باب لاَ يَكْفِي مُجَرَّدُ التَّلَفُّظِ بِالشَّهَادَتَيْنِ بَلْ لاَ بُدَّ مِنِ اسْتِيقَانِ الْقَلْبِ
) بَابٌ لاَ يَكْفِي مُجَرَّدُ التَّلَفُّظِ بِالشَّهَادَتَيْنِ ، بَلْ لاَ بُدَّ مِنِ اسْتِيقَانِ الْقَلْبِ 31 - [ 25] عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ، قَالَ : كُنَّا قُعُودًا حَوْلَ رَسُولِ الله - صلى الله عليه وسلم - ، مَعَنَا أبو بَكْرٍ وَعُمَرُ - رضي الله عنهما - فِي نَفَرٍ ، فَقَامَ رَسُولُ الله - صلى الله عليه وسلم - مِنْ بَيْنِ أَظْهُرِنَا ، فَأَبْطَأَ عَلَيْنَا ، وَخَشِينَا أَنْ يُقْتَطَعَ دُونَنَا ، فَفَزِعْنَا وَقُمْنَا ، فَكُنْتُ أَوَّلَ مَنْ فَزِعَ ، فَخَرَجْتُ أَبْتَغِي رسولَ الله - صلى الله عليه وسلم - حَتَّى أَتَيْتُ حَائِطًا لِلأنْصَارِ لِبَنِي النَّجَّارِ ، فَدُرْتُ بِهِ ، هَلْ أَجِدُ لَهُ بَابًا ؟ فَلَمْ أَجِدْ ، فَإِذَا رَبِيعٌ يَدْخُلُ فِي جَوْفِ حَائِطٍ مِنْ بِئْرٍ خَارِجَةٍ - وَالرَّبِيعُ : الْجَدْوَلُ - فَاحْتَفَزْتُ ، فَدَخَلْتُ عَلَى رَسُولِ الله - صلى الله عليه وسلم - ، فَقَالَ : أبو هُرَيْرَةَ ؟ فَقُلْتُ : نَعَمْ يَا رسولَ الله ، قَالَ : مَا شَأْنُكَ ؟ قُلْتُ : كُنْتَ بَيْنَ أَظْهُرِنَا ، فَقُمْتَ ، فَأَبْطَأْتَ عَلَيْنَا ، فَخَشِينَا أَنْ تُقْتَطَعَ دُونَنَا ، فَفَزِعْنَا ، فَكُنْتُ أَوَّلَ مَنْ فَزِعَ ، فَأَتَيْتُ هَذَا الْحَائِطَ ، فَاحْتَفَزْتُ كَمَا يَحْتَفِزُ الثَّعْلَبُ ، وَهَؤُلاءِ النَّاسُ وَرَائِي ، فَقَالَ : يَا أَبَا هُرَيْرَةَ ! - وَأَعْطَانِي نَعْلَيْهِ - فقَالَ : اذْهَبْ بِنَعْلَيَّ هَاتَيْنِ ، فَمَنْ لَقِيتَ مِنْ وَرَاءِ هَذَا الْحَائِطِ يَشْهَدُ أَنْ لاَ إِلهَ إِلاَّ اللهُ مُسْتَيْقِنًا بِهَا قَلْبُهُ ، فَبَشِّرْهُ بِالْجَنَّةِ ، وكَانَ أَوَّلَ مَنْ لَقِيتُ عُمَرُ ، فَقَالَ : مَا هَاتَانِ النَّعْلاَنِ يَا أَبَا هُرَيْرَةَ ؟! قُلْتُ : هَاتَانِ نَعْلاَ رَسُولِ الله - صلى الله عليه وسلم - ، بَعَثَنِي بِهِمَا ، مَنْ لَقِيتُ يَشْهَدُ أَنْ لا إِلهَ إِلا اللهُ مُسْتَيْقِنًا بِهَا قَلْبُهُ ، بَشَّرْتُهُ بِالْجَنَّةِ . قَالَ : فَضَرَبَ عُمَرُ بِيَدِيهِ بَيْنَ ثَدْيَيَّ ، فَخَرَرْتُ لاِسْتِي ، فَقَالَ : ارْجِعْ يَا أَبَا هُرَيْرَةَ! فَرَجَعْتُ إِلَى رَسُولِ الله - صلى الله عليه وسلم - ، فَأَجْهَشْتُ بُكَاءً ، وَرَكِبَنِي عُمَرُ ، فَإِذَا هو عَلَى أَثَرِي ، فَقَالَ رَسُولُ الله - صلى الله عليه وسلم - : مَا لَكَ يَا أَبَا هُرَيْرَةَ ؟! قُلْتُ : لَقِيتُ عُمَرَ ، فَأَخْبَرْتُهُ بِالَّذِي بَعَثْتَنِي بِهِ ، فَضَرَبَ بَيْنَ ثَدْيَيَّ ضَرْبَةً خَرَرْتُ لاِسْتِي ، فقَالَ : ارْجِعْ ، فَقَالَ رَسُولُ الله - صلى الله عليه وسلم - : يَا عُمَرُ ، مَا حَمَلَكَ عَلَى مَا فَعَلْتَ ؟ فقَالَ : يَا رسولَ الله - بِأَبِي أَنْتَ وَأُمِّي! - أَبَعَثْتَ أَبَا هُرَيْرَةَ بِنَعْلَيْكَ : مَنْ لَقِيَ يَشْهَدُ أَنْ لاَ إِلهَ إِلاَّ اللهُ مُسْتَيْقِنًا بِهَا قَلْبُهُ ، بَشَّرَهُ بِالْجَنَّةِ ؟ قَالَ : نَعَمْ ، قَالَ : فَلا تَفْعَلْ ؛ فَإِنِّي أَخْشَى أَنْ يَتَّكِلَ النَّاسُ عَلَيْهَا ، فَخَلِّهِمْ يَعْمَلُونَ! قَالَ رَسُولُ الله - صلى الله عليه وسلم - : فَخَلِّهِمْ . ( 11 ) وَمِنْ َبابِ لاَ يَكْفِي مُجَرَّدُ التَّلَفُّظِ بِالشَّهَادَتَيْنِ ، بَلْ لاَ بُدَّ مِنِ اسْتِيقَانِ الْقَلْبِ هذه الترجمةُ تنبيهٌ على فسادِ مذهبِ غُلاَةِ المرجئةِ القائلين : إنَّ التلفُّظَ بالشهادتين كافٍ في الإيمان ، وأحاديثُ هذا الباب تَدُلُّ على فساده ، بل هو مذهبٌ معلومٌ الفساد من الشريعة لمن وَقَفَ عليها ، ولأنَّهُ يَلْزَمُ منه تسويغُ النفاقِ ، والحُكْمُ للمنافق بالإيمانِ الصحيح ، وهو باطلٌ قطعًا .
و ( قوله : وَخَشِينَا أَنْ يُقْتَطَعَ دُونَنَا ) أي : يحالَ بيننا وبينه بِأَخْذٍ أو هلاك . و ( قوله : فَفَزِعْنَا وَقُمْنَا ) أي : تَرَكْنَا ما كنا فيه ، وأقبلنا على طلبه ؛ من قولهم : فَزِعْتُ إلى كذا : إذا أقْبَلْتَ عليه ، وتفرَّغْتَ له ؛ ومنه قول الشاعر : فَزِعْتُ إليكُمْ من بَلاَيَا تَنُوبُنِي فَأَلْفَيْتُكُمْ منها كَرِيمًا مُمَجَّدَا وقد دلَّ على ذلك قوله : فَكُنْتُ أَوَّلَ مَنْ فَزِعَ ، أي : أوَّلَ مَنْ أخذ في طلبه ، وليس هو من الفَزَعِ الذي هو الذُّعْرُ والخوف ؛ لأنَّه قد قال قبل هذا : فَخَشِينَا أَنْ يُقْتَطَعَ دُونَنَا ، ثم رتَّب فَزِعْنَا عليه بفاء التعقيب المُشْعِرَةِ بالتسبُّب ، والفَزَعُ : لفظٌ مشترك ينطْلقُ على ذَيْنِكَ المعنيَيْنِ ، وعلى الإغاثة . و ( قوله : فَاحْتَفَزْتُ كَمَا يَحْتَفِزُ الثَّعْلَبُ ) رواه عامَّةُ الشيوخ في المواضع الثلاثة بالراء من الحَفْر ، ورُوِيَ عن الجُلُوديِّ : بالزاي ؛ وكأنَّه الصواب ، ويعني به : أنَّه تضامَمَ وتصاغَرَ ليسعه الجدول ، ومنه حديث عليٍّ : إذا صَلَّتِ المرأةُ ، فلتحتَفِزْ ، أي : لِتَضَامَّ وتَنْزَو إذا سجدَتْ .
و ( قوله : كُنْتَ بَيْنَ أَظْهُرِنَا ) أي : بيننا ، ورواه الفارسي : ظَهرَيْنَا . وقال الأصمعي : العربُ تقولُ : بين ظَهرَيْكُمْ وظَهرَانَيْكُمْ ؛ قال الخليل : أي : بينكم . و ( قوله : وَهَؤُلاءِ النَّاسُ من وَرَائِي ) يعني به : النفر الذين كانوا مع النبي - صلى الله عليه وسلم - ، فقام عنهم ، وأخذوا في طلبه ، وهم المعنيُّون للنبيِّ - صلى الله عليه وسلم تسليما كثيرا - بقوله : فَمَنْ لَقِيتَ مِنْ وَرَاءِ هَذَا الْحَائِطِ يَشْهَدُ أَنْ لاَ إِلهَ إِلاَّ اللهُ مُسْتَيْقِنًا بِهَا قَلْبُهُ ، فَبَشِّرْهُ بِالْجَنَّةِ ؛ فإنَّه قيَّده بقوله : مَنْ لَقِيتَ مِنْ وَرَاءِ هَذَا الْحَائِطِ ، ولا شكَّ في أنَّ أولئك هم مِنْ أهل الجنة ، وهذا ظاهرُ اللفظ .
