باب وُجُوبِ الأخْذِ عَنِ الثِّقَاتِ والتَّحْذيرِ مِنَ الكَذِبِ عَلى رَسُولِ اللهِ
) بَابُ وُجُوبِ الأخْذِ عَنِ الثِّقَاتِ ، والتَّحْذيرِ مِنَ الكَذِبِ عَلى رَسُولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم قَالَ الله عزَّ وَجلَّ : يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا الآية ، وقال : وَأَشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْلٍ مِنْكُمْ وقال : مِمَّنْ تَرْضَوْنَ مِنَ الشُّهَدَاءِ . 1 /9 المقدمة - [ 1 ] عَنِ الْمُغِيرَةِ بْنِ شُعْبَةَ ، وَسَمُرَةَ بْنِ جُنْدَبٍ ، قَالا : قَالَ رَسُولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - : مَنْ حَدَّثَ عَنِّي بِحَدِيثٍ يُرَى أَنَّهُ كَذِبٌ ، فهو أَحَدُ الْكَذابِينَ . ( 2 ) ومِنْ بابِ : وجوبِ الأَخْذِ عن الثقاتِ والتحذيرِ من الكذبِ على رسولِ الله - صلى الله عليه وسلم - الكَذِبُ لغةً : هو الخَبَرُ عن الشيء على خلافِ ما هو به ، غير أنَّ المحرَّم شرعًا ، المستقبَحَ عادةً : هو العمدُ المقصود ، إلا ما استُثْنِيَ على ما يأتي .
ويقال : كَذَبَ ، بمعنى : أخطأ . وأصلُ الكذبِ في الماضي والخُلْفُ في المستقبل ؛ قاله ابنُ قُتَيْبَة ؛ وقد جاء الكذب في المستقبل ؛ قال الله تعالى : ذَلِكَ وَعْدٌ غَيْرُ مَكْذُوبٍ . ويقال : كَذَبَ الرجلُ ، بفتح العين ، يَكْذِبُ ، بكسرها ، كِذْبًا ، بكسر الكاف وسكون الذال ، وكَذِبًا ، بفتح الكاف وكسر الذال ، فأمَّا كِذَّاب المشدَّدُ الذال ، فأحدُ مصادر كَذَّبَ بالتشديد .
قوله تعالى : إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَأٍ فَتَبَيَّنُوا . الفاسقُ في أصل اللغة : هو الخارجُ مطلقًا ، والفِسْقُ والفُسُوق : الخروجُ ، ومنه قولهم : فَسَقَت الرُّطَبَةُ : إذا خرجَتْ مِنْ قِشْرها الأعلى ، ومنه سُمِّيَتِ الفأرة : فُوَيْسِقةً ؛ لأنها تخرُجُ من جحرها للفساد . وهو في الشرع : خروجٌ مذمومٌ بحسب المخروج منه ، فإنْ كان إيمانًا ، فذلك الفسق كُفْرا ، وإن كان غَيْرَ إيمان ، فذلك الفِسْقُ معصية .
وقرئ في السبع : فَتَبَيَّنُوا : من البيان ، و تَثَبَّتُوا ؛ من التثبُّت ، وكلاهما بمعنى متقاربٍ . ولم يختلف النَّقَلَةُ - فيما عَلِمْتُ أَنَّ هذه الآية نزلَتْ بسبب الوليد بن عقبة ، بعثَهُ رسولُ الله - صلى الله عليه وسلم - إلى بني المصطَلِقِ مصدِّقًا ، فلمَّا أبصروه ، أقبلوا نحوه ، فهابهم لإحنةٍ كانتْ بينهم في الجاهلية ، وقيل : إنَّهم لم يخرُجُوا إليه ، وأخبر أنهم ارتدُّوا ؛ ذكره أبو عمر بنُ عبد البر ، فرجَعَ إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - ، فأخبَرَه أنَّهُمُ ارتَدُّوا ومنعوا الزكاة ، فبعَثَ النبيُّ - صلى الله عليه وسلم - خالد بن الوليد ، وأمره بالتثبُّت في أمرهم ، فأتاهم ليلاً ، فسمعَ الأذان ، ووجَدَهُمْ يصلُّون ، وقالوا له : قد استبطأنا المصدِّقَ ، وخفنا غضَبَ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ، فرجَعَ خالدٌ إلى النبيِّ - صلى الله عليه وسلم - ، فأخبره بذلك ؛ فنزلَتِ الآية . ومقتضى الآية أنَّ الفاسق لا يُقبَلُ خبرُهُ ، روايةً كان أو شهادةً ، وهو مُجْمَعٌ عليه في غير المتأوِّل ، ما خلا ما حُكِيَ عن أبي حنيفة من حكمه بصحَّةِ عقدِ النكاحِ الواقعِ بشهادة فاسقَيْن .
