باب الإِْسْنَادِ مِنَ الدِّينِ
( 5 ) بَاب الإِْسْنَادِ مِنَ الدِّينِ 1 / 13 - 15المقدمة - قَالَ مُحَمَّدُ بْنُ سِيرِينَ : إِنَّ هذَا الْعِلْمَ دِينٌ ؛ فَانْظُرُوا عَمَّنْ تَأْخُذُونَ دِينَكُمْ . - وَقَالَ : لَمْ يَكُونُوا يَسْأَلُونَ عَنِ الإِْسْنَادِ ، فَلمَّا وَقَعَتِ الْفِتْنَةُ قَالُوا : سَمُّوا لَناَ رِجَاَلكُمْ : فَيُنْظَرُ إِلى أَهلِ السُّنَّةِ فَيُؤْخَذُ حَدِيثُهُمْ ، وَيُنُظَرُ إِلَى أَهلِ الْبِدَعِ فَلاَ يُؤْخَذُ حَدِيثُهُمْ . - وَقَالَ عَبْدُ اللهِ بْنُ الْمُبَارَكِ : الإِْسْنَادُ مِنَ الدِّينِ ، وَلَوْلاَ الإِْسْنَادُ لَقَالَ مَنْ شَاءَ مَا شَاءَ .
- وَقَالَ : بَيْنَنَا وَبَيْنَ الْقَوْمِ الْقَوَائِمُ ، يَعْني : الإِسْنَادَ . - وَعَنْ مُجَاهِدٍ ، قَالَ : جَاءَ بُشَيْرٌ الْعَدَوِيُّ إِلَى ابْنِ عَبَّاسٍ ، فَجَعَلَ يُحَدِّثُ وَيَقُولُ : قَالَ رَسُولُ الله - صلى الله عليه وسلم - ، قَالَ رَسُولُ الله - صلى الله عليه وسلم - قَالَ : فَجَعَلَ ابْنُ عَبَّاسٍ لاَ يَأْذَنُ لِحَدِيثِهِ ، وَلاَ يَنْظُرُ إِلَيْهِ ، فَقَالَ : يَا ابْنَ عَبَّاسٍ ! مَا لِي لاَ أَرَاكَ تَسْمَعُ لِحَدِيثِي ؟! أُحَدِّثُكَ عَنْ رَسُولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم وَلاَ تَسْمَعُ ؟! فَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ : إِنَّا كُنَّا مَرَّةً إِذَا سَمِعْنَا رَجُلاً يَقُولُ : قَالَ رَسُولُ الله - صلى الله عليه وسلم - ابْتَدَرَتْهُ أَبْصَارُنَا ، وَأَصْغَيْنَا إِلَيْهِ بِآذَانِنَا ، فَلَمَّا رَكِبَ النَّاسُ الصَّعْبَ وَالذَّلُولَ ، لَمْ نَأْخُذْ مِنَ النَّاسِ إِلاَّ مَا نَعْرِفُ . - وَفِي رِوَايَةٍ : فَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ : إِنَّا كُنَّا نُحَدَّثُ عَنْ رَسُولِ الله - صلى الله عليه وسلم - إِذْ لَمْ يَكُنْ يُكْذَبُ عَلَيْهِ ، فَلَمَّا رَكِبَ النَّاسُ الصَّعْبَ وَالذَّلُولَ تَرَكْنَا الْحَدِيثَ عَنْهُ .
( 5 ) ومِنْ بَاب الإِْسْنَادِ مِنَ الدِّينِ أي : مِنْ أصوله ؛ لأنَّهُ لمَّا كان مرجعُ الدينِ إلى الكتابِ والسُّنَّة ، والسنَّةُ لا تؤخذ عن كُلِّ أحد : تعيَّنَ النظرُ في حال النَّقَلَةِ ، واتِّصَالِ روايتهم ، ولولا ذلك ، لاختلط الصادقُ بالكاذب ، والحقُّ بالباطل ، ولمَّا وجَبَ الفرقُ بينهما ، وجَبَ النظرُ في الأسانيد . وهذا الذي قاله ابنُ المبارك ، قد قاله أنسُ بنُ مالك ، وأبو هريرة ، ونافعٌ مولى ابن عمر ، وغيرهم ، وهو أمرٌ واضحُ الوجوب لا يُخْتَلَفُ فيه . وقال عقبةُ بن نافع ج١ / ص١٢٢لبنيه : يا بَنِيَّ ، لا تقبلوا الحديثَ إلا مِنْ ثقة .
