باب الاِسْتِقَامَةِ فِي الإِْسْلاَمِ وَأَيُّ خِصَالِهِ خَيْرٌ
) بَابُ الاِسْتِقَامَةِ فِي الإِْسْلاَمِ ، وَأَيُّ خِصَالِهِ خَيْرٌ 38 - [ 32 ] عَنْ سُفْيَانَ بْنِ عَبْدِ اللهِ الثَّقَفِيِّ ، قَالَ : قُلْتُ : يَا رسولَ الله ، قُلْ لِي فِي الإِسْلاَمِ قَوْلاً لاَ أَسْأَلُ عَنْهُ أَحَدًا بَعْدَكَ - وَفِي رِوَايَةٍ : غَيْرَكَ - قَالَ : قُلْ : آمَنْتُ بِاللهِ ، ثُمَّ اسْتَقِمْ . ( 14 ) وَمِنْ بَابِ الاِسْتِقَامَةِ فِي الإِْسْلاَمِ ، وَأَيُّ خِصَالِهِ خَيْرٌ ( قوله : قُلْ لِي فِي الإِسْلاَمِ قَوْلاً لاَ أَسْأَلُ عَنْهُ أَحَدًا بَعْدَكَ ) أي : علِّمْني قولاً جامعًا لمعاني الإسلام ، واضحًا في نفسه ، بحيثُ لا يحتاجُ إلى تفسيرِ غيرك ، أعمَلُ عليه ، وأكتفي به ؛ وهذا نحو ممَّا قاله له الآخر : عَلِّمْنِي شَيْئًا أَعِيشُ بِهِ فِي النَّاسِ ، وَلاَ تُكْثِرْ عَلَيَّ فَأَنْسَى ، فَقَالَ : لاَ تَغْضَبْ . وهذا الجوابُ ، وجوابُهُ بقوله : قُلْ : آمَنْتُ بِاللهِ ، ثُمَّ اسْتَقِمْ ؛ دليلٌ على أنَّ النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - أُوتِيَ جوامعَ الكَلِمِ ، واختُصِرَ له القول اختصارًا ؛ كما قال النبيُّ - صلى الله عليه وسلم - مُخْبِرًا بذلك عن نفسه ؛ فإنّه - عليه الصلاة والسلام - جمَعَ لهذا السائلِ في هاتَيْن الكلمتَيْن معانيَ الإسلام والإيمانِ كلَّها ؛ فإنَّه أمره أن يجدِّدَ إيمانَهُ متذكِّرًا بقلبه ، وذاكرًا بلسانه .
ويقتضي هذا استحضارَ تفصيلِ معاني الإيمانِ الشرعيِّ بقلبه ، التي تقدَّم ذكرُهَا في حديثِ جبريل ، وأَمْرِهِ بالاِستقامةِ على أعمال الطاعاتْ ، والانتهاءِ عن جميع المخالفاتْ ؛ إذْ لا تتأتَّى الاستقامةُ مع شيء من الاعوجاج ، فإنَّها ضِدُّه . وكأنَّ هذا القولَ منتزَعٌ من قوله تعالى : إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا أي : آمَنُوا باللهِ ووحَّدوه ، ثم استقاموا على ذلك وعلى طاعتِهِ إلى أن تُوُفُّوا عليها ؛ كما قال عمرُ بنُ الخَطَّاب : استَقَامُوا واللهِ على طاعتِهِ ، ولم يَرُوغُوا رَوَغَانَ الثعالب ، وملخَّصُهُ : اعتَدَلُوا على طاعة الله تعالى ، عَقْدًا وقولاً وفعلاً ، وداموا على ذلك . 39 - [ 33 ] وعَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عمرو ؛ أَنَّ رَجُلاً سَأَلَ رسولَ الله - صلى الله عليه وسلم - : أَيُّ الإِسْلامِ خَيْرٌ ؟ قَالَ : تُطْعِمُ الطَّعَامَ ، وَتَقْرَأُ السَّلاَمَ عَلَى مَنْ عَرَفْتَ وَمَنْ لَمْ تَعْرِفْ .
وَفِي أُخْرَى : أَيُّ الْمُسْلِمِينَ خَيْرٌ ؟ قَالَ : مَنْ سَلِمَ الْمُسْلِمُونَ مِنْ لِسَانِهِ وَيَدِهِ . و ( قوله : أَيُّ الْمُسْلِمِينَ خَيْرٌ ) أي : أيُّ خصالهم أفضلُ ؟ بدليل جوابه بقوله : تُطْعِمُ الطَّعَامَ ، وَتَقْرَأُ السَّلاَمَ عَلَى مَنْ عَرَفْتَ وَمَنْ لَمْ تَعْرِفْ ، وكأنَّه - عليه الصلاة والسلام - فَهِمَ عن هذا السائلِ أنَّه يسألُ عن أفضلِ خصالِ المسلمين المتعدِّيَةِ النفعَ إلى الغير ، فأجابَهُ بأعمِّ ذلك وأنفعِهِ في حقِّه ؛ فإنَّه - عليه الصلاة والسلام - كان يجيبُ كُلَّ سائلٍ على حَسَبِ ما يُفْهَمُ منه ، وبما هو الأهمُّ في حقِّه والأنفعُ له . و ( قوله - عليه الصلاة والسلام - : وَتَقْرَأُ السَّلاَمَ عَلَى مَنْ عَرَفْتَ وَمَنْ لَمْ تَعْرِفْ ) قال أبو حاتم : تقول : قَرَأَ عليه السلامَ وأقْرَأَهُ الكتابَ ، ولا تقول : أَقْرَأَهُ السلامَ إلاَّ في لغة سُوء ، إلاَّ أن يكونَ مكتوبًا فتقول : أَقْرِئْهُ السلامَ ، أي : اجعلْهُ يقرؤه .
