مقدمة تلخيص صحيح الإمام مسلم
) مقدمة تلخيص صحيح الإمام مسلم قال الشَّيخُ الفقيه ، الإمامُ العالمُ المُحدِّث ، أبو العبَّاس ابنُ الشَّيخِ الفَقيهِ أبي حَفْصٍ عُمَرَ ، الأنصاريُّ القُرْطُبيُّ - رحمه الله - : الحمدُ لله بمَجامِع مَحامِده التي لا يُبْلَغُ مُنتَهاها ، والشُّكْرُ له على آلائِهِ ، وإن لم يَكُن أحدٌ أحصاها . وأشهدُ أنْ لا إله إلاَّ الله وَحْدَهُ لاَ شَرِيكَ لَهُ ، شَهادَةَ مُحَقِّقٍ أصُولِهَا مُحيطٍ بِمَعْنَاهَا ، وَأَشْهَدُ أنَّ محمَّدًا رَسُولٌ حَلَّ مِنْ رُبَا النبوَّةِ أَعْلاَهَا فَعَلاَهَا ، وَحَمَلَ مِنْ أَعْبَاءِ الرِّسَالَة إِدَّهَا ، فَاضْطلَعَ بِهَا وَأَدَّاهَا ، فجلا اللهُ بِهِ عن البصائرِ رَيْنَهَا ، وعن الأبصارِ عَشَاهَا ، صَلَّى اللهُ عليه من الصلواتِ أفضَلَهَا وأزكَاهَا ، وأبلَغَهُ عنَّا من التحياتِ أكمَلَهَا وأَوْلاَهَا ، ورَضِيَ اللهُ عن عِتْرَتِهِ وأزواجِهِ وصحابتِهِ ما سَفَرَتْ شمسٌ عن ضُحَاهَا ، وبعدُ : فلمَّا قَضَتْ نتائِجُ العُقولْ ، وأدلَّةُ الشَّرعِ المَنقُولْ : أن سَعادَةَ الدَّارَينِ مَنُوطَةٌ بمُتابَعَةِ هذا الرَّسولْ ، وأنَّ المحبةَ الحَقيقِيَّةَ باقْتِفاءِ سَبيلِهِ وَاجِبَةُ الحُصُولْ قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي انْتَهَضَتْ هِمَمُ أعلامِ العُلَماءْ ، والسَّادَةُ الفُضلاءْ ، إلى البَحثِ عَنْ آثارِهْ : أقوالِهِ وأفعالِهِ وإِقْرارِهْ ، فحَصَّلُوا ذَلِك ضَبطًا وحِفظًا ، وبلَّغُوهُ إلى غَيرِهِمْ مُشافَهَةً ونَقْلاً . ومَيَّزوا صَحيحَهُ مِنْ سَقيمِهْ ، ومُعْوَجَّهُ مِنْ مُستَقيمِهْ ، إلى أن انْتَهى ذلك إلى إمَامَيْ عُلَماءِ الصَّحيحْ ، المُبَرِّزَينِ في عِلْمِ التَّعديلِ والتَّجريحْ : أبي عبد الله محمَّد بن إسماعيل الجُعْفيِّ البُخاريّ ، وأبي الحُسَين مُسْلِم بن الحجَّاج القُشَيْريِّ النَّيْسابُوريّ ، فجَمَعَا كِتابَيْهِما عَلَى شَرْطِ الصِّحَّة ، وبَذَلا جُهْدَهُما في تَبْرِئَتِهِما مِن كُلِّ عِلَّة ، فتمَّ لهُما المُرادُ ، وانعَقَدَ الإجْماعُ على تَلْقِيبِهِما باسْمِ الصَّحيحَيْن أَوْ كادْ ، فجَازاهُما الله عَنِ الإسلامِ أَفْضَلَ الجَزاءْ ، وَوَفَّاهُما مِنْ أَجْرِ مَنِ انْتَفَعَ بِكِتابَيْهِما أَفْضَلَ الإجْزَاءْ .
غَيْرَ أنه قد ظَهَرَ لكثيرٍ منْ أئمَّة النقْلِ ، وَجَهَابِذَةِ النَّقْد : أنَّ لمسلمٍ ولكتابهِ من المَزِيَّة ؛ ما يُوجِبُ لهما أَوْلَوِيَّة ؛ فَقَدْ حَكَى الْقَاضِي أَبُو الفَضْل عِيَاضٌ الإِجْماعَ عَلَى إمامتِهِ وتقديمِهِ ، وصِحَّةِ حديثِهِ ، وتمَيْزِهِ ، وثقتِهِ ، وقَبُولِ كِتَابِهِ . وكان أَبُو زُرْعَةَ وأبُو حَاتِمٍ يُقَدِّمانِهِ في الحديثِ على مشايِخِ عَصْرِهِمَا . وَقَالَ أَبُو عَلِيٍّ الحسَنُ بْنُ عَلِيٍّ النَّيْسَابُورِيُّ : مَا تَحْتَ أَدِيمِ السَّمَاءِ أَصَحُّ مِنْ كِتَابِ مُسْلِمٍ .
وقَالَ أَبُو مَرْوانَ الطّيبيُّ : كان من شُيوخِي من يفضِّل كتابَ مُسْلِمٍ عَلَى كِتَابِ البُخَارِيِّ . وَقَالَ مسلم بْنُ قَاسِمٍ فِي تَارِيخِهِ : مُسْلِمٌ جَلِيْلُ الْقَدْرِ ، ثِقَةٌ ، مِنْ أَئِمَّةِ الْمُحَدِّثِيْنَ ، وَذَكَرَ كِتَابَهُ فِي الصَّحِيحِ ، فقَالَ : لَمْ يَضَعْ أَحَدٌ مِثْلَهُ . وَقَالَ أَبُو حَامِدِ بْنُ الشَّرْقِيِّ : سَمِعْتُ مُسْلِمًا يَقُولُ : مَا وَضَعْتُ شَيئًا فِي هَذَا المُسْنَدِ إِلاَّ بِحُجَّةٍ ، وَمَا أَسْقَطْتُ مِنْهُ إِلاَّ بِحُجَّةٍ .
وَقَالَ ابْنُ سُفْيَانَ : قَالَ مُسْلِمٌ : لَيْسَ كُلُّ الصَحِيْحٍ وَضَعْتُ هُنَا ، إِنَّمَا وَضَعْتُ مَا أَجْمَعُوا عَلَيْهِ . وقَالَ مُسْلِمٌ : لَوْ أَنَّ أَهْلَ الْحَدِيْثِ يَكْتُبُوْنَ الْحَدِيْثَ مِائَتَيْ سَنَةٍ ، فَمَدَارُهُمْ عَلَى هَذَا الْمُسْنَدِ ، وَلَقَدْ عَرَضْتُ كِتَابِيْ هذَا عَلَى أَبِيْ زُرْعَةَ الرَّازِيِّ ؛ فَكُلَّ مَا أَشَارَ إِلَى أَنَّ لَهُ عِلَّةً تَرَكْتُهُ ، وَمَا قَالَ : هُوَ صَحِيْحٌ لَيْسَ لَهُ عِلَّةٌ أَخْرَجَتْهُ . هَذَا مَعَ أَنَّ الْكِتَابَ أَحْسَنُ الأَحَادِيْثِ مَسَاقًا ، وَأَكْمَلُ سِيَاقًا ، وَأَقَلّ تَكْرَارًا ، وَأَتْقَنُ اعْتِبَارًا ، وَأَيْسَرُ لِلْحِفْظِ ، وَأَسْرَعُ لِلضّبْطِ ، مَعَ أَنَّهُ ذَكَرَ صَدْرًا مِنْ عِلْمِ الْحَدِيث ، وَمَيَّزَ طبَقَاتِ الْمُحَدِّثِيْنَ فِي الْقَدِيْمِ وَالْحَدِيثْ .
