باب مَنْ قُتِلَ دُونَ مَالِهِ فهو شَهِيدٌ
) بَابُ مَنْ قُتِلَ دُونَ مَالِهِ ، فهو شَهِيدٌ 140 - [ 108 ] عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ، قَالَ : جَاءَ رَجُلٌ إِلَى رَسُولِ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - ، فَقَالَ : يَا رَسُولَ اللهِ ، أَرَأَيْتَ إِنْ جَاءَ رَجُلٌ يُرِيدُ أَخْذَ مَالِي ؟ قَالَ : فَلاَ تُعْطِهِ مَالَكَ ، قَالَ : أَرَأَيْتَ إِنْ قَاتَلَنِي ؟ قَالَ : قَاتِلْهُ ، قَالَ : أَرَأَيْتَ إِنْ قَتَلَنِي ؟ قَالَ : فَأَنْتَ شَهِيدٌ ، قَالَ : أَرَأَيْتَ إِنْ قَتَلْتُهُ ؟ قَالَ : هو فِي النَّارِ . 141 - [ 109 ] وعَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عمرو ؛ أَنَّ رسولَ الله - صلى الله عليه وسلم - قَالَ : مَنْ قُتِلَ دُونَ مَالِهِ ، فهو شَهِيدٌ . ( 45 ) وَمِنْ بَابِ مَنْ قُتِلَ دُونَ مَالِهِ ، فهو شَهِيدٌ .
دُونَ في أصلها ظرفُ مكانٍ ، بمعنى : أَسْفَلَ وتَحْتَ ، وهي نقيضُ فَوْق ، وقد استُعْمِلَتْ في هذا الحديث بمعنى لأَِجْلِ السببيةِ ، وهو مجازٌ وتوسُّعٌ ، ووجهه : أنَّ الذي يُقَاتِلُ على ماله ، إنما يجعله خَلْفَهُ أو تحته ، ثم يقاتِلُ عليه . والشَّهِيدُ سمِّي بذلك ؛ لأنَّه حيٌّ ؛ فكأنَّه يشاهدُ الأشياء ؛ قاله النَّضْرُ بن شُمَيْل . وقال ابن الأنباريِّ : سمِّي بذلك ؛ لأنَّ اللهَ تعالى وملائكتَهُ شَهِدُوا له الجنَّة .
وقيل : لأنَّه يُشْهَدُ يومَ القيامةِ مع النبيِّ - صلى الله عليه وسلم - . وقيل : لأنَّه يُشَاهِدُ ما أَعَدَّ اللهُ له من الكرامة ؛ كما قال تعالى : فَرِحِينَ بِمَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ . و ( قوله : لاَ تُعْطِهِ مَالَكَ وقَاتِلْهُ ) دليلٌ على أنَّ المُحَارِبَ لا يجوزُ أن يُعْطي شيئًا له بالٌ من المال إذا طلبَهُ على وجه الحِرَابَةِ ما أمكن ، لا قليلاً ولا كثيرًا ، وأنَّ المُحَارِبَ يجبُ قتالُهُ ؛ ولذلك قال مالك : قِتَالُ المحارِبِينَ جهادٌ ، وقال ابن المنذر : عَوَامُّ العلماءِ على قتالِ المحارِبِ على كُلِّ وجهٍ ، ومدافعتِهِ عن المالِ والأهلِ والنَّفْس .
قال المؤلف - رحمه الله - : واختلَفَ مذهبنا إذا طلَبَ الشيءَ الخفيفَ كالثَّوْبِ ، والطعامِ - فهل يُعْطُونه أم لا ؟ على قولَيْن ، وذكَرَ أصحابنا : أنَّ سبَبَ الخلافِ في ذلك : هو هل الأَمْرُ بقتالهم من بابِ تغييرِ المُنْكَرِ فلا يُعْطَوْنَ ويُقَاتَلُونَ ، أو هو مِنْ بابِ دفعِ الضَّرَر ؟ وخرَّجوا من هذا الخلافِ في دعائهم قبل القتال ، هل يُدْعَوْنَ قبله أم لا ؟