باب ما خَصَّ الله به محمدًا نبينا من كرامة الإسراء
[ 132 ] وَمِنْ حَديثِ ابْنِ عَبَّاسٍ وَأَبِي حَبَّةَ الأَنْصَارِيِّ ؛ قَالا : قَالَ رَسُولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - : ثُمَّ عَرَجَ بِي حَتَّى ظَهَرْتُ لمُسْتَوًى أَسْمَعُ فِيهِ صَرِيفَ الأَقْلامِ . و ( قوله : حتّى ظهرْتُ لمُستوًى أسمعُ فيه صريفَ الأقلام ) ظهرْتُ : علوتُ ، والمستوَى : موضعٌ مشرفٌ يُستوَى عليه ، وقد يكون المستوى يراد به هنا حيث يظهر عدلُ الله وحُكمه لعباده هناك ، والسواء والاستواء العدل . وصريف الأقلام : تصويتها فيما يُكتب بها فيه ، ومن ذلك صريف الفحل بأنيابه ، وهو صوت حَكِّ بعضها ببعض ، وهذا المكتوب فيه هو اللوح المحفوظ ، والله أعلم .
ولعلّ الأقلام المصوِّتة هنا هي المعبَّر عنها بالقلم المُقسَم به في قوله تعالى : ن وَالْقَلَمِ ويكون القلم هنا للجنس . وكيفية الأقلام واللوح لا يعلمها إلاّ الله تعالى أو من أعلمه بذلك . وأمّا تخصيص موسى بأمره للنبيّ - صلى الله عليه وسلم - بمراجعة الله تعالى في الحطّ من الصلوات ، فلعلّه إنّما كان لأنّ أمّة موسى كانت قد كُلِّفت من الصلوات ما لم يُكَلَّف غيرها من الأمم ، فثقُلَتْ عليهم ، فخاف موسى - عليه السلام - على أمّة محمّد - صلى الله عليه وسلم - مثل ذلك .
وعلى هذا يدلّ قوله : فإنّي قد بلوتُ بني إسرائيل قبلك ، والله أعلم . وقيل : لأنّ موسى كان في السماء السابعة ، فكان أوّل من لقي من الأنبياء ، وليس بصحيح ، فإنّ هذا الحديث نصّ في أنّ موسى - عليه السلام - كان في السادسة وإبراهيم في السابعة ، فكان يكون إبراهيم أولى بذلك . والأشبه الأوّل ، والله أعلم .
وهذا الحديث نصّ في وقوع النسخ قبل التمكّن من الامتثال ، وهو ردّ على من خالف في ذلك ، وهم المعتزلة . وأبو حبّةَ الأنصاريّ صحح اسمه بالباء بواحدة من أسفلَ ، وقد رواه الفارسيّ عن المروزيِّ باثنتين ، وليس بشيء . واسمه مالك بن عمرو البدريّ ، وقال الغسّانيّ : اسمه عامر ، وقيل : زيد ، وهو يشتبه بحيّةَ بالياء ، وهو حيي بن حيّةَ الثقفيّ .