وَلَمَّا كَانَ هَذَا الْكِتَابُ بِهَذِهِ الصِّفَة ، وَمُصَنِّفُهُ بِهَذِهِ الْحَالَة ، ينبغِيَ أَنْ يَخُصَّ بِفَضْلِ عِنَايَة ؛ مِنْ تَصْحِيْحٍ وَضَبْطٍ وَرِوَايَة ؛ وَحِفْظٍ وَتَفَقُّهٍ وَدِرَايَة . إِذِ الاعْتِنَاءُ بِحَدِيْثِ رَسُوْلِ الله - صلى الله عليه وسلم - يُشَرِّفُ الأَقْدَار ؛ وَيُنْهِضُ الْحُجَّةَ وَيُسَدِّدُ الاعْتِبَارْ ؛ وينفع الْبَصَائِرَ ، وَيَفْتَحُ الأَْبْصَارْ ؛ وَيُمَيِّزُ عَنِ الْجَهلَةِ ، ويُلْحِقُ بِالأَْئِمَّةِ الأَْبْرَارْ ، وَيُدْخِلُ الْجَنَّةَ وَيُنْجِي مِنَ النَّارْ . وَقَدْ أَعَانَ الْكَرِيمُ الْوَهَّابُ عَلَى الاعْتِنَاءِ بِهَذَا الْكِتَابْ ، فَتَلَقَّيْتُهُ رِوَايَةً وَتَقْيِيدًا عَنْ جَمَاعَةٍ مِنْ أَعْلاَمِ الْعُلَمَاءْ ؛ وثَافَنْتُ فِي التَّفَقُّهِ فِيهِ بَعْضَ سَادَاتِ الْفُقَهَاءْ .
فَممنْ رَوَيْتُ عَنْهُ : الشَّيْخُ الْفَقِيهُ الْقَاضِي الْمُحَدِّثُ الثِّقَةُ الثَّبْتُ ، أَبُو الْحَسَنِ عَلِيُّ ابْنُ الشَّيْخِ الزّْاهِدِ الْفَاضِلِ ، الْمُحَدِّثِ الْمُقِيدِ ؛ أَبِي عبد الله مُحَمَّدِ بْنِ عَلِيِّ بْنِ حَفْصٍ الْيَحْصِبِيُّ ، قِرَاءَةً عَلَيْهِ ، وَهُوَ يُمْسِكُ أَصْلَهُ نَحْوَ الْمَرَّتَيْنِ ، فِي مُدَّةٍ آخِرُهَا شَعْبَانُ سَنَةَ سَبْعٍ وَسِتُّمَائَةٍ . وَالشَّيْخُ الْفَقِيْهُ القَاضِي الأعْدَلُ ، الْعَلَمُ الأَْعْلَمُ ، أَبُو مُحَمَّدٍ عبد الله بْنُ سُلَيْمَانَ بْنِ دَاوُدَ بْنِ حَوْطِ الله ، قِرَاءَةً عَلَيْهِ ، وَسَمَاعًا لِكَثِيرٍ مِنْهُ ، وَإِجَازَةً لِسَائِرِهِ ، وَذَلِكَ بِقُرْطُبَةَ فِي مُدَّةٍ آخِرُهَا مَا تَقَدَّمَ : قَالاَ جَمِيعًا : حَدَّثَنَا الشَّيْخُ الإِمَامُ الْحَافِظُ ، أَبُو الْقَاسِمِ خَلَفُ بْنُ عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ مَسْعُودِ بْنِ بَشْكُوَالَ ، قِرَاءَةً عَلَيْهِ ، عَنْ أَبِي بَحْرٍ بن سُفْيَانَ بْنِ الْقَاضِي ، سَمَاعًا لِجَميعِهِ إِلاَّ وَرَقَاتٍ مِنْ آخِرِها أَجَازَهَا لَهُ ، عَنْ أَبِي الْعَبَّاسِ الْعُذْرِيِّ ، قِرَاءَةً غَيْرَ مَرَّةٍ ، عَنْ أَبِي الْعَبَّاسِ بْنِ بُنْدَارَ الرَّازِيِّ ، سَمَاعًا بِمَكَّةَ ، قَالَ : حَدَّثَنَا أَبُو أَحْمَدَ بْنُ عَمْرُوَيْه بن الْجُلُودِيُّ ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ سُفْيَانَ ، عَنْ أَبِي الْحُسَيْنِ مُسْلِمٍ رَحِمَهُمُ الله . وَقَدْ رُوِّيتُهُ عَنْ غَيْرِ وَاحِدٍ مِنَ الثِّقَاتِ الأَْعْلاَمِ ، قِرَاءَةً وَإِجَازَةً بِمِصْرَ وَغَيْرِهَا ، عَنِ الشَّيْخِ الشَّرِيفِ أَبِي الْمَفَاخِرِ سَعِيدِ بْنِ الْحُسَيْنِ الْمَأْمُونِيِّ الْهَاشِمِيِّ سَمَاعًا ، عَنِ الشَّيْخِ الإِمَامِ أَبِي عبد الله مُحَمَّدِ بْنِ الْفَضْلِ بْنِ أَحْمَدَ الصَّاعِدِيِّ الْفَرَاوِيِّ ، سَمَاعًا ، عَنِ الشَّيْخِ أَبِي الْحُسَيْنِ عَبْدِ الْغَافِرِ الْفَارِسِيِّ ، سَمَاعًا ، عَنْ أَبِي أَحْمَدَ ؛ كَمَا تَقَدَّمَ .
وَقَدْ رُوِّيتُهُ عَنْ جَمَاعَةٍ كَثِيرَة ؛ بِأَسَانِيدَ عَدِيدَة ، وَفِيمَا ذَكَرْنَاهُ كِفَايَة ، وَالله الْمُوَفِّقُ لِلْهِدَايَة . وَلَمَّا تَقَاصَرَتِ الْهِمَمُ فِي هَذَا الزَّمَانِ عَنْ بُلُوغِ الْغَايَاتْ ؛ مِنْ حِفْظِ جَمِيعِ هَذَا الْكِتَابِ ؛ بِمَا اشْتَمَلَ عَلَيْهِ مِنَ الأَْسَانِيدِ وَالرِّوَايَاتْ ، أَشَارَ مَنْ إِشَارَتُهُ غُنْمْ ؛ وَطَاعَتُهُ حَتْمْ إِلَى تَقْرِيبِهِ عَلَى الْمُتَحَفِّظْ ؛ وَتَيْسِيرِهِ عَلَى الْمُتَفَقِّه ؛ بِأَنْ نخْتَصَرَ أَسَانِيدُهُ ، وَنحْذَفَ تَكْرَارُه ، وَنُنَبَّه عَلَى مَا تَضَمَّنَتْهُ أَحَادِيثُهُ بِتَرَاجِمَ تُسْفِرُ عَنْ مَعْنَاهَا ، وَتَدُلُّ الطَّالِبَ عَلَى مَوْضِعِهَا وَفَحْوَاهَا . ( 1 ) بابُ ما تضمَّنتْهُ خُطبَةُ الكتابِ وصدرُهُ من المعاني والغريب ( قوله : الحمد لله ) الحمدُ لغةً : هو الثناءُ على مُثْنًى عليه بما فيه من أوصاف الجلال والكمال .
والشكر والثناءُ بما أَوْلَى من الإنعام والإفضال ، وقد يوضع الحمدُ موضعَ الشكر ، ولا ينعكس ؛ والشكرُ يكونُ بالقلب واللسان والجوارح . قال الشاعر : أَفَادَتْكُمُ النَّعْماءُ مِنِّي ثَلاثَةً يَدِي ولِسَانِي والضَّمِيرَ المُحَجَّبَا قال ابن الأنباري : الحمدُ مقلوبُ المدح ، والألفُ واللامُ في الحمد : إذا نُسبتا إلى الله تعالى : للجنس ، أي : الحمدُ كلُّه له ؛ وهذا أولى مِن قول مَن قال : إنَّهما للعهد ؛ بدليل خصوصيَّة نسبتِه إلى هذا الاسمِ الذي هو أعمُّ الأسماء دَلالةً وأشهَرُها استعمالاً ؛ ألا ترى أنَّهم لم يقولوا : الحمد للمَلِكِ ، ولا للحقِّ ؟! ولأنَّه لم يجر ذكرُ معهودٍ قبله فيُحْمَلَ عليه . والمحامد : جمع مَحْمِدَة ، بكسر الميم ؛ كما قال الأحنف بن قيس : ألا أدلُّكم على المَحْمِدَةِ بلا مَريَة ؟ الخُلُقُ السَّجِيح ، والكفُّ عن القبيح .
