باب قول الله تعالى : وَأَسِرُّوا قَوْلَكُمْ أَوِ اجْهَرُوا بِهِ إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ أَلا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ يتخافتون يتسارون أي : هذا باب في قول الله عز وجل : وَأَسِرُّوا قَوْلَكُمْ أَوِ اجْهَرُوا بِهِ يعني أن الله عالم بالسر من أقوالكم والجهر به ، فلا يخفى عليه شيء من ذلك . وقال ابن بطال : مراده بهذا الباب إثبات العلم لله تعالى صفة ذاتية لاستواء علمه بالجهر من القول والسر ، وقد بينه في آية أخرى سَوَاءٌ مِنْكُمْ مَنْ أَسَرَّ الْقَوْلَ وَمَنْ جَهَرَ بِهِ وإن اكتساب العبد من القول والفعل لله تعالى لقوله : إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ ، ثم قال عقيب ذلك : أَلا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ فدل على أنه عالم بما أسروه وما جهروا به ، وأنه خالق لذلك فيهم . وقال ابن المنير : ظن الشارح أنه قصد بالترجمة إثبات العلم وليس كما ظن ، وإلا لتعاطفت المقاصد مما اشتملت عليه الترجمة؛ لأنه لا مناسبة بين العلم وبين حديث ليس منا من لم يتغن بالقرآن وإنما قصد البخاري الإشارة إلى النكتة التي كانت سبب محنته بمسألة اللفظ ، فأشار بالترجمة إلى أن تلاوات الخلق تتصف بالسر والجهر ، ويستلزم أن تكون مخلوقة ، وسياق الكلام يأبى ذلك ، فقد قال البخاري في كتاب خلق أفعال العباد بعد أن ذكر عدة أحاديث دالة على ذلك ، فبين النبي صلى الله تعالى عليه وسلم أن أصوات الخلق وقراءتهم ودراستهم وتعليمهم وألسنتهم مختلفة ، بعضها أحسن وأزين وأحلى ، وأصوت وأرتل وألحن ، وأعلى وأخفض ، وأغض وأخشع ، وأجهر وأخفى ، وأمهر وأمد وألين من بعض . قوله : يَتَخَافَتُونَ أشار به إلى قوله تعالى : فَانْطَلَقُوا وَهُمْ يَتَخَافَتُونَ ثم فسره بقوله : يتسارون بتشديد الراء أي : يتساررون فيما بينهم بكلام خفي ، وقيل في بعض النسخ : بشين معجمة وزيادة واو بغير تثقيل أي : يتراجعون . 151 - حدثني عمرو بن زرارة ، عن هشيم ، أخبرنا أبو بشر ، عن سعيد بن جبير ، عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله تعالى : وَلا تَجْهَرْ بِصَلاتِكَ وَلا تُخَافِتْ بِهَا قال : نزلت ورسول الله صلى الله عليه وسلم مختف بمكة ، فكان إذا صلى بأصحابه رفع صوته بالقرآن ، فإذا سمعه المشركون سبوا القرآن ومن أنزله ومن جاء به ، فقال الله لنبيه صلى الله عليه وسلم : وَلا تَجْهَرْ بِصَلاتِكَ أي : بقراءتك فيسمع المشركون فيسبوا القرآن وَلا تُخَافِتْ بِهَا عن أصحابك فلا تسمعهم وَابْتَغِ بَيْنَ ذَلِكَ سَبِيلا مطابقته للترجمة لا تخفى . وعمرو بن زرارة بضم الزاي وتخفيف الراء الأولى ابن واقد الكلابي النيسابوري ، وروى عنه مسلم أيضا ، وهشيم بن بشير ، وأبو بشر بكسر الباء الموحدة وسكون الشين المعجمة جعفر بن أبي وحشية واسمه إياس . والحديث مضى في تفسير سورة بني إسرائيل ، فإنه أخرجه هناك ، عن يعقوب بن إبراهيم ، عن هشيم إلى آخره ومضى الكلام فيه . قوله : فيسمع بالنصب والرفع قيل : إذا كان النبي صلى الله تعالى عليه وسلم مختفيا عن الكفار فكيف يرفع الصوت وهو ينافي الاختفاء ؟ وأجيب بأنه لعله أراد الإتيان بشبه الجهر أو أنه ما كان يبقى له عند الصلاة ، ومناجاة الرب اختيار لاستغراقه في ذلك .
المصدر: عمدة القاري شرح صحيح البخاري
المصدر الرسمي: https://hdith.com/encyclopedia/book/b-43/h/403965
© hdith.com — الموسوعة الحديثيَّة