وقال ابن معين : كان فيما أوصى به صُهَيْبٌ بنيه أنْ قال : يا بَنِيَّ ، لا تَقْبَلُوا الحديثَ عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إلا مِنْ ثقة . وقال ابن عَوْن : لا تأخذوا العلمَ إلا ممن يُشْهَدُ له بالطلب . وقال سليمانُ بن موسى : لا يؤخذُ العلمُ مِنْ صَحَفِيٍّ ، وقال أيضًا : قلتُ لطاوسٍ : إنَّ فلانًا حدَّثني بكذا وكذا ، فقال : إن كان مثبتا ، فَخُذْ عنه .
و ( قوله : " لَمْ يَكُونُوا يَسْأَلُونَ عَنِ الإِْسْنَادِ " ) ؛ يعني بذلك : مَنْ أدرَكَ من الصحابة وكبراء التابعين . أما الصحابة فلا فرق بين إسنادهم وإرسالهم ؛ إذ الكلُّ عدولٌ على مذهب أهل الحَقِّ ، كما أوضحناه في الأصول ، وكذلك : كُلُّ من خالَفَ في قبول مراسيل غير الصحابة وافَقَ على قبولِ مراسيل الصحابة . وأما كُبَرَاءُ التابعين ومتقدِّموهم فالظاهر من حالهم أنهم يحدِّثون عن الصحابة إذا أرسلوا ، فتُقْبَلُ مراسيلهم ، ولا ينبغي أن يُخْتَلَفَ فيها ؛ لأنَّ المسكوتَ عنه صحابيٌّ ، وهم عدول ، وهؤلاء التابعون هم : كعروةَ بن الزُّبَيْرِ ، وسعيد بن المسيِّب ، ونافعٍ مولى ابن عمر ، ومحمد بن سِيرِينَ ، وغيرهم مِمَّنْ هو في طبقتهم .
وأمَّا من تأخَّر عنهم ممن حدَّثَ عن متأخِّرِي الصحابة وعن التابعين ؛ فذلك محلُّ الخلاف ، والصواب : قَبُولُ المراسيل إذا كان المُرْسِلُ مشهورَ المذهب في الجرح والتعديل ، وكان لا يحدِّثُ إلا عن العدول ؛ كما أوضحناه في الأصول . و ( قوله : " فَلمَّا وَقَعَتِ الْفِتْنَةُ قَالُوا : سَمُّوا لَناَ رِجَاَلكُمْ " ) هذه الفتنة يعني بها ج١ / ص١٢٣- والله أعلم - : فتنةَ قتلِ عثمان ، وفتنةَ خروجِ الخوارجِ على عليٍّ ومعاوية ؛ فإنَّهم كفَّروهما حتى استحلُّوا الدماءَ والأموال . وقد اختُلِفَ في تكفير هؤلاء ، ولا يشَكَّ في أنَّ من كفَّرهم لم يَقْبَلْ حديثهم ، ومن لم يكفِّرْهُمْ اختلفوا في قَبُولِ حديثهم ؛ كما بَيَّنَّاهُ فيما تقدَّم .