وكان قياسُ ميم المَحْمِدَة التي هي عينُ الفعل : أن تكونَ مفتوحة ؛ لأنَّ قياسَ الأفعالِ الثلاثيَّة التي يكون الماضي منها على فَعِلَ مكسور العين : أن يكون الفعلُ منها مفتوحَ العين في المصدر والزمان والمكان ؛ كالمَشْرَب ، والمَعْلَم ، والمَجْهَل ، لكنْ شذَّت عنهم كلمات . قال أبو عمرَ الزاهدُ : لم يأت على مثال فَعِلْتُ مَفْعِلَةً إلاَّ قولهم : حَمِدتُّ مَحمِدَةً ، وحَمِيتُ مَحمِيَةً ، أي : عصمت ، وحَسِبْتُ مَحسِبَةً ، ووَدِدتُّ مَوْدِدَةً ، وأنشد الراجز : مَا لِيَ في صُدُورِهِمْ مِنْ مَوْدِدَة وزاد غيره : كَبِرْتُ مَكْبِرَةً ومَكْبِرًا ؛ كما قال أعشى هَمْدان : طَلَبْتَ الصِّبَا لما عَلاني المَكْبِرُ وحكى ابنُ البياتِيّ في كتابه الكبير في ميم المحمدة الفتحَ ، ونقل عن ابن دُرَيْدٍ : مَحْمِدَة ومَحْمَدة ، بالكسر والفتح ، وقاله أيضًا ابن سِيدَه . وقال بعضهم : إنَّ المحامدَ جمع حَمْدٍ على غير قياس ؛ كالمَفَاقِر جمع فَقْر ، والأوَّل أولى ؛ لأنّ ما ليس بقياسٍ لا يقاسُ عليه ؛ إذ الجمعُ بينهما متناقض ، وقد جُمِعَ الحمدُ جمعَ القِلَّةِ في قول الشاعر : وَأَبْلَجَ مَحْمُودِ الثَّنايا خَصَصْتُهُ بأَفْضَلِ أَقْوَالِي وَأَفْضَلِ أَحْمُدِ و ( قوله : التي لا يُبْلَغُ مُنتهاها ) أي : لَعْجِز البشر عن الإحصاء ؛ لقصور علمهم عن الإحاطة بصفات الحق تعالى وأسمائه ؛ كما قال - عليه الصلاة والسلام - : لاَ أُحْصِي ثَنَاءً عَلَيْكَ أَنْتَ كَمَا أَثْنَيْتَ عَلَى نَفْسِكَ .
و الآلاء : النِّعَم ، واحده : إلى ؛ كمِعًى وأمعاء ، وقيل : أَلىً ؛ كقَفًا وأَقْفاء ؛ قال الشاعر : أَبْيَضُ لا يَرْهَبُ الهُزَالَ وَلا يَقْطَعُ رِحْمًا وَلا يَحوز إِلًى يُروى بالوجهين ، وقيل : إلْيٌ ؛ كحِسْيٍ وأَحْسَاء . و ( قوله : وأشهد أن لا إله إلاّ الله وحده لا شريك له ) أي : أنطِقُ بما أعلمُهُ وأتحقَّقُهُ . وأصلُ الشهادة : الإخبارُ عمَّا شاهد المخبِرُ بحسِّه ، ثُمَّ قد يقال على ما يحقّقه الإنسانُ ويتقَّنَهُ وإنْ لم يكن شاهدًا للحِسِّ ؛ لأنَّ المحقَّقَ علمًا كالمدرَكِ حِسًّا ومشاهدةً .
و ( قوله : شهادةَ محقِّقٍ أصولها ، محيطٍ بمعناها ) : أصولُ الشهادة : أدلَّتُها العقليَّة والسمعيَّة . والإحاطةُ تعني هاهنا : العلمَ بمعناها في اللغة ، وفي عُرْفِ الاستعمال . و مُحَمَّدٌ : مُفَعَّل من الحمد ، وهو الذي كثُرت خصالُهُ المحمودة ؛ قال الشاعر : .
إِلَى المَاجِدِ القَرْمِ الجَوَادِ المُحَمَّدِ ولمَّا لم يكن في الأنبياء ولا في الرسل مَنْ له من الخصالِ المحمودةِ ما لنبيِّنا - صلى الله عليه وسلم - ، خصَّه الله مِنْ بينهم بهذا الاسم ؛ كيف لا ، وهو الذي يَحْمَدُهُ أهلُ المحشر كلُّهم ، وبيده لواءُ الحمد ، تحته آدمُ فَمَنْ دونَهُ ؛ على ما يأتي ؟! و الرُّبَا : جمع رَبْوة ، وهو ما ارتفع من الأرض وطاف ، وفيها لغات : فتحُ الراء وضمُّها وكسرُها ، وقد قرئ بها . وقيل : رَبَاوة : بفتح الراء وزيادة الألف ، قال الشاعر : مِن مَنْزِلي فِي عَرْصَةٍ بِرَبَاوَةٍ بَيْنَ النُّخَيْلِ إِلَى بَقِيع الغَرْقَدِ و النُّبُوَّة : مأخوذة من النبأ ، وهو الخبر ، فأصلها إِذَا الهمزُ ، ثمَّ سُهِّلت كما سهَّلوا خابية ، وهي من خَبَأْتُ ، وقيل : هي مأخوذةٌ من النَّبْوَة ، وهو المرتفعُ عن الأرض . و الأعباء : جمع عِبْء ، وهو الثِّقْل ، وأصله : ما يحمله الإنسانُ مما يَشُقُّ ويثقُلُ من عزم أو مشقَّة .
و إِدُّها : أثقلُهَا وأشقُّها ؛ في الصحاح : آدَنِي الحِمْلُ يَؤُودُني ، أي : أثقلني ، ومَؤدد مثل مَقُول ، يقالُ : ما آدني فهو لي آئدٌ . قلتُ : ومنه قوله تعالى : وَلَا يَئُودُهُ حِفْظُهُمَا أي : لا يُثْقِله ولا يَشُقُّ عليه . و ( قوله : فاضطلع بها ) أي : قام بها وقَوِيَ عليها ، وهو بالضاد المعجمة أخت الصاد ؛ من قولهم : ضَلُعَ الرجلُ - بضمِّ اللام - ضَلاعةً ، فهو ضَلِيع ، أي : قوي وصُلْبٌ .
فأما ضَلَع - بفتح اللام - فمعناه : اعوج ، ومصدره : الضَّلَع بفتحها ، واسمُ الفاعلِ مِنْ هذا أو من الذي قبله : ضالعٌ . و جَلاَ معناه : كشف ، ومنه : جلَوْتُ السيفَ والعروسَ جِلاَءً . و البصائر : جمع بصيرة ، وهي عبارةٌ عن سرعة إدراك المعاني وجَوْدَةِ فهمها .
و رَيْنُ القلبِ : ما يَغْلِبُ عليه مما يُفْسِدُهُ ويُقَسِّيه ، وهو المعبَّر عنه بالطَّبْعِ والخَتْم في قول أهل السنة . و العَشَا بفتح العين والقصر : ضَعْفٌ في البصر ، وبكسرها والمد : الوقتُ المعروف ، وبفتحها والمد : ما يؤكَلُ في هذا الوقت ، مقابلَ الغَدَاء . و أزكاها : أكثرُها وأنماها ؛ من قولهم : زَكا الزرعُ يَزْكُو .
