باب الإْسْلاَمُ إِذَا حَسُنَ هَدَمَ مَا قَبْلَهُ مِنَ الآثَامِ وَأَحْرَزَ مَا قَبْلَهُ مِنَ الْبِرِّ
[ 97] وَعَنْ حَكِيمِ بْنِ حِزَامٍ ؛ أَنَّهُ قَالَ لِرَسُولِ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - : أَيْ رسولَ الله ، أَرَأَيْتَ أُمُورًا كُنْتُ أَتَحَنَّثُ بِهَا فِي الْجَاهِلِيَّةِ ؛ مِنْ صَدَقَةٍ ، أو عَتَاقَةٍ ، أو صِلَةِ رَحِمٍ ، أَفِيهَا أَجْرٌ ؟ فَقَالَ رَسُولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - : أَسْلَمْتَ عَلَى مَا أَسْلَفْتَ مِنْ خَيْرٍ . وَفِي رِوَايَةٍ : أَنَّهُ أَعْتَقَ فِي الْجَاهِلِيَّةِ مِائَةَ رَقَبَةٍ ، وَحَمَلَ عَلَى مِائَةِ بَعِيرٍ ، ثُمَّ أَعْتَقَ فِي الإِْسْلاَمِ مِائَةَ رَقَبَةٍ ، وَحَمَلَ عَلَى مِائَةِ بَعِيرٍ ، ثُمَّ أَتَى النَّبِيَّ - صلى الله عليه وسلم - . فَذَكَرَ نَحْوَهُ .
و ( قوله : أَسْلَمْتَ عَلَى مَا أَسْلَفْتَ مِنْ خَيْرٍ ) اختُلِفَ في تأويله ؛ فقيل معناه : إنَّك اكتسبتَ طِباعًا جميلةً ، وخُلُقًا حسنةً في الجاهلية ، أَكْسَبَتْكَ خُلُقًا جميلةً في الإسلام . وقيل : اكتسَبْتَ بذلك ثناءً جميلاً ، فهو باقٍ عليك في الإسلام . وقيل : معناه : ببركةِ ما سبَقَ لك مِنْ خيرٍ ، هداك الله للإسلام .
وقال الحَرْبِيُّ : ما تقدَّم لك مِنَ الخير الذي عَمِلْتَهُ هو لك ؛ كما تقول : أَسْلَمْتُ على ألفِ درهم ، أي : على أَنْ أُحْرِزها لنفسه .
قال المؤلف - رحمه الله - : وهذا الذي قاله الحَرْبِيُّ هو أشبهها وأَوْلاَها ، وهو الذي أَشَرْنا إليه في الترجمة ، والله تعالى أعلم . وفي هذا الحديثِ - أعني حديثَ عمرو بن العاصي - فوائد : منها : تبشيرُ المحتضَرِ ، وتذكيرُهُ بأعمالِهِ الصالحة ؛ ليقوَى رجاؤه ، ويَحْسُنَ باللهِ ظَنُّهُ . ومنها : أنَّ الميِّت تُرَدُّ عليه رُوحُهُ ، ويَسْمَعُ حِسَّ مَنْ هو على قبره ، وكلامَهُمْ ، وأنَّ الملائكةَ تسألُهُ في ذلك الوقت .
وهذا كلُّه إنما قاله عمرو ، عن النبيِّ - صلى الله عليه وسلم - ؛ لأنَّ مِثْله لا يُدْرَكُ إلا مِنْ جهة النبي - صلى الله عليه وسلم - ، وعلى هذا فينبغي أن يُرْشَدَ الميِّتُ في قبره حين وَضْعِهِ فيه إلى جوابِ السؤال ، ويُذكَّرَ بذلك ، فيقال له : قُلِ : اللهُ ربِّي ، والإسلامُ ديني ، ومحمَّدٌ رسولي ؛ فإنَّه عن ذلك يُسْأَلُ كما جاءَتْ به الأحاديث على ما يأتي ، إن شاء الله تعالى ، وقد جرى العمَلُ عندنا بِقُرْطُبَةَ كذلك ، فيقال : قل : هو محمَّدٌ رسولُ الله تعالى ؛ وذلك عند هَيْلِ التراب عليه . ولا يُعارَضُ هذا بقوله تعالى : وَمَا أَنْتَ بِمُسْمِعٍ مَنْ فِي الْقُبُورِ ولا بقوله : فَإِنَّكَ لَا تُسْمِعُ الْمَوْتَى ؛ لأنَّ النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - قد نادى أهلَ القَلِيبِ وأسمعهم ، وقال : مَا أَنْتُمْ بِأَسْمَعَ لِمَا أَقُولُ مِنْهُمْ ، ولَكِنَّهُمْ لاَ يَسْتَطِيعُونَ جَوَابًا ، وقد قال في الميِّت : إِنَّهُ يَسْمَعُ قَرْعَ نِعَالِهِمْ ، وإنَّ هذا يكونُ في حال دون حال ، ووَقْتٍ دون وقت ، وسيأتي استيفاءُ هذا المعنَى في الجنائز ، إن شاء الله تعالى . وفي هذا الحديثِ : ما كانتِ الصحابةُ عليه مِنْ شدَّة محبَّتهم لرسولِ الله - صلى الله عليه وسلم - وتعظيمِهِ وتوقيره .
وفيه : الخوفُ مِنْ تغيُّرِ الحال ، والتقصيرِ في الأعمالِ في حالِ الموت ، لكنْ ينبغي أن يكونَ الرجاءُ هو الأغلَبَ في تلك الحال ، حتَّى يَحْسُنَ ظنُّهُ بالله تعالى عزَّ وجلَّ : فيلقاه على ما أَمَرَ به رسولُ الله - صلى الله عليه وسلم - ؛ حيثُ قال : لاَ يَمُوتَنَّ أَحَدُكُمْ إِلاَّ وهو يُحْسِنُ الظَّنَّ بِاللهِ عزَّ وجلَّ . كما تقدم .