باب في صفة الوضوء
( 235 ) و ( 236 ) - [ 173 ] وَعَنْ عبد الله بْنِ زَيْدِ بْنِ عَاصِمٍ الأَنْصَارِيِّ - وَكَانَتْ لَهُ صُحْبَةٌ - قَالَ : قِيلَ لَهُ : تَوَضَّأْ لَنَا وُضُوءَ رَسُولِ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - . فَدَعَا بِإِنَاءٍ فَأَكْفَأَ مِنْه عَلَى يَدَيْهِ ، فَغَسَلَهُمَا ثَلاثًا ، ثُمَّ أَدْخَلَ يَدَهُ فَاسْتَخْرَجَهَا ، فَمَضْمَضَ وَاسْتَنْشَقَ مِنْ كَفٍّ وَاحِدَةٍ ، ففَعَلَ ذَلِكَ ثَلاثًا ، ثُمَّ أَدْخَلَ يَدَهُ فَاسْتَخْرَجَهَا فَغَسَلَ وَجْهَهُ ثَلاثًا ، ثُمَّ أَدْخَلَ يَدَهُ فَاسْتَخْرَجَهَا فَغَسَلَ يَدَيْهِ إِلَى الْمِرْفَقَيْنِ ، مَرَّتَيْنِ مَرَّتَيْنِ ، ثُمَّ أَدْخَلَ يَدَهُ فَاسْتَخْرَجَهَا فَمَسَحَ بِرَأْسِهِ فَأَقْبَلَ بِيَدَيْهِ وَأَدْبَرَ ، ثُمَّ غَسَلَ رِجْلَيْهِ إِلَى الْكَعْبَيْنِ ، ثُمَّ قَالَ : هَكَذَا كَانَ وُضُوءُ رَسُولِ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - . زَادَ فِي أُخْرى : فَأَقْبَلَ بِهِمَا وَأَدْبَرَ ، بَدَأَ بِمُقَدَّمِ رَأْسِهِ ، ثُمَّ ذَهَبَ بِهِمَا إِلَى قَفَاهُ ، ثُمَّ رَدَّهُمَا حَتَّى رَجَعَ إِلَى الْمَكَانِ الَّذِي بَدَأَ مِنْهُ .
وَفِي أُخْرى : فَمَضْمَضَ وَاسْتَنْشَقَ وَاسْتَنْثَرَ مِنْ ثَلاثِ غَرَفَاتٍ . وَفِيها : فَمَسَحَ بِرَأْسِهِ فَأَقْبَلَ بِهِ وَأَدْبَرَ مَرَّةً وَاحِدَةً . وَفِي أُخْرى : وَمَسَحَ بِرَأسِهِ بِماءٍ غَيْر فَضْل يَديْهِ ، وَغَسَلَ رِجلَيْهِ حَتْى أَنْقَاهُمْا .
و ( قوله في حديث عبد الله بن زيد : " وقيل له : توضأ لنا وضوء رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ، فتوضأ " . المعلم للوضوء إذا نوى به رفع الحدث أجزأه ، فإن لم ينو ، لم يُجزه عند من يشترط النية على ما يأتي ، وكذلك المتعلمُ . ج١ / ص٤٨٥و ( قوله : " فغسلهما ثلاثًا " ) حجة لأشهب في اختياره في غسلهما الإفراغ عليهما معًا ، وقد روى ابن القاسم عن مالك : أنه استحب أن يفرغ على يده اليمنى فيغسلها ، ثم يدخلها ويصب بها على اليسرى ، محتجًّا بقوله في " الموطأ " في هذا الحديث : " فأفرغ على يديه وغسلهما مرتين مرتين " .