وحكمةُ ذلك أن الخبر أمانة ، والفسق خيانة ، ولا يوثَقُ بِخَؤون . وقال الفقهاء : لا يقبل قوله ؛ لأنَّ جُرْأَته على الفسق تَخْرِمُ الثقةَ بقوله ، فقد يجترئ على الكذب كما اجترَأَ على الفسق . فأمَّا الفاسق المتأوِّلُ الذي لا يعرف فِسْقَ نفسه ، ولا يكفرُ ببدعته : فقد اختُلِفَ في قَبُول قوله ، فَقَبِلَ الشافعيُّ شهادته ، وردَّها القاضي أبو بكر .
وفرَّقَ مالكٌ بين أن يدعُو إلى بدعة فلا تُقْبَلُ ، أو لا يدعُو فتقبَلُ ، ورُوِيَ عنه : أنه لا تقبَلُ شهادتهم مطلقًا . وكلُّهم اتفقوا على أنَّ مَنْ كانت بدعته تُجرِّئُهُ على الكذب كالخَطَّابية من الرافضة ، لم تقبَلْ روايته ولا شهادته ، ولبسط حُجَجِ هذه المذاهب موضعٌ آخر . و ( قوله : وَأَشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْلٍ مِنْكُمْ : دليلٌ على اشتراط العدالة في الشهادة ، ومعناها في اللغة : الاستقامةُ ، والاعتدالُ ضِدَّ الاعوجاج ، ويقال : عدْلٌ مِنَ العدالةِ والعُدُولةِ ، ويقال : عدْلٌ ، للواحد وللاثنين ولجماعة المذكَّرِ والمؤنَّث ، بلفظ واحد ؛ إذا قُصِدَ به قُصِدَ المصدر ، وإذا قُصِدَ به الصفة ، ثُنِّيَ وجُمِعَ ، وذُكّر وأُنِّث .
وهي عند أئمَّتنا : اجتنابُ الكبائر ، واتِّقَاءُ الصغائر وما يناقضُ المروءةَ ، ويُزْرِي بالمناصب الدينيَّة ، والعبارةُ الوجيزةُ عنها هي : حُسْنُ السيرة ، واستقامةُ السريرة شرعًا في ظَنِّ المعدَّل ، وتفصيلُهَا في الفروع . وهل يكتفى في ظَنِّ حصول تلك الأحوال في العدل بظاهر الإسلام ، مع عدم الاطَّلاَعِ على فسق ظاهر ، أو لا بدّ من اختبارِ حاله حتَّى يُظَنُّ حصولُ تِلْك الأمور في المعدّل ؟ قولانِ لأهل العلم : الأوَّلُ : مذهبُ أبي حنيفة . والثاني : مذهبُ مالكٍ ، والشافعيِّ ، والجمهور ، وهو مرويٌّ عن عمر بن الخَطَّاب رضي الله عنه .