فيعني بذلك - والله أعلم - : أنَّ قَتَلَةَ عثمان والخوارجَ لَمَّا كانوا فُسَّاقًا قطعًا ، واختلطَتْ أخبارهم بأخبار مَنْ لم يكنْ منهم ، وجَبَ أن يُبْحَثَ عن أخبارهم فَتُرَدُّ ، وعن أخبار غيرهم ممَّن ليس منهم فتُقبَلُ ، ثم يجري الحُكْمُ من غيرهم من أهل البدعِ كذلك . ولا يَظُنُّ أحدٌ له فَهمٌ أنَّهُ يعني بالفتنة فتنةَ عليٍّ وعائشةَ ومعاويةَ ؛ إذ لا يصحُّ أن يقال في أحدٍ منهم : مبتدعٌ ، ولا فاسقٌ ، بل كلٌّ منهم مجتهدٌ عَمِلَ على حسب ظنِّه ، وهُمْ في ذلك على ما أجمَعَ عليه المسلمون في المجتهدين من القاعدة المعلومة ، وهي أنَّ كلَّ مجتهدٍ مأجورٌ غيرُ مأثوم ؛ على ما مهَّدناه في الأصول . و ( قوله : " جَاءَ بُشَيْرٌ الْعَدَوِيُّ إِلَى ابْنِ عَبَّاسٍ " ) بُشَيْرٌ : بضم الباء ، وفتح الشين ، وياء التصغير بعدها ، وهو عدويٌّ بصريٌّ يكنى أبا أَيُّوب ، حدَّث عن أبي ذر ، وأبي هريرة ، وأبي الدرداء ، وحدَّث عنه : عبد الله بن بُديل ، وطَلْقُ بن حَبِيب ، والعلاءُ بن زياد .
و ( قوله : " فجعَلَ لا يَأْذَنُ لحديثِهِ " ) أي : لا يُصْغِي إليه بِأُذُنه ، ولا يستمعه ؛ ومنه قوله تعالى : وَأَذِنَتْ لِرَبِّهَا وَحُقَّتْ . ج١ / ص١٢٤و ( قوله : " كُنَّا إِذَا سَمِعْنَا رَجُلاً يَقُولُ : قَالَ رَسُولُ الله - صلى الله عليه وسلم - ابْتَدَرَتْهُ أَبْصَارُنَا ، وَأَصْغَيْنَا إِلَيْهِ بِآذَانِنَا " ) أي : قَبِلْنَا منه ، وأَخَذْنَا عنه . هذا الذي قاله ابن عبَّاس يشهَدُ بصحة ما تأوَّلنا عليه قولَ ابنِ سيرين ؛ فإنَّ ابن عبَّاس كان في أوَّل مرة يحدِّثُ عن الصحابة ، ويأخذ عنهم ؛ لأنَّ سماعَهُ من رسول الله - صلى الله عليه وسلم - كان قليلاً ؛ لصغر سنه ، فكان حاله مع الصحابة كما قال ، فلمَّا تلاحَقَ التابعون وحدَّثوا ، وظهر له ما يوجبُ الرِّيبَةَ ، لم يأخذْ عنهم ؛ كما فعل مع بُشَير العدوي .
و ( قوله : " فَلَمَّا رَكِبَ النَّاسُ الصَّعْبَ وَالذَّلُولَ ، لَمْ نَأْخُذْ مِنَ النَّاسِ إِلاَّ مَا نَعْرِفُ " ) هذا مَثَلٌ ، وأصلُهُ في الإبل ، ومعناه : أن الناس تسامَحُوا في الحديثِ عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ، واجترؤوا عليه ؛ فتحدَّثوا بالمرضيِّ عنه ، الذي مثَّله بالذَّلُولِ من الإبل ، وبالمنكرِ منه الممثَّلِ بالصعبِ من الإبل . ج١ / ص١٢٥و ( قوله : " لَمْ نَأْخُذْ مِنَ النَّاسِ إِلاَّ مَا نَعْرِفُ " ) أي : إلا ما نَعْرِفُ ثقةَ نَقَلَتِهِ ، وصحةَ مَخْرَجِهِ . و ( قوله : " إِنَّا كُنَّا نُحَدَّثُ عَنْ رَسُولِ الله - صلى الله عليه وسلم - " ) الصحيحُ في : نُحَدَّثُ بضم النون ، وفتح الدال مشدَّدة ؛ مبنيًّا للمفعول ؛ ويؤيِّده : قوله في الرواية الأخرى : كُنَّا إِذَا سَمِعْنَا رَجُلاً يَقُولُ : قَالَ رَسُولُ الله - صلى الله عليه وسلم - ؛ ابْتَدَرَتْهُ أَبْصَارُنَا وَأَصْغَيْنَا إِلَيْهِ بِآذَانِنَا .
وكذلك وجدتُّه مقيدًا بخط مَن يُعْتَمَدُ على عِلْمِهِ وتقييده ، وقد وجدتُّهُ في بعضِ النسخِ بكسر الدال ، وفيه بُعْدٌ ، ولعلَّه لا يَصِحُّ .