وقد يكون منشأ الخلاف في هذا الفرع الخلاف في غسلهما ، هل هو عادة فيغسل كل عضو منهما بانفراده كسائر الأعضاء ؟ أو هو للنظافة فتغسلان مجتمعين . و ( قوله : " فمضمض واستنشق من كف واحدة ، فعل ذلك ثلاثًا " ) أي : جمع بين المضمضة والاستنشاق في كف واحدة . وفعل ذلك ثلاثًا من ثلاث غرفات ، كما بينه في رواية ابن وهبٍ ، فإنه قال : " فمضمض واستنشق من ثلاث غرفات " .
وقد اختلف في الأَوْلى من ذلك عن مالك والشافعي ، فقيل : الأولى عندهما : جمعهما في غرفة واحدة ، والإتيان بها كذلك في ثلاث غرفات ، وقيل : بل الأولى عندهما إفرادُ كلِّ واحدةٍ منهما متفرقين بثلاث غرفات ، ويشهد للأولى رواية ابن وهب ، والثاني ما في كتاب أبي داود من قوله : " فرأيته يفصل بين المضمضة والاستنشاق " . قيل : بل يفعلان معًا ثلاث مرات من غرفة واحدة ، كما روى البخاري قال : " فمضمض واستنشق ثلاثًا من غرفة " . و ( قوله : " ثم أدخل يده فاستخرجها فغسل وجهه " ) ظاهِرُه : أنه أدخل يدَهُ الواحدة في الماء فأفرغ بها على اليسرى .
وهو أحد القولين عندنا ، وأنه كذلك ج١ / ص٤٨٦يفعل في جميع الأعضاء . وفي البخاري في بعض طرق هذا الحديث : " ثم أدخل يديه فاغترف بهما " . وهذا حجة لاختيار مالك في هذه المسألة ، وكذلك القول في غرفة مسح الرأس .
وفي البخاري : " ثم أخذ بيديه ماء فمسح برأسه " . واختلف عن مالك في حدِّ الوجه طولاً وعرضًا . فأما الطول فمن منابت شعر الرأس المعتاد إلى الذقن مُطلقًا ، للأمردِ والملتحي .
وقيل : إلى آخر اللحية للملتحي . وأما حدُّه عرضًا ؛ فمن الأذن إلى الأذن . وقيل : من العذار إلى العذار ، وقيل : بالفرق بين الأمرد والملتحي ، وسبب هذا الخلاف : الاختلاف في اسم الوجه والمواجهة على ماذا يقعان ؟ و ( قوله : " فغسل يديه إلى المرفقين " ) المرفق : هو العظم الناتئ في آخر الذراع ، سمي بذلك ؛ لأنه يرتفق عليه ، أي : يُتَّكأُ ويُعتمدُ .
واختلف فيهما : هل يدخُلانِ في الغسل أم لا ؟ وسببه : توهم الاشتراك في " إلى " وذلك أنها لانتهاء الغاية في الأصل ، وقد تأتي بمعنى : " مع " في مثل قوله تعالى : وَلَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَهُمْ إِلَى أَمْوَالِكُمْ ، وفي قوله تعالى : مَنْ أَنْصَارِي إِلَى اللَّهِ . وفي قول العرب : " الذود إلى الذود إبلٌ " ، والأصل فيها : انتهاء الغاية ، فيجب أن تحمل عليه . ويمكن أن يقال : إن " إلى " وإن كانت لانتهاء الغاية فهي محتملة لدخول الغاية فيما قبلها ، والذي يرفع الخلاف فيها ما حكي عن سيبويه : أن الغاية إن كانت من جنس ذي الغاية دخلت فيه ، وإن لم تكن لم تدخل ، مثال ذلك : أن تقول : بعتك من هذه الشجرة إلى هذه الشجرة ، والمبيع شجرٌ ، فلا شك في دخول ج١ / ص٤٨٧الشجرتين في جملة الشجر المبيعة ، وإن كان المبيع أرضًا لم يدخلا ، والله تعالى أعلم .