وجمَعَ له بين الإطعامِ والإفشاء ؛ لاجتماعهما في استلزام المحبَّةِ الدينيَّة ، والأُلْفةِ الإسلاميَّة ؛ كما قال - عليه الصلاة والسلام - : أَلاَ أَدُلُّكُمْ عَلَى شَيْءٍ إِذَا فَعَلْتُمُوهُ تَحَابَبْتُمْ ؟ أَفْشُوا السَّلاَمَ بَيْنَكُمْ . وفيه : دليلٌ على أنَّ السلام لا يُقْصَرُ على من يُعْرَفُ ، بل على المسلمين كافَّة ؛ لأنّه كما قال - عليه الصلاة والسلام - : السَّلاَمُ شِعَارٌ لِمِلَّتِنَا ، وَأَمَانٌ لِذِمَّتِنَا . ورَدُّ السلامِ أوكَدُ من ابتدائه ، وسيأتي القولُ فيه ، إن شاء الله تعالى .
و ( قوله : أَيُّ الْمُسْلِمِينَ خَيْرٌ ؟ فقَالَ : مَنْ سَلِمَ الْمُسْلِمُونَ مِنْ لِسَانِهِ وَيَدِهِ ) هذا السؤالُ غيرُ السؤالِ الأوَّل وإن اتَّحَدَ لفظهما ؛ بدليلِ افتراق الجواب ، وكأنَّه - عليه الصلاة والسلام - فَهِمَ عن هذا السائلِ أنه إنما سأل عن أحقِّ المسلمين باسم الخيريَّة وبالأفضليَّة ، وفَهِمَ عن الأوَّل أنَّه سَأَلَ عن أحقِّ خصالِ الإسلامِ بالأفضليَّة ، فأجاب كُلاًّ منهما بما يليقُ بسؤاله ، والله تعالى أعلم ، وهذا أولى مِنْ أن تقول : الخبران واحد ، وإنَّما بعضُ الرواة تسامَحَ ؛ لأنَّ هذا التقديرَ يرفَعُ الثقةَ بأخبارِ الأئمَّةِ الحفَّاظِ العدول ، مع وجودِ مندوحةٍ عن ذلك . 40 - [ 34 ] وعَنْ جَابِرٍ ، قَالَ : سَمِعْتُ رَسُولَ الله - صلى الله عليه وسلم - يَقُولُ : الْمُسْلِمُ مَنْ سَلِمَ الْمُسْلِمُونَ مِنْ لِسَانِهِ وَيَدِهِ . و ( قوله : الْمُسْلِمُ مَنْ سَلِمَ الْمُسْلِمُونَ مِنْ لِسَانِهِ وَيَدِهِ ) أي : مَنْ كانتْ هذه حالَهُ ، كان أحقَّ بهذا الاسمِ ، وأمكنَهُمْ فيه .
ويبيِّن ذلك : أنَّه لا ينتهي الإنسانُ إلى هذا ، حتَّى يتمكَّنَ خوفُ عقابِ الله تعالى مِنْ قلبه ، ورجاءُ ثوابه ، فيُكْسِبُهُ ذلك وَرَعًا يحمله على ضَبْطِ لسانه ويده ، فلا يتكلَّمُ إلاَّ بما يعنيه ، ولا يفعلُ إلاَّ ما يَسْلَمُ فيه ؛ ومَنْ كان كذلك ، فهو المسلمُ الكامل ، والمتَّقي الفاضل . ويقرُبُ من هذا المعنى بل يزيدُ عليه : قولُهُ - عليه الصلاة والسلام - : لاَ يُؤْمِنُ أَحَدُكُمْ حَتَّى يُحِبَّ لأَِخِيهِ مَا يُحِبُّ لِنَفْسِهِ ؛ إذْ معناه : أَنَّهُ لاَ يتمُّ إيمانُ أحدٍ الإيمانَ التامَّ الكامل ، حتَّى يَضُمَّ إلى سلامةَ النَّاسِ منه إرادته الخيرِ لهم ، والنُّصْحَ لجميعهم فيما يحاوله معهم . ويستفادُ من الحديث الأوَّل : أنَّ الأصلَ في الحقوقِ النفسيَّة والماليَّة المنعُ ؛ فلا يحلُّ شيءٌ منها إلاَّ بوجهٍ شرعيٍّ ، واللهُ تعالى أعلَمُ بغيبه وأحكم .