باب الأَْمْرِ بِتَنْزِيلِ النَّاسِ مَنَازِلَهُمْ وَوُجُوبِ الْكَشْفِ عَمَّنْ لَهُ عَيْبٌ مِنْ رُوَاةِ الْحَدِيثِ
( 6 ) بَابُ الأَْمْرِ بِتَنْزِيلِ النَّاسِ مَنَازِلَهُمْ وَوُجُوبِ الْكَشْفِ عَمَّنْ لَهُ عَيْبٌ مِنْ رُوَاةِ الْحَدِيثِ 1 / 6 المقدمة - [ 6 ] عَنْ عَائِشَة ؛ أَنَّهَا قَالَتْ : أَمَرَنَا رَسُولُ الله - صلى الله عليه وسلم - أَنْ نُنَزِّلَ النَّاسَ مَنَازِلَهُمْ . اسْتَدَلَّ بِهِ مُسْلِمٌ هَكَذَا وَلَمْ يُسْنِدْهُ ، وَقَدْ ذَكَرَهُ أبو دَاوُد فِي مُصَنَّفِه ، وَأَبُو بَكْرٍ البَزَّارُ فِي مُسْنَدِه ، وَقَالَ : لا يُعْلَمُ إِلا مِنْ حَدِيثِ مَيْمُون بْنِ أَبِي شَبِيبٍ ، عَنْ عَائِشَةَ ، عَنِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم . - وَعَنْ أَبِي عَقِيلٍ يَحْيَى بْنِ الْمُتَوَكِّلِ صَاحِبِ بُهَيَّةَ ، قَالَ : كُنْتُ جَالِسًا عِنْدَ الْقَاسِمِ بْنِ عُبَيْدِ اللهِ ، وَيَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ ، وقَالَ يَحْيَى لِلْقَاسِمِ : يَا أَباَ مُحَمَّدٍ ، إِنَّهُ قَبِيحٌ - عَلَى مِثْلِكَ - عَظِيمٌ أَنْ تُسْأَلَ عَنْ شَيْءٍ مِنْ أَمْرِ هَذَا الدِّينِ ، فَلاَ يُوجَدَ عِنْدَكَ مِنْهُ عِلْمٌ وَلاَ فَرَجٌ ، أو عِلْمٌ وَلاَ مَخْرَجٌ .
فَقَالَ لَهُ الْقَاسِمُ : وَعَمَّ ذَاكَ ؟ قَالَ : لأَنَّكَ ابْنُ إِمَامَيْ هُدًى ؛ ابْنُ أَبِي بَكْرٍ وَعُمَرَ ، قَالَ : يَقُولُ لَهُ الْقَاسِمُ : أَقْبَحُ مِنْ ذَلِكَ عِنْدَ مَنْ عَقَلَ عَنِ اللهِ أَنْ أَقُولَ بِغَيْرِ عِلْمٍ ، أو آخُذَ عَنْ غَيْرِ ثِقَةٍ ، قَالَ : فَسَكَتَ فَمَا أَجَابَهُ . - وَفِي رِوَايَةٍ : فَقَالَ لَهُ يَحْيَى بْنُ سَعِيْدٍ : إِنِّي لأُعْظِمُ أَنْ يَكُوْنَ مِثْلُكَ - وَأَنْتَ ابْنُ إِمَامَي الْهُدَى ؛ يَعْنِي عُمَرَ وَابْنَ عُمَرَ - تُسْأَلُ عَنْ أَمْرٍ لَيْسَ عِنْدَكَ فيه عِلْمٌ ، فَقَالَ : أَعْظَمُ مِنْ ذَلِكَ عِنْدَ اللهِ ، وَعِنْدَ مَنْ عَقَلَ عَنِ اللهِ ، أَنْ أَقُوْلَ بِغَيْرِ عِلْمٍ ، أو آخذ عَنْ غَيْرِ ثِقَةٍ . - وَقَاَلَ يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ الْقَطَّانُ : لَمْ نَرَ أَهلَ الْخَيْرِ فِي شَيْءٍ أَكْذَبَ مِنْهُمْ فِي الْحَدِيثِ .
قَالَ مُسْلِمٌ : يَقُولُ : يَجْرِي الْكَذِبُ عَلَى لِسَانِهِمْ ، وَلاَ يَتَعَمَّدُونَ الْكَذِبَ . - وَقَالَ أبو الْزِّنَادِ : أَدْرَكْتُ بِالمَدِينَةِ مِائةً ، كُلُّهُمْ مَأْمُونٌ ، مَا يُؤْخَذُ عَنْهُمُ الْحَدِيثُ ، يُقَالُ : لَيْسَ مِنْ أَهلِهِ . - وَقَالَ يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ : سَأَلْتُ سُفْيَانَ الثَّوْرِيَّ ، وَشُعْبَةَ ، وَمَالِكًا ، وَابْنَ عُيَيْنَةَ ، عَنِ الرَّجُلِ لاَ يَكُونُ ثَبْتًا فِي الْحَدِيثِ ، فَيأْتِينِي الرَّجُلُ فَيَسْأَلُنِي عَنْهُ ؟ فَقَالُوا : أَخْبِرْ عَنْهُ أَنَّهُ لَيْسَ بِثَبْتٍ .