و التحيَّات : جمع تحيَّة ؛ وهي هنا السلام ، وأصلُ التحية : المُلْكُ ، ومنه قولهم : حيَّاك الله ، أي : مَلَّكك الله ، قاله القُتَبِيُّ . و العِتْرة : الذرية والعشيرة ، القُرْبى والبُعْدى ، وليس مخصوصًا بالذرية ؛ كما قد ذهب إليه بعضهم حتى قال : إنَّ عترةَ رسولِ الله - صلى الله عليه وسلم - هي وَلَدُ فاطمة خاصَّةً . ويدلُّ على صحة القولِ الأوَّل : قولُ أبي بكر - رضي الله عنه - فيما رواه ابنُ قُتَيْبَةَ : نَحْنُ عِتْرَةُ رسولِ الله - صلى الله عليه وسلم - التي خَرَجَ منها ، وبَيْضَتُهُ التي تفقَّأَتْ عنه ، وإنما جِيبَتِ عنا كما جِيبَتِ الرَّحَا عن قُطْبِها .
و سَفَرَتْ : كشفَتْ ، يقال : سفَرْتُ الشيءَ سَفْرًا كشفْتُهُ ؛ ومنه سَفَرَتِ المرأةُ عن وجهها سُفُورًا : إذا أزالت خمارها ، وأما أسفر الصبحُ : فأضاء ، وأَسْفَرَ القوم : ساروا في إسفارٍ من الصبح . و الضُّحَى : صدرُ النهار ، بالضم والقصر ، وهي حين شروقِ الشمس ، وهي مؤنَّثة ، فأمَّا الضَّحاءُ ، بالمد : فارتفاع النهار الأعلى ، وهو مذكَّر ؛ قاله أبو عُبَيْد . و النتائج جمع نتيجة ، وكُنّىَ بها هنا عن البراهين العقلية ، فإنها قضت بما ذكرَناه جوازًا وإمكانًا .
و أدلة الشرع : هي أخباره الصادقة ؛ فإنها قضَتْ بذلك وقوعًا وعِيَانًا . و سعادة الدارين : هي نيلُ مراتبهما ومصالحهما ، ونفيُ مفاسدهما . و منوطة : معلَّقة ، يقال : ناط الشيءَ يَنُوطُهُ : إذا علَّقه ؛ والإشارة به إلى نحو قوله تعالى : قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ والهداية الحقيقية هي فعلُ الطاعاتِ الشرعيَّة ، والحصولُ على ما وعَدَ عليها من الدرجات الأخروية ؛ والإشارةُ إلى نحو قوله تعالى : وَإِنْ تُطِيعُوهُ تَهْتَدُوا ؛ وتجوز بالحقيقَة عن الهداية التي هي مجرَّدُ الإرشادِ والدَّلالَةِ التي هي نحو قولِهِ تعالى : وَأَمَّا ثَمُودُ فَهَدَيْنَاهُمْ .
و الاقتفاء : التَّتَبُّع ؛ من قولهم : اقتفيْتُ أثَرَه وقفوْتُهُ ، وأصله من القَفَا والقافية . و ( قوله : واجبة الحصول ) أي : بحسَبِ الوعدِ الصدق والاشتراطِ الحق ؛ نحو ما تقدَّم . ولا يجبُ على الله تعالى شيء ، لا بالعقلِ ولا بالشرع ؛ فإنَّ ذلك كلَّه محالٌ على ما يعُرف في علم الكلام .
و الأعلام : المشاهير ، جمع عَلَمٍ . و السَّادة : جمع سيِّد ، وهو الذي يَسُودُ غيره ، أي : يتقدَّم عليه بما فيه مِنْ خصال الكمال والشرف . وآثار النبي - صلى الله عليه وسلم - : هي ما يُؤْثَرُ عنه وينقل ، أي : يُتَحَدَّث بما فيه من حسن خصال الكمال من قولهم : أَثَرْتُ الحديثَ أثرة .
و ( قوله : وميَّزوا صحيحَه من سقيمِه ) : اختلفت عباراتُ المحدِّثين في أقسام الحديث ، فقال أبو عبد الله محمد بنُ عبد الله الحاكمُ النيسابوريُّ : وهو المعروفُ بابن البَيِّع في كتاب المَدْخَل له : الصحيحُ من الحديث على عشرة أقسام ؛ خمسةٌ مُتَّفَقٌ عليها ، وخمسةٌ مُخْتَلَفٌ فيها : فالأول : من المتفَّق عليه : اختيارُ البخاريِّ ومسلم ، وهو ألاَّ يَذْكُرا من الحديث إلا ما رواه صحابيٌّ مشهورٌ عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ، له راويان فأكثر ، ثم يرويه عنه تابعيٌّ مشهورُ الرواية عن الصحابة ، له هو أيضًا راويان فأكثر ؛ وكذلك مَنْ بعدهم ، حتى ينتهي الحديثُ إليهما . قال : والأحاديثُ المرويَّةُ بهذه الشريطةِ لا يبلُغُ عددها عَشَرَةَ آلاف . الثاني : مِثْلُ الأول ؛ لكنْ ليس لراويه من الصحابة إلا راو واحد .
الثالث : مثله ؛ إلا أنَّ راويَهُ ليس له من التابعين إلا راو واحدٌ . الرابع : الأحاديثُ الأفرادُ الغرائبُ التي رواها الثقاتُ العدول . الخامس : أحاديثُ جماعةٍ من الأئمَّةِ عن آبائهم عن أجدادهم ، ولم تتواتَرِ الروايةُ عن آبائِهِمْ وأجدادِهِمْ إلا عنهم ؛ كصحيفة عمرو بن شُعَيْب ، وبهز بن حَكِيم ، عن أبيه ، عن جَدِّه ، وأبان بن معاوية بن قُرَّة ، عن أبيه ، عن جده ، وأجدادُهُمْ صحابةٌ ، وأحفادهم ثقات .
قال : فهذه الأقسام الخمسة مخرَّجة في كتب الأئمة ، محتجٌّ بها ؛ وإن لم يخرَّج في الصحيحين منها شيء . قلتُ : يعني غَيْرَ القسم الأول . قال الحاكم : والخمسةُ المختَلُف فيها : المراسيل .
وأحاديث المدلِّسين إذا لم يَذْكُروا سماعاتهم ، وما أسنده ثقةٌ وأرسلَهُ جماعةٌ من الثقاتِ غيرُهُ . وروايةُ الثقاتِ عن الحُفَّاظ العارفين . وروايةُ المبتدعة إذا كانوا صادقين .
قلتُ : هذا تلخيصُ ما ذكره ، وعليه فيه مؤاخذاتٌ سيأتي بعضها . وأشبَهُ مِنْ تقسيمه : ما قاله الخَطَّابيُّ أبو سليمان ، قال : الحديثُ عند أهله على ثلاثة أقسام : صحيحٌ ، وحَسَنٌ ، وسقيم : فالصحيح : ما اتصَلَ سنده ، وعُدِّلَتْ نَقَلَتُهُ . والحسن : ما عُرِفَ مَخْرَجُهُ ؛ واشتَهَر رجاله ؛ وعليه مدارُ أكثرِ الحديث ، وهو الذي نقله العلماء ، ويستعملُهُ عامَّةُ الفقهاء .
والسقيم : على طبقات ، شرُّها الموضوعُ والمقلوبُ ، ثم المجهول . وقال أبو عيسى الترمذي : كلُّ حديثٍ حَسُنَ إسنادُهُ ، ولا يكونُ في إسناده مَنْ يُتَّهَمُ بالكذب ، ولا يكونُ الحديثُ شاذًّا ، ورُوِيَ عن غير وجه ونحو ذلك : فهو عندنا حسن . وقال أبو عليٍّ الغَسَّانيُّ : الناقلون سبع طبقات : الأولى : أئمة الحديث وحُفَّاظه ، وهم الحُجَّة على مَنْ خالفهم ، ويُقبَلُ انفرادُهم .
