باب نِسْبَةُ الاِخْتِرَاعِ لِغَيْرِ اللهِ تَعَالَى حَقِيقَةً كُفْرٌ
[ 58 ] وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ، قَالَ : مُطِرَ النَّاسُ عَلَى عَهدِ النَّبِيِّ - صلى الله عليه وسلم - ، فَقَالَ النَّبِيُّ - صلى الله عليه وسلم - : أَصْبَحَ مِنَ النَّاسِ شَاكِرٌ ، وَمِنْهُمْ كَافِرٌ ، قَالُوا : هَذِهِ رَحْمَةُ اللهِ ، وَقَالَ بَعْضُهُمْ : لَقَدْ صَدَقَ نَوْءُ كَذَا وَكَذَا ، قَالَ : فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ : ﴿فَلَا أُقْسِمُ بِمَوَاقِعِ النُّجُومِ ﴾حَتَّى بَلَغَ : ﴿وَتَجْعَلُونَ رِزْقَكُمْ أَنَّكُمْ تُكَذِّبُونَ ﴾. و ( قوله : أَصْبَحَ مِنَ النَّاسِ شَاكِرٌ ، وَمِنْهُمْ كَافِرٌ ) أصلُ الشكر : الظهورُ ؛ ومنه قولهم : دابَّةٌ شَكُورٌ : إذا ظهر عليها من السِّمَن فوق ما تأكلُهُ من العلف . والشاكرُ : هو الذي يُثْنِي بالنعمةِ ويُظْهِرها ويعترفُ بها للمُنْعِم ، وجَحْدُهَا : كفرانُهَا ؛ فمَنْ نسَبَ المطَرَ إلى الله تعالى ، وعرَفَ مِنَّتَهُ فيه ، فقد شكَرَ الله تعالى ، ومَنْ نسبه إلى غيره ، فقد جحَدَ نعمةَ الله تعالى في ذلك ، وظلَمَ بنسبتها لغير المُنْعِم بها ؛ فإن كان ذلك عن اعتقاد ، كان كافرًا ظالمًا حقيقةً ، وإن كان عن غير معتقد ، فقد تشبَّهَ بأهلِ الكفر والظلمِ الحقيقيِّ ؛ كما قلناه آنفًا .
وقد قابل في هذا الحديث بين الشكر والكفر ؛ فدلَّ ظاهره على أن المراد بالكفر هاهنا كفرانُ النعم ، لا الكفرُ بالله تعالى . ويحتملُ أن يكون المرادُ به الكفرَ الحقيقيَّ ؛ ويؤيِّد ذلك استدلالُ النبيِّ - صلى الله عليه وسلم - بقوله تعالى : ﴿وَتَجْعَلُونَ رِزْقَكُمْ أَنَّكُمْ تُكَذِّبُونَ ﴾أي : تجعلون شُكْرَ رزقِكُمُ التكذيبَ ؛ على حذفِ المضاف ؛ قاله المفسِّرون ، وقرأ عليٌّ : وَتَجْعَلُونَ شُكْرَكُمْ فعبَّر عن الرزق بالشُّكْرِ ، والرزقُ : الشكرُ بلغَةِ أَزْدِ شَنُوءة ، يقال : ما أرزقَهُ ! أي : ما أشكَرهُ ! وما رزَقَ فلانٌ فلانًا ، أي : ما شَكَره . و ( قوله : ﴿فَلَا أُقْسِمُ بِمَوَاقِعِ النُّجُومِ ﴾) أصله : للقسم ؛ قاله ابنُ عبَّاس .
وقرأ عيسى : لَأُقْسِمُ بحذفِ الألف ؛ كأنه قال : لَأُقْسِمَنَّ ، فحذَفَ نونَ التوكيد ، وكذلك قرأ الحسَنُ والفراء في رواية البزي : لأقسم بيوم القيامة ويلزمُ ذلك النونُ الشديدةُ أو الخفيفةُ ، وحَذْفُهَا شاذٌّ . و مواقع النجوم مساقطها ، وقيل : مطالعها ، وقيل : انكدارُهَا وانتثارها يوم القيامة . وقيل في تأويلِ الآية : إنها قَسَمٌ بقلبِ محمد - صلى الله عليه وسلم - ، والنجومُ هي القرآن ؛ لأنَّه أُنْزِلَ نجومًا ؛ وروي ذلك عن ابن عبَّاس ، والقَسَمُ : الإيلاءُ والحَلِفُ .
