باب حُبُّ عَلِيٍّ وَالأَْنْصَارِ آيَةُ الإيمَانِ وَبُغْضُهُمْ آيَةُ النِّفَاقِ
[ 61 ] وَعَنْ زِرٍّ ، عَنْ عَليٍّ قَالَ : وَالَّذِي فَلَقَ الْحَبَّةَ ، وَبَرَأَ النَّسَمَةَ ! إِنَّهُ لَعَهدُ النَّبِيِّ الأُمِّيِّ - صلى الله عليه وسلم - إِلَيَّ : أَلا يُحِبَّنِي إِلاَّ مُؤْمِنٌ ، وَلاَ يُبْغِضَنِي إِلاَّ مُنَافِقٌ . و ( قولُ عليٍّ - رضي الله عنه - : وَالَّذِي فَلَقَ الْحَبَّةَ ) أي : شقَّها بما يخرُجُ منها ؛ كالنَّخْلة من النواة ، والسنبلةِ مِنْ حَبَّةِ الحنطة ، والحَبَّة بفتح الحاء : لما يُزْرَعُ ويُسْتَنْبَتُ ، وبكسرها : لبذور بُقُولِ الصحراء التي لا تزرع . و ( قوله : وبَرَأَ النَّسَمَةَ ) أي : خلقها ، والنَّسَمَةُ : النَّفْسُ ، وقد يقال على الإنسان : نَسَمة ، وقد يقال أيضًا على الرَّبْو ؛ ومنه الحديث : تنكَّبوا الغُبَارَ ؛ فمنه تكونُ النَّسَمَةُ ) أي : الرَّبْو والبُهرُ ، وهو امتلاءُ الجوف من الهواء .
و ( قوله : إِنَّهُ لَعَهدُ النَّبِيِّ الأُمِّيِّ ألاَ يُحِبَّنِي إِلاَّ مُؤْمِنٌ ، وَلاَ يُبْغِضَنِي إِلاَّ مُنَافِقٌ ) العهد : الميثاق . والأُمِّيُّ : هو الذي لا يَكْتُبُ ؛ كما قال : إنَّا أُمَّةٌ أُمِّيَّةٌ لاَ نَكْتُبُ وَلاَ نَحْسُبُ ، وهو منسوبٌ إلى الأُمِّ ؛ لأنَّه باقٍ على أصلِ وِلاَدتها ؛ إذ لم يتعلَّم كتابةً ولا حسابًا . وقيل : ينسبَ إلى معظمِ أُمَّةِ العرب ؛ إذِ الكتابةُ كانتْ فيهم نادرةً .
وهذا الوصفُ مِنَ الأوصافِ التي جعلها الله تعالى مِنْ أوصافِ كمال النبيِّ - صلى الله عليه وسلم - ، ومدَحَهُ بها ، وإنَّما كان وصفَ نقصٍ في غيره ؛ لأنَّ الكتابةَ والدراسةَ والدّربة على ذلك : هي الطرقُ الموصِّلَةُ إلى العلومِ التي بها تشرُفُ نفسُ الإنسان ، ويعظُمُ قَدْرُهَا عادةً . فلمَّا خَصَّ اللهُ تعالى نبيَّنا محمَّدًا - صلى الله عليه وسلم - بعلومِ الأوَّلين والآخرين مِنْ غير كتابة ولا مدارسة ، كان ذلك خارقًا للعادة في حقِّه ، ومِنْ أوصافه الخاصَّةِ به ، الدالَّة على صدقه ، التي نُعِتَ بها في الكُتُبِ القديمة ، وعُرِفَ بها في الأممِ السابقة ؛ كما قال الله تعالى : الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الْأُمِّيَّ الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوبًا عِنْدَهُمْ ؛ فقد صارت الأُمِّيَّةُ في حقِّه من أعظمِ معجزاتِه ، وأجلِّ كراماتِه ، وهي في حَقِّ غيره نقصٌ ظاهر ، وعجزٌ حاضر ؛ فسبحان الذي صيَّر نقصَنَا في حقِّه كمالاَ ، وزادَهُ تشريفًا وجلالا . و ( قوله : ألاَ يُحِبَّنِي ) بفتح همزة أَلا ؛ لأنَّها همزةُ أَنِ الناصبةِ للفعل المضارع ، ويَحتمِل : أن تكون المخفَّفةَ من الثقيلة ؛ وكذلك روي : يُحِبُّنِي ، بضمِّ الباء وفتحها ، وكذلك : يُبْغِضني ؛ لأنَّه معطوفٌ عليه .
والضميرُ في إنَّه ضميرُ الأمر والشأن ، والجملةُ بعده تفسيرٌ له .