الثانية : دونهم في الحفظ والضبط ؛ ولكنَّهم لَحِقَهم في بعض روايتهم وَهَمٌ وغَلَطٌ . والغالبُ على حديثهم الصِّحَّة ، ويُصحَّحُ ما وَهِمُوا فيه من رواية الطبقة الأولى ، وهم لاحقون بهم . الثالثة : جَنَحَتْ إلى مذاهبَ مِنَ الأهواء غير غالية ولا داعية ، وصَحَّ حديثها ، وثَبَتَ صدقها ، وقَلَّ وَهَمُها ؛ فهذه الطبقة احتمَلَ أهلُ الحديث الروايةَ عنهم .
قال : وعلى هذه الطبقاتِ الثلاثِ يدورُ الحديثُ ؛ وإليها أشار مسلم في صدر كتابه لمَّا قَسَّم الحديثَ على ثلاثة أقسام ، وثلاثِ طبقات ، فلم يُقَدَّرْ له إلا الفراغُ من الطبقة الأولى ، واخترمتْهُ المنيَّة . وثلاثُ طبقات أسقطَهُمْ أهلُ المعرفة : الأولى : مَن وُسِم بالكذب ، وَوَضْع الحديث . الثانية : مَن غَلَب عليهم الوَهَمُ والغَلَطُ حتى تستغرق روايتهم .
الثالثة : مَن غلا في البدعة ، ودعا إليها ، وحَرَّفَ الرواية ليحتجُّوا بها . والسابعة : قومٌ مجهولون ، انفردوا بروايات لم يتابَعُوا عليها ؛ فقبلهم قومٌ ، ووقفهم آخرون . قلت : وهذا التقسيمُ أشبهُ ممَّا قبله .
وعليه : فالصحيحُ : حديثُ الطبقة الأولى ، والحسَنُ : حديثُ الطبقة الثانية ، وهو حجةٌ ؛ لسلامته عن القوادح المعتبرة ، وأمَّا حديثُ الطبقة الثالثة : فاختُلِفَ في حديثها ؛ على ما يأتي . وأما الطبقاتُ الثلاثُ بعدها فهم متروكون ، ولا يُحتَجُّ بشيء من حديثهم ، ولا يُختَلَف في ذلك . ويلحق بهم السابعةُ في الترك ، ولا يُبالَى بقولِ مَنْ قَبلَهم ؛ إذْ لا طرائقَ إلى ظَنِّ صدقهم ؛ إذْ لا تُعرَفُ روايتُهُم ولا أحوالهم ؛ ومع ذلك فقد أَتَوْا بالغرائبِ والمناكِير ، فإحدى العلتين كافية في الرد ، فكيف إذا اجتمعتا ؟! و ( قوله : ومُعْوَجَّهُ من مستقيمه ) : أشار بالمُعْوَجِّ إلى ما كان منها منكرَ المتن ، ولم يشبه كلامَ النبي - صلى الله عليه وسلم - ؛ كما قال أبو الفرج ابن الجوزيُّ في كتاب العلل المتناهية في الأحاديث الواهية : إن من الأحاديثِ الموضوعاتِ أحاديثَ طِوَالاً لا يخفى وضعها ، وبرودةُ لفظها ؛ فهي تنطق بأنها موضوعة ، وأنَّ حاشيةَ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ترق عنها .
وقال الشيخ : وإلى هذا النحو أشار النبيُّ - صلى الله عليه وسلم - بقوله : إذا حُدِّثْتُمْ عني بحديثٍ تَعْرِفُونَهُ ولا تُنكِرُونَهُ ، فصدِّقوا به ، وما تنكرونه ، فكذِّبوا به ؛ فأنا أقولُ ما يُعرَفُ ولا يُنْكَر ، ولا أقولُ ما يُنْكَرُ ولا يُعْرَف ؛ خرَّجه الدَّارقُطنيُّ ؛ من حديث ابن أبي ذئب ، عن المَقْبُريِّ ، عن أبيه ، عن أبي هريرة . و المبرِّز : هو المُطِلُّ على الشيءِ الخارجُ عنه ، وهو اسمُ فاعلٍ من بَرَّزَ مُشدَّدَ الراء ، وأصله من بَرَزَ حقيقة ، بمعنى : خرج إلى البَراز - بفتح الباء - ، وهو الفضاءُ المتسع من الأرض ، وضوعف تكبيرًا . البخاري : هو أبو عبد الله محمدُ بنُ إسماعيلَ بن إبراهيمَ بن المُغِيرَة بن بَرْدِزْبَه ، وبردزبه : مجوسيٌّ مات عليها ، والمغيرة بن بردزبه أسلم على يدي يمان البخاري الجعفي والي بخارى ، ولذلك نُسبَ أبو عبد الله البخاري ، فقيل فيه : جُعْفِيُّ ، فهو الجعفيُّ ولاءً ، والبخاري بلدًا .
وهو العَلَمُ المشهورْ ، والحاملُ لواءَ علمِ الحديثِ المنشور ، صاحب التاريخ الصحيح ، المرجوع إليه في علم التعديل والتجريحْ ، أَحَدُ حُفَّاظِ الإسلامْ ، ومَنْ حَفِظَ الله به حديثَ رسوله عليه الصلاةُ والسلامْ ، رحَلَ في طلب الحديثِ إلى القُرَى والأمصارْ ، وبالَغَ في الجمعِ منه والإكثارْ ، لقي مَنْ كان في عصره من العلماء والمحدِّثينْ ، وأدرَكَ جماعةً أدركوا التابعينْ ؛ كَمَكِّيِّ بن إبراهيمَ البَلْخِيّ ، وأبي عاصمٍ النبيل ، ومحمَّدِ بنِ عبدِ الله الأنصاريّ ، وعصامِ بنِ خالدٍ الحِمْصِيّ ، وهم أدركوا متأخِّري التابعينْ . ارتحَلَ إلى عراقِ العربِ والعَجَم ، وإلى مصرَ والحجازِ واليَمَن ، وسمع بها مِنْ خلقٍ كثيرْ رُبَّمَا يزيدون على الألفِ باليسيرْ . قال جعفرُ بنُ محمَّد بن القَطَّانُ : سمعتُ محمدَ بن إسماعيل يقول : كتبتُ عن ألفِ شيخٍ أو أكثر ، ما عندي حديثٌ إلا أذكُرُ إسناده .
رَوَى عنه جمعٌ كبيرٌ من الأئمة الحُفَّاظ ؛ كأبي حاتم الرازي ، ومسلم بن الحَجَّاج القُشَيْري ، وأبي عيسى التَّرْمِذِيّ ، ومحمد بن إسحاق بن خُزَيْمة ، وأبي حامدِ بنِ الشَّرْقيِّ ، وإبراهيمَ بنِ إسحاقَ الحَرْبي ، في آخرين يطولُ ذكرهم . وروى عنه الجامعَ الصحيحَ : أبو حيان مَهِيبُ بن سُلَيْمٍ الدَّقَّاق ، وإبراهيمُ بنُ مَعْقِلٍ النَّسَفِيُّ ، ومحمد بن يوسف بن مَطَرٍ الفَرَبْرِيُّ ، وهو آخرهم ، وقال محمد بن يوسفَ الفَربريُّ : سمع كتابَ البخاريِّ تسعون ألف رجل ، فما بقي أحدٌ يرويه غيري . ومولُد البخاريِّ يوم الجمعة بعد صلاتها لثلاثَ عَشَرَةَ ليلةً خلت من شَوَّال سنة أربع وتسعين ومائة ، وتوفِّي ليلةَ السبتِ عند صلاة العشاء من ليلة الفطر من شوال ، سنة ست وخمسين ومائتين ، وعمره : اثنتان وسِتُّون سنة إلا ثلاثة عشر يومًا .
