حَـدِيثابحث في الموسوعة — حديث، راوٍ، موضوع…⌘K
المفهم لما أشكل من تلخيص مسلم

باب إِثْمِ مَنِ اقْتَطَعَ حَقَّ امْرِئٍ بِيَمِينِهِ

[ 106 ] وَعَنْ عَلْقَمَةَ بْنِ وَائِلٍ ، عَنْ أَبِيهِ ، قَالَ : جَاءَ رَجُلٌ مِنْ حَضْرَمَوْتَ وَرَجُلٌ مِنْ كِنْدَةَ إِلَى النَّبِيِّ - صلى الله عليه وسلم - ، فَقَالَ الْحَضْرَمِيُّ : يَا رسولَ الله ، إِنَّ هَذَا قَدْ غَلَبَنِي عَلَى أَرْضٍ لِي كَانَتْ لأَِبِي ، قَالَ الْكِنْدِيُّ : هِيَ أَرْضي فِي يَدِي أَزْرَعُهَا ، لَيْسَ لَهُ فِيهَا حَقٌّ ، فَقَالَ النَّبِيُّ - صلى الله عليه وسلم - لِلْحَضْرَمِيِّ : أَلَكَ بَيِّنَةٌ ؟ قَال : لا ، قَالَ : فَلَكَ يَمِينُهُ ، قَالَ : يَا رسولَ الله ، إِنَّ الرَّجُلَ فَاجِرٌ ، لاَ يُبَالِي عَلَى مَا حَلَفَ عَلَيْهِ ، وَلَيْسَ يَتَوَرَّعُ مِنْ شَيْءٍ ، فَقَالَ : لَيْسَ لَكَ مِنْهُ إِلاَّ ذَلِكَ ، فَانْطَلَقَ لِيَحْلِفَ ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - لَمَّا أَدْبَرَ : أَمَا لَئِنْ حَلَفَ عَلَى مَالِهِ لِيَأْكُلَهُ ظُلْمًا ، لَيَلْقَيَنَّ اللهَ وهو عَنْهُ مُعْرِضٌ . و ( قوله : إِنَّ هَذَا قَدْ غَلَبَنِي عَلَى أَرْضٍ لِي كَانَتْ لأَِبِي ) وفي الرواية الأخرى : انْتَزَى ، بمعنى غلب ، وهو من النَّزْو ، وهو الارتفاعُ ، وهو دليلٌ على أنَّ المُدَّعِيَ لا يلزمُهُ تحديدُ المُدَّعَى به إنْ كان مما يُحَدُّ ، ولا أن يصفه بجميعِ أوصافه كما يوصفُ المُسْلَمُ فيه ، بل يكفي من ذلك أن يتميَّز المدعَى به تمييزًا تنضبطُ به الدعوى ، وهو مذهبُ مالك . خلافًا لما ذهَبَت الشافعيَّة إليه ؛ حيثُ ألزموا المدعيَ أن يَصِفَ المُدَّعَى به بحدودِهِ وأوصافِهِ المعيَّنةِ التامَّة ، كما يوصفُ المُسْلَمُ فيه .

وهذا الحديثُ حُجَّةٌ عليهم ؛ أَلاَ ترى أنَّه - صلى الله عليه وسلم - لم يُكَلِّفْهُ تحديدَ الأرضِ ولا تعيينَهَا ، بل لمَّا كانتِ الدعوَى متميِّزةً في نفسها ، اكتفَى بذلك . وظاهرُ هذا الحديثِ : أنَّ والد المدَّعِي قد كان توفِّي ، وأنَّ الأرضَ صارتْ للمدَّعِي بالميراث ، ومع ذلك فلم يطالبه النبيُّ - صلى الله عليه وسلم - بإثباتِ الموتِ ولا بِحَصْرِ الورثة ؛ فَيَحْتملُ أن يقال : إنَّ ذلك كان معلومًا عندهم ، وَيَحْتملُ أن يقالَ : لا يلزمُهُ إثباتُ شيء من ذلك ، ما لم يناكرْهُ خَصْمه ، والله أعلم . وفيه دليلٌ على أنَّ مَنْ نسَبَ خَصْمَهُ إلى الغَصْبِ حالةَ المحاكمة ، لم يُنْكِرِ الحاكمُ عليه ، إلا أنْ يكونَ المقولُ له ذلك لا يَلِيقُ به .

