باب فضل تحسين الوضوء والمحافظة على الصلوات
( 3 ) ومن باب فضل تحسين الوضوء ( قوله : وكانت صلاتُه ومشيه إلى المسجد نافلة ) يعني : أن الوضوء لم يُبق عليه ذنبًا ، فلما فعل بعده الصلاة كان ثوابها زيادة له على المغفرة المتقدمة . و النَّفْل : الزيادة ، ومنه : نفل الغنيمة ؛ وهو ما يعطيه الإمام من الخمس بعد القسمة . وهذا الحديث يقتضي أن الوضوء بانفراده يستقل بالتكفير .
وكذلك حديث أبي هريرة ، فإنه قال فيه : إذا توضأ العبد المسلِمُ فغسل وجهه خرج من وجهه كل خطيئةٍ نظر إليها بعينيه ، وهكذا إلى أن قال : حتى يخرج نقيًا من الذنوب ، وهذا بخلاف أحاديث عثمان المتقدمة ؛ إذ مضمونها : أن التكفير إنما يحصل بالوضوء إذا صلى به صلاة مكتوبةً يتم ركوعها وخشوعها . والتلفيق من وجهين : أحدهما : أن يرُدَّ مطلق الأحاديث إلى مُقيدِها . والثاني : أن نقول : إن ذلك يختلف بحسب اختلاف أحوال الأشخاص ؛ فلا بُعد في أن يكون بعض المتوضئين يحصل له من الحضور ، ومراعاة الآداب المكملة ما يستقل بسببها وضوؤه بالتكفير ، ورب متوضئ لا يحصل له مثل ذلك ، فيكفر عنه بمجموع الوضوء والصلاة ، ولا يعترض على هذا بقوله - عليه الصلاة والسلام - : من أتم الوضوء كما أمره الله فالصلوات المكتوبة كفارات لما بينهن ، لأنا نقول : من اقتصر على واجبات الوضوء فقد توضأ كما أمره الله تعالى ، كما قال النبي - صلى الله عليه وسلم - للأعرابي : توضأ كما أمرك الله ، فأحاله على آية الوضوء ، على ما قدمناه .
وكذلك ذكر النسائي من حديث رفاعة بن رافع ، فقال النبي - صلى الله عليه وسلم - : إنها لم تتم صلاة أحدكم حتى يسبغ الوضوء ، كما أمره الله تعالى ، فيغسل وجهه ، ويديه إلى المرفقين ، ويمسح برأسه ، ورجليه إلى الكعبين ، ونحن إنما أردنا المحافظة على الآداب المكملة التي لا يراعيها إلا من نوَّر الله باطنه بالعلم والمراقبة ، والله تعالى أعلم .