وهذا وأشباهه قَسَمٌ من الله تعالى على جهة التشريفِ للمقسَمِ به ، والتأكيدِ للمُقسَمِ له ، ولله تعالى أن يُقْسِمَ بما شاء مِنْ أسمائه وصفاتِهِ ومخلوقاتِهِ تشريفًا وتنويهًا ؛ كما قال : وَالشَّمْسِ وَضُحَاهَا ، ﴿وَاللَّيْلِ إِذَا يَغْشَى ﴾، وَالْعَادِيَاتِ ، وَالْمُرْسَلَاتِ ، وَالنَّازِعَاتِ ونحو هذا . وقد تكلَّف بعضُ العلماء ، وقال : إنَّ المقسَمَ به في مثلِ هذه المواضع محذوفٌ للعلم به ؛ فكأنه قال : وربِّ الشمسِ ، وربِّ الليل . والذي حمله على ذلك : أنَّه لمَّا سَمِع أنَّ الشرع قد نهانا أن نَحْلِفَ بغير الله تعالى ، ظنَّ أنَّ الله تعالى يمتنعُ مِنْ ذلك ، وهذا ظن قاصر وفهمٌ غيرُ حاضر ؛ إذْ لا يَلْزَمُ شيءٌ من ذلك ؛ لأنَّ للهِ تعالى أن يحكمَ بما شاء ، ويفعَلَ من ذلك ما يشاء ؛ إذْ لا يتوجَّهُ عليه حُكْم ، ولا يترتَّبُ عليه حَقٌّ .
وأيضًا : فإنَّ الشرع إنما منعنا من القسمِ بغيرِ الله تعالى ؛ حمايةً عن التشبُّهِ بالجاهليةِ فيما كانوا يُقْسِمون به من معبوداتهم ومُعَظَّمَاتِهم الباطلةِ ؛ على ما يأتي الكلامُ عليه في الأَيْمَان . وقوله : ﴿إِنَّهُ لَقُرْآنٌ كَرِيمٌ ٧٧ فِي كِتَابٍ مَكْنُونٍ ﴾الكريم : الشريفُ الكثيرُ المنافعِ السَّهلهَا . والمكنونُ : المَصُونُ المحفوظ ، ويعني بالكتاب : اللوحَ المحفوظَ ؛ كقوله : ﴿بَلْ هُوَ قُرْآنٌ مَجِيدٌ ٢١ فِي لَوْحٍ مَحْفُوظٍ ﴾.
والْمُطَهَّرُونَ بحكم عُرْفِ الشرع : هم المتطهِّرون من الحدَثِ ؛ وعليه فتكونُ لَا نهيًا ، ويَمَسّهُ مجزومٌ بالنهي ، وضُمَّتْ سينه لأجل الضمير ؛ كما قالوا : شُرهُ ومُرهُ . ويجوزُ أن يكون خبرًا عن المشروعيَّة ، أي : لا يجوزُ مسُّهُ إلاَّ لمن تطهَّر من الحدث ، ويكونُ هذا نحو قولِهِ تعالى : وَالْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ أَوْلَادَهُنَّ حَوْلَيْنِ كَامِلَيْنِ . وهذا تقريرُ وجهِ منِ استدلَّ بالآية على تحريمِ مَسِّ القرآنِ على غير طهارة ، وهُمُ الجمهور ، وأَمَّا مَنْ أجاز ذلك ، وهم أهلُ الظاهر : فحملوا الآية على أنَّها خبرٌ عمَّا في الوجود ، أي : لا يَمَسُّهُ ولا ينالُهُ ولا يباشرُهُ إلا الملائكةُ ، وهم المطهَّرون بالحقيقةِ ، وتكونُ هذه الآيةُ مثلَ قوله : ﴿فِي صُحُفٍ مُكَرَّمَةٍ ﴾مَرْفُوعَةٍ مُطَهَّرَةٍ بِأَيْدِي سَفَرَةٍ كِرَامٍ بَرَرَةٍ ؛ وإلى هذا صار مالكٌ في تفسير هذه الآية ، مع أنَّ مذهبَهُ أنَّه لا يجوزُ لِمُحْدِثٍ مسُّ المصحف ؛ أخذًا بهذا الحكم مِنَ السُّنَّةِ الثابتة عنده ، لا مِنَ الآية ، والله تعالى أعلم .
وقد قيل في الآية : لَا يَمَسُّهُ : لا يفهمُهُ ولا يجدُ حلاوتَهُ إلا المؤمنون المحقِّقون ، والأول الظاهر . و ( قوله : ﴿أَفَبِهَذَا الْحَدِيثِ أَنْتُمْ مُدْهِنُونَ ﴾يعني بالحديث : القرآنَ ؛ لأنه أحاديثُ عن الأممِ الماضيةُ والوقائعِ الآتية ، والأحكامِ الجارية . و مُدْهِنُونَ : مكذِّبون ، وأصله من الدَّهن ؛ يقال : أَدْهَنَ ، وداهَنَ ؛ أي : ترَكَ ما هو عليه وتلبَّس بغيره .