و ( قوله : هِيَ أَرْضِي فِي يَدِي أَزْرَعُهَا ، لَيْسَ لَهُ فِيهَا حَقٌّ ) دليلٌ على أنَّ المدعَى فيه لا يُنْتَزَعُ من يدِ صاحبِ اليدِ لمجرَّدِ الدعوَى ، وأنَّه لا يُسْأَلُ عن سببِ يدِهِ ، ولا عن سببِ ملكه . وقوله للحضرمي : أَلَكَ بَيِّنَةٌ ؟ وفي الطريق الأخرى : شَاهِدَاكَ أو يَمِينُهُ ، دليلٌ على أنَّ المدعي يلزمُهُ إقامةُ البيِّنة ، فإنْ لم يُقِمْهَا ، حَلَفَ المدعى عليه ؛ وهو أمرٌ متَّفَقٌ عليه ، وهو مستفادٌ من هذا الحديث . فأمَّا ما يُرْوَى عن النبي - صلى الله عليه وسلم - من قوله : البَيِّنَةُ عَلَى المُدَّعِي ، وَاليَمِينُ عَلَى مَنْ أَنْكَرَ ، فليس بصحيحِ الرواية ؛ لأنَّه يدورُ على مسلمِ بنِ خالدٍ الزَّنْجِيِّ ، ولا يُحْتَجُّ به ، لكنَّ معنى متنه صحيحٌ بشهادةِ الحديثِ المتقدِّم له ، وبحديثِ ابنِ عبَّاس الذي قال النبيُّ - صلى الله عليه وسلم - فيه : وَلَكِنِ اليَمِينُ عَلَى مَنْ أَنْكَرَ .

وفيه : حجةٌ لمن لا يشترطُ الخِلْطَةَ في توجُّه اليمينِ على المدعَى عليه ، وقد اشترَطَ ذلك مالكٌ ، واعتُذِرَ له عن هذا الحديث : بأنَّها قضيةٌ في عَيْنٍ ، ولعلَّه - صلى الله عليه وسلم - عَلِمَ بينهما خِلْطةً ، فلم يطالبْهُ بإثباتها ، والله تعالى أعلم . و ( قوله : إِنَّ الرَّجُلَ فَاجِرٌ لاَ يُبَالِي مَا حَلَفَ عَلَيْهِ ، وَلَيْسَ يَتَوَرَّعُ مِنْ شَيْءٍ ) الفاجر : هو الكاذبُ الجريءُ على الكذب ، والوَرَعُ : الكَفُّ ، ومنه قولُهُم : رَوِّعُوا اللِّصَّ وَلاَ تُورِعُوه أي : لا تنكفُّوا عنه . وظاهر هذا الحديث : أنَّ ما يجري بين المتخاصمَيْنِ في مجلس الحكم مِنْ مثلِ هذا السَّبِّ والتقبيحِ : جائزٌ ، ولا شيءَ فيه ؛ إِذْ لم يُنْكِرْ ذلك النبيُّ - صلى الله عليه وسلم - ؛ وإلى هذا ذهَبَ بعضُ أهل العلم .