- وَذَكَرَ مُسْلِمٌ عَنْ جَمَاعَةٍ كَثِيرَةٍ مِنَ السَّلَفِ كَابْنِ الْمُبَارَكِ ، وَالشَّعْبِيِّ ، وإِبْرَاهِيمَ النَّخَعِيِّ ، وَأَيُّوبَ السَّخْتِيَانِيِّ ، وَغَيْرِهِمْ : التَّنْصِيصَ عَلَى عُيُوبِ أَقْوَامٍ بِأَعْيَانِهِمْ ، وَذَكَرَ كَذِبَ بَعْضِهِمْ ، والتَّحْذِيرَ عَنِ الرِّوَايَةِ عَنْهُمْ : بَابًا طَوِيلاً قَالَ فِي آخِرِهِ : وَإِنَّمَا أَلْزَمُوا أَنْفُسَهُمُ الْكَشْفَ عَنْ مَعَايِبِ رُوَاةِ الْحَدِيثِ ، وَنَاقِلِي الأَخْبَارِ ، وَأَفْتَوْا بِذَلِكَ حِينَ سُئِلُوا ، لِمَا فِيهِ مِنْ عَظِيمِ الْخَطَرِ ؛ إِذِ الأَْخْبَارُ فِي أَمْرِ الدِّيِنِ إِنَّمَا تَأْتِي بِتَحْلِيلٍ أو تَحْرِيمٍ ، أو أَمْرٍ أو نَهيٍ ، أو تَرْغِيبٍ أو تَرْهِيبٍ ؛ فَإِذَا كَانَ الرَّاوِي لَهَا لَيْسَ بِمَعْدِنٍ الصِّدْقِ وَالأَمَانَةِ ، ثُمَّ أَقْدَمَ عَلَى الرِّوَايَةِ عَنْهُ مَنْ قَدْ عَرَفَهُ ، وَلَمْ يُبَيِّنْ مَا فِيهِ لِغَيْرِهِ مِمَّنْ جَهِلَ مَعْرِفَتَهُ : كَانَ آثِمًا بِفِعْلِهِ ذَلِكَ ، غَاشًّا لِعَوَامِّ الْمُسْلِمِينَ ؛ إِذْ لا يُؤْمَنُ عَلَى بَعْضِ مَنْ سَمِعَ تِلْكَ الأَخْبَار أَنْ يَسْتَعْمِلَهَا ، أو يَسْتَعْمِلَ بَعْضَهَا ، وَلَعَلَّهَا أو أَكْثَرَهَا أحاديث أَكَاذِيبُ لاَ أَصْلَ لَهَا . فَهَذَا الْبَابُ مَا ذَكَرَهُ فِي صَدْرِ كِتَابِهِ . ( 6 ) وَمِنْ بَابُ : الأَْمْرِ بِتَنْزِيلِ النَّاسِ مَنَازِلَهُمْ وَوُجُوبِ الْكَشْفِ عَمَّنْ لَهُ عَيْبٌ مِنْ رُوَاةِ الْحَدِيثِ ( قولُ عائشة - رضي الله عنها - : " أَمَرَنَا رَسُولُ الله - صلى الله عليه وسلم - أَنْ نُنَزِّلَ النَّاسَ مَنَازِلَهُمْ " ) .
استدلالُ مسلمٍ بهذا الحديث يدُلُّ ظاهرًا على أَنَّه لا بأسَ به ، وأنّه ممّا يحتجُّ به عنده ، وإنما لم يُسْنِده في كتابه ؛ لأنَّه ليس على شَرْطِ كتابه . وقد أسنده أبو بكر البزَّار في مسنده ، عن ميمونِ بنِ أبي شَبِيبٍ ، عن عائشة ، عن النبيِ - صلى الله عليه وسلم - ، وقال : لا يُعْلَمُ عن النبيِّ - صلى الله عليه وسلم - إلاّ مِنْ هذا الوجه ، وقد رُويَ عن عائشة من غير هذا الوجه موقوفًا . وقد ذكَرَهُ أبو داود في " مصنَّفه " ، فقال : حدَّثنا إسماعيلُ بنُ أبي خَلَف ؛ أنَّ يحيى بن يَمَانٍ أخبرهم ، عن سفيان ، عن حَبيبِ بن أبي ثابت ، عن ميمونِ بْنِ ج١ / ص١٢٦أبي شبيب ؛ أنَّ عائشة مَرَّ بها سائلٌ فأعطَتْهُ كِسْرةً ، ومَرَّ بها رجلٌ عليه ثيابٌ زاهية ، فأقعدتْهُ فأكَلَ ، فقيل لها في ذلك ، فقالت : قال رسولُ الله - صلى الله عليه وسلم - : " أَنزِلُوا النَّاسَ مَنَازِلَهُمْ " .