شَهِدَ له أئمَّةُ عصره بالإمامة في حفظ الحديث ونقله ، وشهدَتْ له تراجمُ كتابه بفهمه وفقهه . قال أبو بكر محمد بن إسحاق بن خُزَيْمة : ما تحت أديمِ السماء أعلَمُ بالحديث من البخاري . وقال له مسلم بن الحَجَّاج ، وقد سأله عن عِلل الأحاديث ، فأجابه ، فقال له : لا يَبْغُضُكَ إلا حاسد ، وأشهَدُ أنْ ليس في الدنيا مثلك .
وقال أبو بكرٍ الجَوْزَقي : سمعتُ أبا حامدِ بْنَ الشَّرْقي أو غيره يقولُ : رأيتُ مسلم بن الحَجَّاج بين يَدَيِ البخاريِّ كالصبيِّ بين يدي معلِّمه . وقال حامد بن أحمد : ذُكِرَ لعليِّ بنِ المَدِيِنيِّ قولُ محمد بن إسماعيل البخاري : ما تصاغَرْتُ نفسي عند أحدٍ إلا عند عليِّ ابن المديني ، فقال : ذروا قوله هو ، ما رأى مِثْلَ نفسه . وذكر أبو أحمدَ بنُ عَدِيٍّ : أَنَّ البخاري لمَّا قدم بغداد امتحنه المحدِّثون بأنْ قلبوا أسانيد مائةِ حديثٍ ، فخالفوا بينها وبين متونها ، ثم دفعوها لِعَشَرةِ أنفس ، لكلِّ واحدٍ عشرةُ أحاديث ، فلمَّا استَقَرَّ به المجلس ، قام إليه واحد من العشرة ، فذَكَر له حديثًا مِنْ عَشَرَتِهِ المقلوبة ، فسأله عنه ، فقال له البخاري : لا أعرف هذا .
ثم سأله عن بقيَّةِ العَشَرة واحدًا واحدًا ، وهو في كلِّ ذلك يقول : لا أعرف . ثم قام بعده ثانٍ ففعل له مثلَ ذلك ، ثم قام ثالثٌ كذلك ، حتى كمَّل العشرةُ المائة الحديثِ . فلمَّا فرغوا ، دعا بالأوَّل ، فَرَدَّ ما ذَكَرَ له من الأحاديث إلى أسانيدها ، ثم فَعَلَ ببقيَّةِ العشرة كذلك ، إلى أنْ رَدَّ كلَّ متن إلى سنده ، وكُلَّ سند إلى متنه ، فبُهِتَ الحاضرون ، وأُعْجِبَ بذلك السامعون ، وسلَّموا لحفظه ، واعترفوا بفضله .
وقال الدارقطني : لولا البخاريُّ ما ذَهَبَ مسلمٌ ولا جاء . وقال أحمد بن محمد الكراسي : رحم الله الإمامَ أبا عبد الله البخاريَّ ، فإنَّه الذي ألَّف الأصول ، وبيَّن للناس ، وكلُُّ مَنْ عمل بعده فإنما أخَذَه مِنْ كتابه ؛ كمسلم بن الحجاج ، فرَّقَ كتابه في كتبه ، وتجلَّد فيه حَقَّ الجلادة ، حيثُ لم يَنْسُبْهُ إلى قائله ، ومنهم مَنْ أَخَذَ كتابه فنقله بعينه ؛ كأبي زرعة ، وأبي حاتم . فقال محمدُ بنُ الأزهرِ السِّجْزِيُّ : كنتُ بالبصرة في مجلسِ سليمانَ بنِ حرب ، والبخاريُّ جالس لا يكتب ، فقال بعضهم : ما له لا يكتب ؟ فقال : يرجع إلى بخارَى فيكتب مِنْ حفظه .
وقال محمد بن حَمْدَوَيْهِ : سمعتُ البخاريَّ يقول : أحفظ مائة ألفِ حديثٍ صحيح ، وأعرفُ مائتَيْ ألفِ حديثٍ غير صحيح . وأخبارُهُ كثيرة ، ومناقبُهُ شهيرة ، وإمامته وعدالته وأمانته متواترة ، كُلُّ ذلك مِنْ حاله معروف ، ومِنْ فضله موصوف . والعجبُ مما ذكره أبو محمدِ بنُ أبي حاتم في ترجمة البخاري ، فقال : إنَّ أبي وأبا زرعة تركاه - يعني البخاري - لأنه قال : لفظي بالقرآن مخلوق ، ولم ينقُلْ شيئًا من فضائله ، وكأنَّه أعرَضَ عنه وصغَّرَ أمره .
قلتُ : وهذا تركٌ يجبُ تَرْكُه ، وتصغيرٌ يتعيَّن ضِدُّه ، كيف يُنزل مثلُ هذا الإمامْ ، لحقٍّ أظهَرَهُ في الأنامْ ، وتطاعُ فيه أهواءُ الطَّغَامْ ؟! وقد ذَكَر ابن عدي هذه القصَّة ، فقال : عُقِدَ له المجلسُ بنيسابور ، فدُسَّ عليه سائل ، فقال : يا أبا عبد الله ، ما تقول : لفظي بالقرآن مخلوق ؟ فأعرض عنه ، فأَلَحَّ عليه ، فقال : القرآنُ قد تم غيرُ مخلوق ، وأفعالُ العباد مخلوقة ، والسؤالُ عنه بِدْعة . وهذا الذي قاله - رضي الله عنه - هو غايةُ التحقيق والتحرُّز ، ولكنْ نسألُ الله العافيةَ مِنْ إصابة عينِ الحُسَّادْ ، ومناكَدَةِ الأضدادْ ولا شكَّ ، إلا أن الرجلَ عُلِمَ فضلُهُ ، وكَثُرَ الناسُ عليه فحُسِدَ . قال عليُّ بنُ صالحِ بنِ محمدٍ البغداديُّ مستَمْلي البخاري : كان يجتمعُ في مجلس البخاريِّ أكثَرُ من عشرين ألفًا .
قال المصعب : محمدُ بنُ إسماعيلَ أفقهُ عندنا مِن أحمدَ بنِ حنبل ، ولو أدركْتَ مالكًا ونظَرْتَ إلى وجهه ، ووَجْهِ محمدِ بنِ إسماعيل ، لقلتَ : كلاهما في الفقهِ والحديثِ واحد . وقال يعقوبُ بنُ إبراهيمَ الدَّوْرَقيُّ : محمدُ بن إسماعيل فقيهُ هذه الأمة . وأما مسلم : فيكنى أبا الحسين بن الحَجَّاج ، قُشَيْرِيُّ النسب ، نَيْسَابوري الدار .
وقد ذكر في صدر الكتاب الملخَّص - الذي هذا شرحُهُ - من أقوال العلماء في مسلم من الثناءِ عليه وعلى كتابه : جملةً صالحة ، بحيث إذا قوبلتْ بما قيل في البخاري وفي كتابه كانت مكافئةً لها أو راجحةً عليها . والحاصلُ من معرفة أحوالهما أنهما فَرَسا رِهانْ ، وأنَّهما ليس لأحد في حَلْبتهما بمسابقتهما ولا مساوقتهما يدانْ . سمع مسلمٌ بخراسان ، وارتحَلَ إلى العراق والحجاز والشام ومصر كارتحال البخاريِّ .
وسمع من يحيى بن يحيى التميمي ، وقتيبة بن سعيد البلخي ، وإسحاقَ بنِ راهَوَيْهِ ، وأحمدَ بنِ حنبل ، ويحيى بن مَعِين ، والقَعْنَبِيِّ ، ومسلمِ بنِ إبراهيم ، وأبي بكر بن أبي شيبة ، ومحمدِ بن بَشَّار ، ومحمدِ بنِ المثنى ، وخلقًا كثيرًا يطول ذكرهم . رَوَى عنه : إبراهيمُ بن سفيان الزاهدُ المَرْوَزِيُّ ، وأبو محمدٍ أحمدُ بنُ عليِّ بنِ الحسن القَلاَنِسِيُّ ، ولا يُرْوَى كتابُهُ إلا من طريقهما . وروى عنه أيضًا : مكي بن عَبْدَان ، ويحيى بن محمد بن صاعد ، ومحمد بن مَخْلَد ، وآخرون .
