أي : ما عرفوه حق معرفته وما عظموه حق عظمته .

ورد في أحاديث1 حديث
هذا المحتوى شرحٌ لـ1 حديث
موقع حَـدِيث