باب فِي قَوْلِهِ تَعَالَى إِنَّكَ لَا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ
[ 20 ] وَفِي رِوَايَةٍ مِنْ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ : َقَالَ أبو طَالِبٍ : لَوْلاَ أَنْ تُعَيِّرَنِي قُرَيْشٌ ؛ يَقُولُونَ : إِنَّمَا حَمَلَهُ عَلَى ذَلِكَ الْجَزَعُ ، لَأَقْرَرْتُ بِهَا عَيْنَكَ ، فَأَنْزَلَ اللهُ : إِنَّكَ لَا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ الآية . و ( قوله : لَوْلاَ أَنْ تُعَيِّرَنِي قُرَيْشٌ ؛ لَأَقْرَرْتُ بِهَا عَيْنَكَ ) أي : تَسُبَّني وتقبِّحَ عليَّ ؛ يقال : عَيَّرتُهُ بكذا تعييرا ، والعامَّةُ تقولُ بالباء ، والأوَّل كلامُ العرب ؛ كما قال النابغة : وَعَيَّرَتْنِي بَنُو ذُبْيَانَ خَشْيَتَهُ وَمَا عَلَيَّ بِأَنْ أَخْشَاكَ مِنْ عَارِ ومعنى : أقرَرْتُ عينَك بها ، أي : سرَرْتُك بقولها ، وأبلغتُكَ أُمْنيتك : قال ثعلب : يقال : أقرَّ اللهُ عينَكَ ، أي : بلَّغه أمنيتَهُ حتَّى ترضَى نفسُهُ ، وتَقرَّ عيناُهُ ؛ ومنه قولهم فيمن أدرَكَ ثأرَهُ : وَقَعْتَ بِقُرِّك ، أي : أدرَكَ قلبُكَ ما كان يتمنَّى . وقال الأصمعيُّ : معناه : بَرَّدَ الله دمعته ؛ لأنَّ دمعةَ الفرح باردةٌ .
قال غيره : ودمعةُ الحزن حارَّة ؛ ولذلك يقال : أسخَنَ اللهُ عينَهُ ، أي : أراه ما يسوؤُهُ فيبكي فتَسْخَنُ عينُهُ . وقوله : ُ مَا كَانَ لِلنَّبِيِّ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَنْ يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ أي : ما يجوزُ ولا ينبغي لهم ذلك ، ُ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُمْ أَصْحَابُ الْجَحِيمِ أي : الموت على الكفر . والجحيمُ : اسمٌ من أسماء النار المُعَدَّة للكفَّار ، وكل نارٍ في مَهواة ، فهي جحيمٌ ؛ ومنه قوله تعالى : ابْنُوا لَهُ بُنْيَانًا فَأَلْقُوهُ فِي الْجَحِيمِ .
والجاحمُ : المكانُ الشديد الحرِّ ، وأصحابُ الجحيم مَسْتَحِقُّوها وملازموها . ثَمَّ بيَّن الله عُذْرَ إبراهيم عن استغفاره في قوله : ﴿وَاغْفِرْ لِأَبِي إِنَّهُ كَانَ مِنَ الضَّالِّينَ ﴾بأنَّ ذلك : إنما كان منه لأجلِ وَعْدِ إبراهيمَ لأبيه حين قال له سَأَسْتَغْفِرُ لَكَ رَبِّي إِنَّهُ كَانَ بِي حَفِيًّا وقيل : إنَّ الموعدة هي مِنْ أبي إبراهيم له بِأنْ يُسلِم ، فلمَّا لم يَفِ بها ، وتبيَّن له أنَّه لا يُسْلِم إمَّا بالوحي وإمَّا بموته على الكفر ؛ تبرَّأ منه ، كما قال تعالى : فَلَمَّا تَبَيَّنَ لَهُ أَنَّهُ عَدُوٌّ لِلَّهِ تَبَرَّأَ مِنْهُ ، والقولان لأهل التفسير . قال القاضي أبو بَكْرِ بْنُ العَرَبِيِّ : يروى عن عمرو بن دينار أنَّ النَّبي - صلى الله عليه وسلم - قال : استغفَرَ إبراهيمُ لأبيه وهو مشركٌ ؛ فلا أَزَالُ أستغفرُ لأبي طالبٍ حتّى ينهاني الله ، وقال أصحابُهُ : استغفِرُوا لآبائكم كما استغْفَرَ النبيُّ - صلى الله عليه وسلم - لأبي طالب عمِّه ، فأنزَلَ الله تعالى : مَا كَانَ لِلنَّبِيِّ وَالَّذِينَ آمَنُوا الآية .
وقوله تعالى : ُ إِنَّكَ لَا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ أي : لا تقدرُ على توفيقِ مَنْ أراد الله خِذْلانه ، وكَشْفُ ذلك : بأنَّ الهداية الحقيقيَّة هي خلقُ القُدْرَة على الطاعة ، وقبولُهَا ، وليس ذلك إلاّ لله تعالى ، والهدايةُ التي تَصِحُّ نسبتُها لغير الله تعالى بوجهٍ ما : هي الإرشادُ والدَّلاَلَة ؛ كما قال تعالى : وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ أي : ترشدُ وتبيِّن ؛ كما قال : ُ إِنْ عَلَيْكَ إِلَّا الْبَلَاغُ و : لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ وما ذكرناه : هو مذهبُ أهلِ السُّنَّةِ والجماعة ، وهو الذي تدُلُّ عليه البراهينُ القاطعة .