والجمهورُ : لا يُجِيزون شيئًا من ذلك ، ويَرَوْنَ إنكارَ ذلك ويؤدِّبون عليه ؛ تمسُّكًا بقاعدةِ تحريمِ السبابِ والأعراضِ . واعتذَرُوا عن هذا الحديث : بأنَّه مُحْتمِلٌ لأنْ يكونَ النبيُّ - صلى الله عليه وسلم - علم أنَّ المقولَ له ذلك القولُ كان كما قِيلَ له ؛ فكان القائلُ صادقًا ولم يَقْصِدْ أذاه بذلك ، وإنَّما قصَدَ منفعةً يستخرجها ، فلعلَّه إذا شُنِّعَ عليه ، فقد ينزجرُ بذلك ، فيرجعُ به للحق . ويَحْتملُ : أن يكون النبي - صلى الله عليه وسلم - تركَهُ ولم يَزْجُرْهُ ؛ لأنَّ المقولَ له لم يَطْلُبْ حقَّه في ذلك ، والله أعلم .

و ( قوله : شَاهِدَاكَ أو يَمِينُهُ ) دليلٌ على اشتراطِ العددِ في الشهادة ، وعلى انحصارِ طُرُقِ الحِجَاجِ في الشاهد واليمين ، ما لم يَنْكُلِ المُدَّعَى عليه عن اليمين ، فإنْ نَكَلَ ، حلَفَ المدَّعي واستحَقَّ المدعَى فيه ، فإنْ نكل ، فلا حُكْمَ ، ويُتْرَكُ المدعَى فيه في يد مَنْ كان بيده ، وسيأتي القولُ في الشاهد واليمين . و ( قوله : لَيَلْقَيَنَّ اللهَ وهو عَنْهُ مُعْرِضٌ ) أي : إعراضَ الغضبان ، كما قال في الحديث الآخر : وهو عَلَيْهِ غَضْبَانُ . وقد تقدَّم القولُ في غضبِ الله تعالى وفي رضاه ، وأنَّ ذلك محمولٌ إمَّا على إرادةِ عقابِ المغضوبِ عليه وإبعادِهِ ، وإرادةِ إكرامِ المرضِيِّ عنه .

أو على ثَواب تلك الإرادة ، وهو الإكرامُ أو الانتقامُ . وفيه : دليلٌ على نَدْبِيَّةِ وَعْظِ المُقْدِمِ على اليمين . و ( قوله : فَانْطَلَقَ لِيَحْلِفَ ) دليلٌ على أنَّ اليمينَ لا تُبْذَلُ أمام الحاكم ، بل لها موضعٌ مخصوص ، وهو أعظَمُ مواضعِ ذلك البلد ؛ كالبيتِ بمكَّة ، ومِنْبَرِ النبيِّ - صلى الله عليه وسلم - بالمدينة ، ومَسْجِدِ بيت المَقْدِس ، وفي المساجِدِ الجامعةِ من سائرِ الأمصار ؛ لكنَّ ذلك فيما ليس بتافِهٍ ، وهو مما لا تُقْطَعُ فيه يَدُ السارق ، وهو أَقَلُّ من رُبُعِ دينار عند مالكٍ ؛ فيحلَّفُ فيه حيثُ كان مستقبِلَ القبلة ، وفي ربعِ الدينار فصاعدًا ؛ لا يُحَلَّفُ إلا في تلك المواضع ، وخالفه أبو حنيفة في ذلك ، فقال : لا تكونُ اليمينُ إلا حيثُ كان الحاكم .

وظاهرُ هذا الحديث : أنَّ المدعَى عليه إذا حلَفَ ، انقطعَتْ حجةُ خَصْمه ، وبقي المدعَى فيه بيدِهِ ، وعلى ملكِهِ في ظاهر الأمر ، غيرَ أنَّه لا يَحْكُمُ له الحاكمُ بملك ذلك ؛ فإنَّ غايتَهُ أنه حائز ، ولم يَجْد ما يزيله عن حَوْزه ، فلو سأل المطلوبُ تعجيزَ الطالبِ بحيثُ لا تَبْقَى له حُجَّةٌ ، فهل للحاكمِ تعجيزُهُ وقطعُ حُجَّته أم لا ؟ قولان بالنفي والإثبات . وفي هذا الحديثِ أبوابٌ من علمِ القَضَاءِ لا تخفَى .

ورد في أحاديث7 أحاديث
هذا المحتوى شرحٌ لـ1 حديث
موقع حَـدِيث