باب لاَ يَصِحُّ الإِيمَانُ حَتَّى تَكُونَ مَحَبَّةُ رَسُولِ الله رَاجِحَةً عَلَى كُلِّ مَحْبُوبٍ مِنَ الْخَلْقِ
) بَابٌ لاَ يَصِحُّ الإِيمَانُ حَتَّى تَكُونَ مَحَبَّةُ رَسُولِ الله - صلى الله عليه وسلم - رَاجِحَةً عَلَى كُلِّ مَحْبُوبٍ مِنَ الْخَلْقِ 44 - [ 35] عَنْ أَنَسٍ ، قَالَ : قَالَ رَسُولُ الله - صلى الله عليه وسلم - : لاَ يُؤْمِنُ عَبْدٌ - وَفِي رِوَايَةٍ : الرَّجُلُ - حَتَّى أَكُونَ أَحَبَّ إِلَيْهِ مِنْ أَهلِهِ وَمَالِهِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ . وَفِي لَفظٍ آخَرَ : لاَ يُؤْمِنُ أَحَدُكُمْ حَتَّى أَكُونَ أَحَبَّ إِلَيْهِ مِنْ وَلَدِهِ وَوَالِدِهِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ . ( 15 ) وَمِنْ بَابِ : لاَ يَصِحُّ الإِيمَانُ حَتَّى تَكُونَ مَحَبَّةُ رَسُولِ الله - صلى الله عليه وسلم - رَاجِحَةً عَلَى كُلِّ مَحْبُوبٍ مِنَ الْخَلْقِ ( قوله : لاَ يُؤْمِنُ عَبْدٌ حَتَّى أَكُونَ أَحَبَّ إِلَيْهِ مِنْ أَهلِهِ وَمَالِهِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ ، هذا الحديثُ على إيجازِهِ يتضمَّنُ ذكرَ أصنافِ المَحَبَّةِ ؛ فإنَّها ثلاثة : محبَّةُ إجلالٍ وإعظام ؛ كمحبَّةِ الوالِدِ والعلماءِ والفضلاء .
ومحبَّة ُرحمةٍ وإشفاق ؛ كمحبَّة الولد . ومحبَّةُ مشاكلةٍ واستحسان ؛ كمحبَّة غير مَنْ ذكرنا . وإنَّ محبَّةَ رسولِ الله - صلى الله عليه وسلم - لا بدَّ أن تكون راجحةً على ذلك كلِّه .
وإنَّما كان ذلك ؛ لأنَّ الله تعالى قد كمَّله على جميعِ جنسه ، وفضَّله على سائر نوعه ، بما جبله عليه مِنَ المحاسنِ الظاهرة والباطنة ، وبما فضَّله مِنَ الأخلاقِ الحسنة والمناقبِ الجميلة ؛ فهو أكملُ مَنْ وَطِئَ الثَّرى ، وأفضلُ مَنْ رَكِبَ ومَشَى ، وأكرمُ مَنْ وافى القيامة ، وأعلاهُمْ منزلةً في دارِ الكرامة . قال القاضي أبو الفضل : فلا يصحُّ الإيمانُ إلاَّ بتحقيق إنافةِ قَدْرِ النبيِّ - صلى الله عليه وسلم - ومنزلتِهِ ، على كلِّ والدٍ وولد ، ومُحْسِنٍ ومُفْضِل ، ومن لم يعتقدْ هذا واعتقَدَ سواه ، فليس بمؤمنٍ .
قال المؤلف رحمه الله تعالى : وظاهرُ هذا القول أنَّه صرَفَ محبَّةَ النبيِّ - صلى الله عليه وسلم - إلى اعتقادِ تعظيمِهِ وإجلاله ، ولا شكَّ في كُفْرِ مَنْ لا يعتقدُ عليه . غيرَ أنَّ تنزيلَ هذا الحديثِ على ذلك المعنى غيرُ صحيح ؛ لأنَّ اعتقادَ الأعظَمِيَّةِ ليس بالمحبَّةِ ، ولا الأحبِّيَّة ، ولا مستَلْزِم لها ؛ إذْ قد يجدُ الإنسانُ من نفسه إعظامَ أمرٍ أو شخصٍ ، ولا يجدُ محبَّته ، ولأنَّ عمر لَمَّا سمع قولَ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : لاَ يُؤْمِنُ أَحَدُكُمْ حَتَّى أَكُونَ أَحَبَّ إِلَيْهِ مِنْ نَفْسِهِ وَوَلَدِهِ وَوَالِدِهِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ ، قَال عمر : يَا رَسُولَ اللهِ! أَنْتَ أَحَبُّ إِلَيَّ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ إِلاَّ نَفْسِي ، فَقَالَ : وَمِنْ نَفْسِكَ يَا عُمَرُ ، قَالَ : وَمِنْ نَفْسِي ، فَقَالَ : الآنَ يَا عُمَرُ . وهذا كلُّه تصريحٌ بأنَّ هذه المحبَّةَ ليستْ باعتقاد تعظيم ، بل ميلٌ إلى المعتقَدِ وتعظيمُهُ وتعلُّقُ القلبِ به ، فتأمَّلْ هذا الفرق ؛ فإنَّه صحيحٌ ، ومع ذلك فقد خَفِيَ على كثيرٍ من الناس .