قال ابن الأعرابي : قال أبو داود : ميمونٌ لم يَرَ عائشة . قال المؤلف رحمه الله تعالى : وعلى هذا ، فالحديثُ منقطعٌ ؛ فقد ظهر لأبي داود من هذا الحديث ما لم يظهَرْ لمسلم ، ولو ظهَرَ له ذلك ، لما جاز له أن يستَدِلَّ به ، إلا أن يكونَ يعملُ بالمراسيل ، والله أعلم أنَّ مسلمًا إنَّما قال : وذُكِرَ عن عائشة ، وهو مشعرٌ بضعفه ، وأنَّهُ لم يكنْ عنده ممَّا يعتمده . ج١ / ص١٢٧ومعنى هذا الحديث : الحَضُّ على مراعاةِ مقادير الناس ، ومراتبهم ، ومناصبهم ، فيعامل كلُّ أحد منهم بما يليقُ بحاله ، وبما يلائمُ منصبه في الدينِ والعلمِ والشَّرَفِ والمرتبة ؛ فإنَّ الله تعالى قد رتَّبَ عبيده وخَلْقَه ، وأعطى كلَّ ذي حَقٍّ حَقَّه ، وقد قال صلى الله عليه وسلم : " خيارُهُم في الجاهليَّةِ خيارُهُمْ في الإسلام إذا فقُهُوا " .
و " أبو عَقِيل " هو : بفتح العين وكسر القاف ، واسمه : يحيى بن المتوكِّل ؛ كما ذكره في الأصل . " وبُهَيَّة " بضم الباء ، وفتح الهاء ، وما بعدها ، تصغير بَهْيَة ، وهي امرأة كانت تروي عن عائشة أمِ المؤمنين ، وهي التي سمَّتها بهذا الاسم ، وكان هذا أبو عَقِيلٍ قد روى عنها ، وعُرِفَ بها ؛ فنُسِبَ إلى صحبتها ، وقد خَرَّجَ عنها أبو داود . و ( قولُ يحيى بن سعيدٍ الأنصاريِّ للقاسم : " إنَّكَ ابْنُ أبي بَكْرٍ وعُمَرَ " ) إنما صحَّتِ النسبتان على القاسم ؛ لأنَّ أباه هو عُبَيدُ الله بن عبد الله بن عمر ، وأُمُّه هي ابنةُ القاسم بن محمد بن أبي بكر ، وباسم جَدِّهِ هذا ، كان يكنَّى ؛ فـ " عمر " جَدُّهُ لأبيه الأعلى ، و " أبو بكر " جَدُّه لأمِّه ؛ فصدَقَتْ عليه النسبتان .
و ( قولُ يحيى القَطَّان : " لم ير أهلَ الخير في شَيْءٍ أكذَبَ مِنْهُمْ في الحديثِ " ) يعني به : الغلَطَ والخطَأَ ؛ كما فسَّره مسلم . وسببُ هذا : أنَّ أهلَ الخير هؤلاء المعنيِّين غَلَبَتْ عليهم العبادة ، فاشتغلوا بها عن الرواية ، فَنَسُوا الحديثَ ، ثم إنَّهم ج١ / ص١٢٨تعرَّضوا للحديث فَغَلِطُوا ، أو كَثُرَ عليهم الوَهَمُ فتُرِكَ حديثهم ، كما اتفق للعُمَرِيِّ ، وفَرْقَدٍ السبخيّ ، وغيرِهِما . و ( قولُ أبي الزِّنَادِ : " أدركْتُ بالمدينة مائةً كلُّهم مأمون " ) يعني : أَنَّهم كانوا موثوقًا بهم في دينهم وأمانتهم ، غير أنّهم لم يكونوا حفَّاظًا للحديث ، ولا متقنين لروايته ، ولا متحرِّزين فيه ؛ فلم تكن لهم أهليَّةُ الأخذ عنهم ، وإن كانوا قد تعاطَوُا الحديثَ والرواية .
ج١ / ص١٢٩وفُتْيَا سفيان ومَنْ بعده هي التي يجبُ العملُ بها . ولا يختلفُ المسلمون في ذلك ؛ كما ذكره مسلمٌ بعدَ هذا وأوضحَهُ . وحاصلُهُ أَنَّ ذِكْرَ مساوئِ الراوي والشاهِدِ القادحةِ في عدالتهما وفي روايتهما : أمرٌ ضروريٌّ ؛ فيجب ذلك ؛ فإنه إنْ لم يُفْعَلْ ذلك ، قُبِلَ خبرُ الكذاب ، وشهادةُ الفاسق ، وغُشَّ المسلمون ، وفسدَتِ الدنيا والدين .
ولا يُلْتَفَتُ لقولِ غبيٍّ جاهلٍ يقول : ذلك غِيبَةٌ ؛ لأنَّهَا وإنْ كانت مِنْ جنس الغِيبة ، فهي واجبةٌ بالأدلَّةِ القاطعة ، والبراهينِ الصادعة ؛ فهي مستثناةٌ مِنْ تلك القواعد ؛ للضرورةِ الداعية . ج١ / ص١٣٠