توفِّي عشيةَ يوم الأحد ، ودُفِنَ يوم الإثنين لخمسٍ بَقِينَ من رجب سنةَ إحدى وستين ومائتين ، وقد وافى سِنَّ الكهولة ، مات وهو ابنُ خمس وخمسين سنة . و ( قوله : فجمعا كتابيهما على شرط الصحة ) : هذا هو الصحيحُ الحاصلُ من أشراط البخاريِّ ومسلم في كتابيهما . قال إبراهيمُ بن مَعْقِل : سمعتُ البخاريَّ يقول : ما أدخلْتُ في كتاب الجامع الصحيح إلا ما صَحَّ ، وقد تركْتُ من الصحيح خوفًا من التطويل .
وقال أبو الفرج بن الجوزي : ونُقِلَ عن محمد بن إسماعيل أنه قال : صَنَّفْتُ كتاب الصحيح في سِتَّ عَشْرَةَ سنةً مِنْ سِتِّمائة ألف حديث ، وجعلته حجةً بيني وبين الله تعالى . وقال لي الفربري : قال لي محمد بن إسماعيل : ما وضعتُ في كتاب الصحيح حديثًا إلا اغتسلْتُ قبل ذلك ، وصلَّيْتُ ركعتين . وقال عبد القُدُّوس بن هشام : سمعت عشرةً من المشايخ يقولون : دوَّن محمد بن إسماعيل تراجمَ جامعِهِ بين قبر النبيِّ - صلى الله عليه وسلم - وبين منبره ، وكان يصلِّي لكل ترجمة ركعتين .
وقال الحسين بن محمد الماسَرْجِسِيُّ : سمعتُ أبي يقولُ : سمعتُ مسلمَ بنَ الحَجَّاج يقولُ : صَنَّفْتُ هذا المسنَدَ الصحيحَ من ثلاثمائة ألف حديث مسموعة . وقال إبراهيم بن سفيان : قال لي مسلم : ليس كلُّ صحيحٍ وضعتُ هنا ، وإنما وضعتُ ما أجمعوا عليه . فهذه نُصُوصُهُمَا على أنَّ شرطهما إنما هو الصحيحُ فقطْ .
وأما ما ادّعاه الحاكمُ عليهما مِنَ الشرط الذي قدَّمنا حكايته عنهما : فشيءٌ لم يصحَّ نقله عنهما ، ولا سَلَّمَ له النقَّادُ ذلك ؛ بَلْ قد قال أبو علي الجَيَّاني لمَّا حَكَى عنه ما ادَّعاه من الشرط : ليس مراده به أن يكون كلُّ خبر روياه يجتمع فيه راويان عن صحابيِّيه وتابعيِّيه ومَنْ بعده ؛ فإن ذلك يَعِزُّ وجوده ، وإنما المراد : أن هذا الصحابيَّ وهذا التابعيَّ قد روى عنه رجلان خَرَجَ بهما عن حَدِّ الجهالة . قلتُ : فقد بطَلَ ظاهرُ ما قاله الحاكمُ بما قاله أبو علي ؛ فإنَّ حاصل ما قاله أبو علي : أنهما لم يُخَرِّجا عن مجهول من الرواة ، على أنَّ أبا أحمدَ بنَ عَدِيٍّ ذكَرَ شيوخَ البخاري ، وذكر منهم أقوامًا لم يَرْو عنهم إلا راو واحدٌ ، وسمَّاهم عينًا عينًا ، وقال : لم يرو عنهم إلاَّ راو واحد ، وليسوا بمعروفين ، فلولا التطويل لنقلنا عنه ما قاله . وعلى هذا : فشرطهما : أن يخرِّجا في كتابيهما ما صَحَّ عندهما وفي ظنونهما ، ولا يلزم مِنْ ذلك نفيُ المطاعن عن كُلِّ مَنْ تضمَّنه كتاباهما ؛ فقد يظهَرُ لغيرهما من النُّقَّاد ما خفي عنهما ، لكنَّ هذا المعنى المشارَ إليه قليل نادرٌ لا اعتبارَ به لندوره .
و ( قوله : وبذلا جهدهما في تبرئتهما من كل علة ) : الجُهد ، بضمِّ الجيم : الطاقةُ والوُسْع ، وبفتحها : المَشَقَّة ، ويعني بذلك : أنَّهما قد اجتهدا في تصحيح أحاديث كتابَيْهِمَا غايةَ الاجتهاد ، غير أنَّ الإحاطةَ والكمالْ ، لم يَكْمُلاَ إلاَّ لذي العظمة والجلالْ ، فقد خَرَّجَ النقاد - كأبي الحسن الدَّارَقُطْنِيّ وأبي عليٍّ الجَيَّانيّ - عليهما في كتابيهما أحاديثَ ضعيفةً وأسانيدَ عليلة ، لكنَّها نادرة قليلة ، وليس فيها حديث متّفق على تركه ، ولا إسناد مجمَع على ضعفه ، لكنّها ممَّا اختُلِفَ فيه ، ولم يَلُحْ لواحدٍ منهما في شيء منها قدحٌ فيخفيه ، بل ذلك على حَسِبَ ما غلَبَ على ظَنِّه ، وحصل في علمه ، وأكثرُ ذلك ممّا أردفاه على إسناد صحيح قبله ؛ زيادةً في الاستظهارْ ، وتنبيهًا على الإشهارْ ، والله أعلم . وسيأتي التنبيه على بعض تلك الأحاديث ، إن شاء الله تعالى . ( فقوله : فتمَّ لهما المرادْ ، وانعقَدَ الإجماعُ على تلقيبهما باسم الصحيحين أو كادْ ) : هذه أو كاد : معطوفة على تَمَّ لهما المراد ، وتحرَّزنا بها عن الأحاديثِ المُعلّلةِ المنتَقَدةِ عليهما ؛ كما ذكرناه آنفاً .
وأمَّا انعقادُ الإجماعِ على تسميتهما بالصحيحَيْن : فلا شَكَّ فيه ؛ بل قد صار ذِكْرُ الصحيح عَلَمًا لهما ، وإنْ كان غيرهما بعدهما قد جمَعَ الصحيح واشترَطَ الصِّحَّةَ ؛ كأبي بكرٍ الإسماعيلي الجُرْجَانيِّ ، وأبي الشيخ ابن حَيَّان الأصبهانيِّ ، وأبي بكرٍ البَرْقَانيّ ، والحاكمِ أبي عبد الله ، وإبراهيمَ بن حمزة ، وأبي ذرٍّ الهَرَوِيِّ ، وغيرهم ، لكنِ الإمامان أَحْرَزَا قَصَبَ السِّبَاقْ ، ولُقِّبَ كتاباهما بالصحيحَيْن بالاتِّفاق ؛ قال أبو عبد الله الحاكم : أهلُ الحجازِ والعراقِ والشامِ يَشْهَدون لأهلِ خراسان بالتقدُّمِ في معرفةِ الحديث ؛ لِسَبْقِ الإمامَيْنِ : البخاريِّ ومسلم إليه ، وتفرُّدِهِمَا بهذا النوع . و الجهابذة : جمع جِهبِذ ، وهو : الحاذقُ بالعملِ ، الماهرُ فيه . وقول مسلم : ليس كلُّ الصحيح وضعتُ هنا ، وإنَّمَا وضعتُ ما أجْمَعُوا عليه ، يعني به - والله أعلم - : مَنْ لقيه مِنْ أهل النقد والعلم بالحديث ، والله أعلم .