وعلى مذهب أبي حنيفة : فشهادةُ المسلمِ المجهولِ الحال مقبولةٌ ، وهي على مذهب الجمهور مردودةٌ . وقد ذكرنا حُجَجَ الفريقَيْن في كتابنا : الجامع لمقاصد علم الأصول . و ( قوله : مِمَّنْ تَرْضَوْنَ مِنَ الشُّهَدَاءِ الظاهرُ مِنْ هذا الخطابِ : أنَّهُ لمن افتتَحَ الكلامَ معهم في أوَّل الآية في قوله : يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا تَدَايَنْتُمْ بِدَيْنٍ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى فَاكْتُبُوهُ وهم : المخاطَبون بقوله : وَأَشْهِدُوا إِذَا تَبَايَعْتُمْ وبقوله : وَاسْتَشْهِدُوا شَهِيدَيْنِ مِنْ رِجَالِكُمْ وعلى هذا الظاهر وكُلُّ مَنْ رضيه المتداينان والمتبايعان فأشهداه ، حصَلَ به مقتضى الخطاب ؛ غير أنَّهُمَا قد يرضيان بِمَنْ لا يرضى به الحاكم ، ولا يسمَعُ شهادته ، فلا ينتفعان بالإشهاد ، ولا يحصُلُ مقصودُ الشرع من الاستيثاقِ بالشهادة ؛ إذ لم يثبُتْ بما فعلاه عَقْدٌ ، ولا يُحْفَظُ به مال .
ولما كان ذلك قال العلماء : إن المخاطَبَ بذلك الحُكَّامُ ؛ إذ هم الذين يَعْرِفون المرضيَّ شرعًا من غيره ، فتثبُتُ بمن يرضَوْنَهُ العقود ، وتحفظ الأموال والدماء والأبضاع ، ويحصل الفصل بين الخصوم فيما يتنازعون فيه من الحقوق ، وذلك هو مقصود الشرع من قاعدة الشهادة قطعًا ، ولا يحصُلُ ذلك برِضَا غيرهم ؛ فتعيَّنَ الحكامُ لهذا الخطاب الذي هو قوله : مِمَّنْ تَرْضَوْنَ مِنَ الشُّهَدَاءِ . وإذا تقرَّر هذا ، فالذي يرضاه الحاكم : هو العَدْلُ الذي انتفَتْ عنه التُّهَمُ القادحةُ في الشهادة ؛ كالقرابة القريبة ، وجَرِّ المنفعة لنفسه أو لولده أو لزوجته ، وكالعداوةِ البيِّنة ، والصداقةِ المُفْرِطة - على تفصيلٍ وخلافٍ يعرف في الفقه - فقد أفادتِ الآيتان معنَييْنِ : أحدهما : اعتبارُ اجتماعِ أوصافِ العدالة التي إذا اجتمعَتْ ، صدَقَ على الموصوفِ بهما أنه عدل . والثاني : اعتبارُ نَفْيِ القوادح التي إذا انتفَتْ ، صدَقَ على من انتفتْ عنه أنّه مَرْضِيّ .
فلا بدَّ من اجتماع الأمرَيْن في قبول الشهادة ؛ ولذلك لا يُكْتَفَى عندنا في التزكية بأن يقول المزكِّي : هو عدلٌ فقطْ ، بل حتى يقولَ : هو عدلٌ مَرْضِيٌّ ؛ فيجمعَ بينهما . وأما في الأخبار : فلا بُدَّ من اعتبار المعنى الأول ، ولا يشترطُ الثاني فيها ؛ إذ يجوز قَبُولُ أخبار رسول الله - صلى الله عليه وسلم - من الراوي لها العدلِ ، وإنْ جَرَّ لنفسه بذلك نفعًا ، أو لولده ، أو ساقَ بذلك مضرةً لعدوِّه ؛ كأخبار عليٍّ - رضي الله عنه - عن الخوارج . وسِرّ الفرْق : أنه لا يتَّهم أحدٌ من أهل العدالة والدِّين بأن يكذبَ على رسولِ الله - صلى الله عليه وسلم - بشيء من ذلك ، فكيف يقتحمُ أحدٌ من أهل العدالة والدِّين لشيء من ذلك مع قول رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : إنَّ كَذِبًا عليَّ ليس كَكَذِبٍ على أحدٍ ؛ فَمَنْ كَذَبَ عليَّ ، فليتبوَّأْ مَقْعَدَهُ من النار .
