باب وُجُوبِ الأخْذِ عَنِ الثِّقَاتِ والتَّحْذيرِ مِنَ الكَذِبِ عَلى رَسُولِ اللهِ
[ 3 ] وَعَنِ الْمُغِيرَةَ ، قَالَ : سَمِعْتُ رسولَ الله صلى الله عليه وسلم ، يَقُولُ : إِنَّ كَذِبًا عَلَيَّ لَيْسَ كَكَذِبٍ عَلَى أَحَدٍ ؛ فَمَنْ كَذَبَ عَلَيَّ مُتَعَمِّدًا ، فَلْيَتَبَوَّأْ مَقْعَدَهُ مِنَ النَّارِ . و ( قوله : إِنَّ كَذِبًا عَلَيَّ لَيْسَ كَكَذِبٍ عَلَى أَحَدٍ ) أي : إنَّ العقاب عليه أشَدُّ ؛ لأنَّ الجرأةَ منه على الكذب أعظمُ ، والمفسدةُ الحاصلةُ بذلك أشَدُّ ؛ فإنَّه كذبٌ على الله ، ووَضْعُ شرعٍ ، أو تغييرُهُ . و ( قوله : فَمَنْ كَذَبَ عَلَيَّ مُتَعَمِّدًا ، فَلْيَتَبَوَّأْ مَقْعَدَهُ مِنَ النَّارِ ) أي : لِيَتَّخِذْ فيها منزلاً ؛ فإنها مقرُّه ومسكنه ، يقال : تبوَّأَتُ منزلاً ، أي : اتَّخَذْتُهُ ونزلتُهُ ، وبوَّأْتُ الرجلَ منزلاً ، أي : هَيَّأْتُهُ له ، ومصدره : بَاءَة ومَبَاءَة .
وهذه صيغةُ أمرٍ ، والمراد بها : التهديدُ والوعيد ، وقيل : معناها : الدعاء ، أي : بوَّأَهُ اللهُ ذلك ، وقيل : معناها الإخبارُ بوقوعِ العذاب به في نار جهنم ، وكذلك القولُ في حديث عليٍّ الذي قال فيه : يَلِج النارَ . وقد روى أبو بكرٍ البَزَّارُ هذا الحديثَ من طريق عبد الله بن مسعود ، وزاد : لِيُضِلَّ به . وقد اغترَّ بهذه الزيادةِ أناسٌ ممَّن يقصدُ الخيرَ ولا يعرفُهُ ؛ فظَنَّ أنَّ هذا الوعيدَ إنما يتناوُل مَنْ قصَدَ الإضلاَل بالكذب على رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ، فأَمَّا مَنْ قصدَ الترغيب في الأعمال الصالحة ، وتقويةَ مذاهبِ أهل السنة ، فلا يتناوُلُهُ ؛ فوضَعَ الأحاديث لذلك .
وهذه جهالةٌ ؛ لأن هذه الزيادةَ تُرْوَى عن الأعمش ، ولا تصحُّ عنه ، وليستْ معروفةً عند نَقَلِةِ ذلك الحديثِ مع شهرته ، وقد رواها أبو عبد الله الحاكمُ - المعروفُ بابن البَيِّعِ - من طُرُقٍ كثيرة ، وقال : إنَّها واهيةٌ لا يصحُّ منها شيء .
قال الشيخ رحمه الله تعالى : ولو صحَّت ، لما كان لها دليلُ خطابٍ ، وإنما كانت تكونُ تأكيدًا ؛ لقوله تعالى : فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا لِيُضِلَّ النَّاسَ بِغَيْرِ عِلْمٍ . وافتراءُ الكذبِ على الله محرَّمٌ مطلقًا ، قصَدَ به الإضلالَ أو لم يقصد ؛ قاله الطحاويُّ . ولأنَّ وَضْعَ الخبر الذي يُقْصَدُ به الترغيبُ كذِبٌ على الله تعالى في وضعِ الأحكام ؛ فإنَّ المندوبَ قِسْمٌ من أقسام الأحكام الشرعية ، وإخبارٌ عن أنَّ الله تعالى وَعَدَ على ذلك العملِ بذلك الثواب ، فكلُّ ذلك كذِبٌ وافتراءٌ على الله تعالى ؛ فيتناوله عمومُ قوله تعالى : فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا .
وقد استجازَ بعضُ فقهاءِ العراق نسبةَ الحكمِ الذي دَلَّ عليه القياسُ إلى رسولِ الله - صلى الله عليه وسلم - نسبةً قوليَّة ، وحكايةً نقليَّة ، فيقول في ذلك : قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - كذا وكذا ؛ ولذلك ترى كتبهم مشحونةً بأحاديثَ مرفوعة ، تشهدُ متونُها بأنَّهَا موضوعَة ؛ لأنَّهَا تُشْبِهُ فتاوى الفقهاء ، ولا تليقُ بجزالة سيِّد الأنبياء ، مع أَنَّهُمْ لا يقيمون لها صحيحَ سَنَد ، ولا يُسْنِدونها من أئمَّةِ النقل إلى كبير أَحَد ، فهؤلاء قد خالفوا ذلك النهي الأكيد ، وشَمِلَهُمْ ذلك الذَّمُّ والوعيد . ولا شَكَّ في أنَّ تكذيبَ رسولِ الله - صلى الله عليه وسلم - كُفْر ، وأمَّا الكَذِبُ عليه : فإنْ كان ذلك الكاذبُ مستحلًّا لذلك ، فهو كافر ، وإن كان غيرَ مستحلٍّ ، فهو مرتكبُ كبيرةٍ ، وهل يكفُرُ أم لا ؟ اختُلِف فيه على ما مَرَّ .