وعلى هذا المعنى الحديث - والله أعلم - أنَّ مَنْ لم يجدْ مِنْ نفسه ذلك الميلَ ، وأرجحيَّتَهُ للنبيِّ - صلى الله عليه وسلم - لم يَكْمُلْ إيمانُهُ . على أنِّي أقولُ : إنَّ كلَّ مَنْ صدَّق بالنبيِّ - صلى الله عليه وسلم - ، وآمَنَ به إيمانًا صحيحًا ، لم يَخْلُ عن وِجْدَانِ شيء من تلك المحبَّة الراجحةِ للنبيِّ - صلى الله عليه وسلم - ؛ غير أنّهم في ذلك متفاوتون ؛ فمنهم : مَنْ أخذ تلك الأرجحيّةِ بالحظِّ الأوفى ؛ كما قد اتَّفَقَ لعمر حتى قال : ومِنْ نَفْسِي ، ولهندٍ امرأةِ أبي سفيان حين قالتْ للنبيِّ - صلى الله عليه وسلم - : لَقَدْ كَانَ وَجْهُكَ أَبْغَضَ الْوُجُوهِ كُلِّهَا إِلَيَّ ، فَقَدْ أَصْبَحَ وَجْهُكَ أَحَبَّ الْوُجُوهِ كُلِّهَا إِلَيَّ . الحديث ، وكما قال عمرو بن العاص : لَقَدْ رَأَيْتُنِي وَمَا أَحَدٌ أَحَبَّ إِلَيَّ مِنْ رَسُولِ الله - صلى الله عليه وسلم - ، وَلاَ أَجَلَّ فِي عَيْنِي مِنْهُ ، وَمَا كُنْتُ أُطِيقُ أَنْ أَمْلَأَ عَيْنَيَّ مِنْهُ إِجْلاَلاً لَهُ ، وَلَو سُئِلْتُ أَنْ أَصِفَهُ ، مَا أَطَقْتُ ؛ لأَِنِّي لَمْ أَكُنْ أَمْلَأُ عَيْنَيَّ مِنْهُ ، ولا شَكَّ في أنَّ حظَّ أصحابِهِ من هذا المعنى أعظَمُ ؛ لأنَّ معرفتهم لقدره أعظم ؛ لأن المحبَّةُ ثمرةُ المعرفة ، فتقوَى وتضعُفُ بِحَسَبها .
ومن المؤمنين : من يكونُ مستغرِقًا بالشهواتْ ، محجوبًا بالغفلات عن ذلك المعنى في أكثرِ أوقاته ؛ فهذا بأخسِّ الأحوال ، لكنَّه إذا ذُكِّرَ بالنبيِّ - صلى الله عليه وسلم - ، وبشيء من فضائله ، اهتاجَ لذكرِهِ ، واشتاقَ لرؤيته ، بحيثُ يُؤْثِرُ رؤيتَهُ ، بل رؤيةَ قبرِهِ ومواضعِ آثاره ، على أهلِهِ ومالِهِ وولدِهِ ، ونفسِهِ والناسِ أجمعين ، فيخطُرُ له هذا ويجدُهُ وِجْدانًا لا شَكَّ فيه ، غير أنَّه سريعُ الزوال والذَّهَاب ؛ لغلبة الشَّهَوَاتِ ، وتوالي الغَفَلاَت ؛ ويُخَافُ على مَنْ كان هذا حالُهُ ذَهَابُ أصلِ تلك المحبَّةْ ، حتى لا يوجَدَ منها حَبَّةْ ، فنسألُ اللهَ الكريم أن يَمُنَّ علينا بدوامها وكمالَِها ، ولا يَحْجُبَنَا عنها .