و ( قوله : وَمَيَّزَ طبَقَاتِ الْمُحَدِّثِيْنَ فِي الْقَدِيْمِ وَالْحَدِيثْ ) : يعني بالقديم : منْ تقدّم زمان مسلم ، وبالحديث : زمانَ مَنْ أدركه . وهذا إشارةٌ إلى قول مسلم في صدر كتابه : أنَّه يعمَدُ إلى جملةِ ما أُسنِدَ من الأخبار عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ، فَيَقْسِمُهَا على ثلاثة أقسام ، وثلاثِ طبقات ، قال : أمَّا القسمُ الأوَّلُ ، فإنَّا نتوخَّى أن نقدِّمَ الأخبارَ التي هي أسلَمُ من العيوب من غيرها وأنقَى ؛ مِنْ أن يكونَ ناقلوها أهلَ استقامة في الحديث ، وإتقان لما نقلوا ، لم يوجدْ في روايتهم اختلافٌ شديد ، ولا تخليطٌ متفاحش . وإذا نحن تقصَّيْنَا أخبارَ هذا الصِّنْفِ ، أتبعناها أخبارًا في إسنادها بعضُ مَنْ ليس بالموصوفِ بالحِفْظِ والإتقانِ ، كالضَّرْبِ المتقدِّم ، على أنّهم - وإنْ كانوا فيما وصفنا دونهم - فإنَّ اسم السَّتْرِ وتعاطي العلمِ والصِّدْقِ يشملهم ؛ كعطاء بن السائب ، ويزيد بن أبي زياد ، ولَيْث بن أبي سُلَيْم ، فغيرُهُم من أقرانهم مِمَّن عندهم ما ذكرنا من الإتقان والاستقامة في الرواية ، يَفْضُلُونَهُم في المنزلة والحال ؛ ألا ترى أنّك إذا وازنتَ هؤلاءِ الثلاثةَ ، عطاءً ، ويزيدَ ، وليثًا ، بمنصور بن المُعْتَمِرِ وسليمانَ الأعمشِ ، وإسماعيلَ بن أبي خالد ، وجدتَّهم مباينين لهم في المنزلة لا يدانونهم ، لا شَكَّ عند العلماء في ذلك .
وذكر كلامًا في معناه إلى أن قال : فأما ما كان منها عن قومٍ هم عند أهل الحديث مُتَّهَمُونَ ، أو عند الأكثر ، فلسنا نتشاغَلُ بتخريج حديثهم ؛ كعبد الله بن مِسوَرٍ أبي جعفرٍ المداينيِّ ، وعمرو بن خالد ، وعبد القُدُّوس الشامي ، ومحمدِ بنِ سعِيدٍ المَصْلُوب ، وغِيَاثِ بن إبراهيم ، وسليمان بن عَمْرو ، وأبي داودَ النَّخَعِيِّ وأشباهِهِمْ ممن اتُّهمَ بوضع الحديث ، وتوليد الأخبار ، وكذلك مَنِ الغالبُ على حديثه المنكَرُ أو الغلطُ ، أمسكنا عنهم .
قال المؤلف رحمه الله تعالى : وظاهرُ هذا أن مسلمًا أدخَلَ في كتابه الطبقتين المتقدِّمتين : الأولى والثانية ، غير أنَّ أبا عبد الله الحاكم قال : إنَّ مسلمًا لم يُدْخِلْ في كتابه إلا أحاديث الطبقة الأولى فقط ، وأما الثانية والثالثة : فكان قد عزَمَ على أن يخرِّج حديثهما ، فلم يُقَدَّرْ له إلا الفراغُ من الطبقة الأولى ، واخترمته المنية .
قال المؤلف رحمه الله تعالى : ومَسَاقُ كلامِهِ لا يقبَلُ ما قاله الحاكم ؛ فتأمَّله . و ( قوله : وثَافَنْتُ فِي التَّفَقُّهِ فِيهِ بَعْضَ سَادَاتِ الْفُقَهَاءْ ) أي : جالستُ ، وأصله من الثَّفِنَات ، وهو ما يتناثر من الرِّجْلَيْن والرُّكْبتين واليدين من تكرار الجلوس والعمل ؛ يقال : ثَفِنَتِ اليدُ ثَفَنًا : غَلُظَتْ من العمل ، وواحدُ الثفنات : ثَفِنَة ، وأصلها : ما يقعُ من البعير على الأرض ، ويَغْلُظُ عند الإشاخة . و ( قولنا : وَقَدْ رُوِّيتُهُ عَنْ غَيْرِ وَاحِدٍ مِنَ الثِّقَاتِ الأَْعْلاَمِ ، قِرَاءَةً وَإِجَازَةً ) : أعني بذلك : أنِّي قرأته كلَّه على الشيخِ الفقيهِ الزاهِدِ الفاضلِ ، تَقِيِّ الدين أبي إبراهيمَ عَوَضِ بنِ محمود ، بمصر .
وممن أجازه لي : الشيخُ الفقيهُ المحدِّث ، الزاهدُ التَّلاَّءُ للقرآن ، أبو الحسين مرتضَى بنُ العفيفِ المقدسي ، لَقِيتُهُ بِقَرَافة مصر ، وسمعتُ عليه ، وقرأتُ عليه ، وأجاز لي جميعَ رواياته . ومنهم : القاضي فخرُ القضاةِ أبو الفضلِ بنُ الحباب ، أجازه لي . وكلُّهم يحدِّث به عن الشيخ أبي المفاخر المأمونيِّ بالسند المذكور في أصل التلخيص .
فَاسْتَعَنْتُ بِالله تَعَالَى ، وَبَادَرْتُ إِلَى مُقْتَضَى الإِْشَارَة ؛ بَعْدَ أَنْ قَدَّمْتُ فِي ذَلِكَ دُعَاءَ النَّفْعِ بِهِ وَالاْسْتِخَارَة ، فَاقْتَصَرْتُ مِنَ الإِسْنَادِ عَلَى ذِكْرِ الصَّاحِبِ إِلاَّ أَنْ تَدْعُوَ الْحَاجَة إِلى ذِكْرِ غَيْرِهِ فَأَذْكُرُهُ لِزِيَادَةِ فَائِدَة ؛ وَحُصُولِ عَائِدَة ، وَمِنْ تَكْرَارِ الْمُتُونِ عَلَى أَكْمِلِهَا مَسَاقًا ، وَأَحْسَنِهَا سِيَاقًا ، مُلْحِقًا بِهِ مَا فِي غَيْرِهِ مِنَ الرواية ؛ مُحَافِظًا إِنْ شَاءَ الله تَعَالَى أَلاّ أُغْفِلَ مِنْهُ شَيْئًا مِنْ مُهِمَّاتٍ الْفَوَائِدِ ؛ فَإِذَا قُلْتُ : عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ مَثَلاً ، وَأَفْرُغُ مِنْ مَسَاقِ مَتْنِهِ ، وَقُلْتُ : وَفِي رِوَايَةَ ؛ فَأَعْنِي : أَنَّهُ عَنُ ذَلِكَ الصَّاحِبِ الْمُتَقَدِّمِ مِنْ غَيْرِ ذَلِكَ الطَّرِيق . وَرُبَّمَا قَدّمْتُ بَعْضَ الأَحَادِيثِ وَأَخَّرَتْ حَيثَمَا إِلَيْهِ اضْطُرِرْتْ ؛ حِرْصًا عَلَى ضَمِّ الشَّيْءِ لِمُشَاكِلِهِ ؛ وَتَقْرِيبًا لَهُ عَلَى مُتَنَاوِلِه . وَقَدِ اجْتَهَدْتُ ؛ فِيمَا رَوَيْتُ وَرَأَيْتُ ؛ وَوَجْهَ الله الْكَرِيمِ قَصَدتُّ ، وَهُوَ الْمَسْؤُولُ ؛ فِي أَنْ يَنْفَعَنِي بِهِ وَكُلَّ مَنِ اشْتَغَلَ بِهِ ، وَيُبَلِّغَنَا الْمَأْمُولْ ، وَأَنْ يَجْعَلَنَا وَإِيَّاهُ مِنَ الْعُلَمَاءِ الْعَامِلِينَ ؛ الْهُدَاةِ الْمُهتَدِينَ ، وَهُوَ الْمُسْتَعَانُ ، وَعَلَيْهِ التُّكُلاَنُ ، وَهُوَ حَسْبُنَا وَنِعْمَ الْوَكِيلُ .