ويَحْتمِلُ أن يقال : إنَّ ذلك القيدَ مُلْغًى ، والمراد : هم وكُلُّ مَنْ شاركهم في التَّلفُّظِ بالشهادتَيْنِ واستيقانِ القلبِ بهما ؛ وحينئذٍ : يُرْجَعُ إلى التأصيلِ والتفصيل الذي ذكرناه في البابِ قبلَ هذا . وفي دفع النبيِّ - صلى الله عليه وسلم - لأبي هريرة بنعلَيْه : دليلٌ على جوازِ عَضْدِ المُخْبِرِ الواحد بالقرائن ؛ تقويةً لخبره وإنْ كان لا يُتَّهَمُ . وفيه اعتبارُ القرائنِ والعلامات ، والعملُ على ما يقتضيه من الأعمالِ والأحكام .
واليَقِينُ : هو العلمُ الراسخُ في القلب الثابتُ فيه ، يقال منه : يقِنْتُ الأمرَ ، بالكسر ، معناه أيقنْتُ واستيقَنْتُ وتيقَّنْتُ ، كلُّه بمعنًى واحدٍ ، وربَّما عبَّروا عن الظنِّ باليقين ، وباليقين عن الظن ؛ قال الشاعر : تَحَسَّبَ هَوَّاسٌ وَأَيْقَنَ أَنَّنِي بِهَا مُفْتَدٍ مِنْ وَاحِدٍ لاَ أُغَامِرُه يقولُ : تشمَّم الأَسَدُ ناقتي يظُنُّ أنَّني أفتدي بها مِنْهُ وأتركُهَا له ولا أقاتلُهُ ، قاله الجوهريُّ . وقال غيره : اليقينُ هو السكونُ مع الوضوح ؛ يقال : يَقِنَ الماءُ ، أي : سَكَنَ وظهَرَ ما تحته . و ( قوله : وَرَكِبَنِي عُمَرُ ) أي : اتَّبَعَنِي في الحالِ مِنْ غير تربُّص ، وضَرْبُ عُمَرَ أبي هريرةَ حتى سقطَ َلم يكنْ ليؤذيَهُ ويوقعه ، لكنْ إنما كان ليوقفَهُ ويمنَعَهُ من النهوضِ بالبشرى حتى يراجعَ النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - ، ولم يكن ذلك من عمر اعتراضًا على رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ، ولا ردًّا لأمره ، وإنما كان ذلك سعيًا في استكشافٍ عَنْ مصلحةٍ ظهرَتْ له ، لم يعارضْ بها حكمًا ولا شرعًا ؛ إذْ ليس فيما أَمَرَهُ به إلا تطييبُ قلوب أصحابه أو أمَّته بتلك البشرى ، فرأى عُمَرُ أنَّ السكوتَ عن تلك البشرى أصلَحَ لهم ؛ لئلا يتَّكلوا على ذلك ، فتقلَّ أعمالهم وأجورهم .
ولعلَّ عمر قد كان سَمِعَ ذلك من النبي - صلى الله عليه وسلم - كما سمعه معاذٌ على ما يأتي في حديثه ، فيكونَ ذلك تذكيرًا للنبيِّ - صلى الله عليه وسلم - بما قد سمع منه ، ويكونُ سكوت النبيِّ - صلى الله عليه وسلم - عن ذلك تعديلاً على ما قد كان تعذر لهم تبيانه لذلك ، ويكونُ عمر لِمَا خصَّه الله تعالى به من الفِطْنة وحضور الذهن تذكَّر ذلك . واستبلَدَ أبا هريرة ؛ إذ لم يتفطَّن لذلك ولا تذكره ، فضربه تلك الضربةَ ؛ تأديبًا وتذكيرًا ، والله تعالى أعلم . و ( قوله : فَخَرِرْتُ لاِسْتِي ) أي : على استي ؛ كما قال تعالى : يَخِرُّونَ لِلْأَذْقَانِ أي : عليها ، وكأنَّه وَكَزَهُ في صدره فوقَعَ على استه ، وليس قولُ من قال : خرَّ على وَجْهه بشيء .
و ( قوله : أَجْهَشْتُ بُكَاءً ) أي : تهيَّأْتُ له وأخذْتُ فيه ؛ قال أبو عُبَيْد : الجَهشُ : أن يفزعَ الإنسانُ إلى الإنسان مريدًا للبكاء ؛ كالصبيِّ يَفْزَعُ لأمه ، فقال : جَهَشْتُ ، وأجهشْتُ : لغتان ، وقال أبو زيد : جَهَشْتُ للبكاء والحُزْنِ والشوقِ جُهُوشًا . وفي هذا الحديث : دليلٌ على جواز تخصيصِ العموم بالمصلحةِ المشهودِ لها بالاعتبار ، وقد اختلَفَ فيه الأصوليُّون ، وفيه : عَرْضُ المصالح على الإمام وإنْ لم يستَدْعِ ذلك ، وفيه أبوابٌ لا تخفى .