والخبر والشهادة ؛ وإنِ اتفقا في أصلِ اشتراط العدالة ، فقد يفترقان في أمور عديدة ؛ كما فصَّلناه في الأصول . وعلى الجملة : فشوائبُ المتعبّدات ومراعاةُ المناصب في الشهادات أغلب ، ومراعاة ظنّ الصدق في الرواية أغلب ، والله تعالى أعلم . و ( قوله عليه الصلاة والسلام : مَنْ حَدَّثَ عَنِّي بِحَدِيثٍ يُرَى أَنَّهُ كَذِبٌ ، فهو أَحَدُ الْكَذابِينَ ) : قيَّدناه عن مشايخنا : يُرَى مبنيًّا للفاعل والمفعول : فيَرَى بالفتح ، بمعنى : يعلَمُ المتعدِّية لمفعولَيْن ، وأنَّ سدَّت مسدَّهما .
وماضي يَرَى : رَأَى مهموزًا ، وإنما تركتِ العربُ همزَ المضارع ؛ لكثرة الاستعمال ، وقد نطقوا به على الأصل مهموزًا في قولهم : ألم تر ما لاقَيْتُ والدَّهرُ أعصُرُ ومَنْ يَتَمَنَّ العَيْشَ يَرْأَى وَيَسْمَعُ وربَّما تركوا همزَ الماضي في مثل قولهم : صَاحِ هل رَيْتَ أو سَمِعْتَ براعٍ رَدَّ في الضَّرْع ما قَرَا في الحِلاَبِ ؟ ويحتمل ما في الحديث أن يكونَ بمعنى الرأي ؛ فيكون ظنًّا من قولهم : رأيتُ كذا ، أي : ظهَرَ لي . وعليهما يكونُ المقصودُ بالذَّمِّ الذي في الحديث : المتعمِّدَ للكذب علمًا أو ظنًّا . وأما يُرَى بالضمِّ : فهو مبنيٌّ لما لم يسمَّ فاعله ، ومعناها : الظَّنُّ ، وإنْ كان أصلها مُعَدًّى بالهمزة من رأى ، إلا أنَّ استعمالَهُ في الظَّنِّ أكثرُ وأشهر .
و ( قوله : فهو أحد الكذابين ) : رُوِّينَاهُ بكسر الباء على الجمع ؛ فيكون معناه : أنه أحد الكذابِين على رسول الله - صلى الله عليه وسلم - الذين قال الله تعالى في حقهم : وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ تَرَى الَّذِينَ كَذَبُوا عَلَى اللَّهِ وُجُوهُهُمْ مُسْوَدَّةٌ الآية ؛ لأنَّ الكذبَ على رسول اللهِ - صلى الله عليه وسلم - كذبٌ على الله تعالى . ورُوِّيناه أيضًا - بفتح الباء على التثنية ؛ ويكون معناه : أنَّ المُحدِّث ، والمُحدَّث بما يظنَّان أو يعلمان كذبَهُ كاذبان ؛ هذا بما حدَّثَ ، والآخرُ بما تحمَّل من الكذب مع علمه أو ظنِّه لذلك . ويفيد الحديثُ : التحذيرَ عن أن يحدِّثَ أحدٌ عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إلا بما تحقق صدقَهُ علمًا أو ظنًّا ، إلا أن يحدّث بذلك على جهة إظهار الكذب ؛ فإنه لا يتناوَلُهُ الحديث .
وفي كتاب الترمذيِّ ، عن ابن عباس - رضي الله عنهما - عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال : اتقوا الحديثَ عنِّي إلا ما عَلِمْتُمْ ، فَمَنْ كَذَبَ عليَّ متعمِّدًا ، فليتبوَّأْ مَقْعَدَهُ من النار ، ومَنْ قال في القرآن برأيه ، فليتبوَّأْ مَقْعَدَهُ من النار ، وقال : هذا حديثٌ حسن .