و ( قوله : " فغسل يديه إلى المرفقين مرتين مرتين " ) دليل على عدم كراهة الشفع في الغسلات ، ولا خلاف أنه يجوز الاقتصار على الواحدة إذا أسبغ ، وأن الاثنتين أفضل من الاقتصار على الواحدة ، وأن الثلاث أفضل من الاثنتين ، وأن الزيادة على الثلاث ممنوعةٌ ، إلا أن يفعل بنية تجديد الوضوء ، فإن أبا حنيفة أجاز ذلك ، وعندنا أنه لا يصح له التجديد حتى يفعل بذلك الوضوء صلاةً ، وسيأتي . وقد كره مالك الاقتصار على الواحدة للجاهل ؛ لما يخاف من تفريطه ، وللعالم لئلا يقتدي به الجاهل . و ( قوله : " فمسح برأسه " ) الباء في " برأسه " باء التعدية ؛ أي : التي يجوز حذفها وإثباتها ، كقولك : مسحت برأس اليتيم ، ومسحتُ رأسَهُ ، وسميت ابني بمحمد ومحمدًا ، ولا يصح أن تكون للتبعيض ، خلافًا للشافعي ؛ لأن المحققين من أئمة النحويين البصريين وأكثر الكوفيين أنكروا ذلك ، ولأنها لو كانت للتبعيض لكان قولك : " مسحت برأسه " كقولك : " مسحت ببعض رأسه " ، ولو كان كذلك لما حَسُنَ أن تقول : " مسحت ببعض رأسه " ، ولا " برأسه بعضه " ؛ لأنه كان يكون تكريرًا ، ولا " مسحت برأسه كله " ؛ لأنه : كان يكون مناقضًا له ، ولو كانت للتبعيض لما جاز إسقاطها هنا ؛ فإنه يقال : مسحتُ برأسهِ ، ومسَحت رأسَه بمعنى واحدٍ ، وأيضًا فلو كانت مبعضةً في مسح الرأس في الوضوء لكانت مُبعضَةً في مسح ج١ / ص٤٨٨الوجه في التيمم ؛ لتساوي اللفظين في المحلين ، ولم لا فلا ، ومذهب مالك رحمه الله وجوب عموم مسح الرأس تمسكًا باسم الرأس ، فإنه للعضو بجملته كالوجه ، وتمسكًا بهذه الأحاديث ، ثم نقول : نحن وإن تنزلنا على أن " الباء " تكون مبعضةً وغير مُبعضة ، فذلك يُوجب فيها إجمالاً أزالَهُ النبي - صلى الله عليه وسلم - بفعله ، فكان فعله بيانًا لمجمل واجب ، فكان مسحه كله واجبًا ، وسيأتي القول في حديث المغيرة الذي ذكر فيه أنه - عليه الصلاة والسلام - : مسح مقدم رأسه وعلى عمامته .
و ( قوله : " فأقبل بيديه وأدبر " ) معناه : أقبل إلى جهة قفاه ، والإدبار : رجوعُهُ إلى حيث بدأ ، كما فسره حيث قال : " فأقبل بهما وأدبر ، بدأ بمقدم رأسه " . وقيل : المراد : أدبر وأقبل ؛ لأن الواو لا تُعطي رتبةً . وفي البخاري : " فأدبر بهما وأقبل " ، وهذا أولى لهذا النص .
وقيل : معنى أقبل : دخل في قبل الرأس ، كما يقال : أنجدَ وأتهم : إذا دخل نجدًا وتهامةَ . وقيل : معناه : أنه ابتدأ من الناصية مقبلاً إلى الوجه ، ثم ردَّهُما إلى القفا ، ثم رجع إلى الناصيةِ . وهذا ظاهرُ اللفظ .
والإقبال والإدبار مسحة واحدة ؛ لأنها بماء واحد ، والمقصود بالرَّدة على الرأس : المبالغة في استيعابه . و ( قوله : " ثم غسل رجليه إلى الكعبين " ) الكعب في اللغة : هو العظم الناشِز ج١ / ص٤٨٩عند ملتقى الساق والقدم ، وأنكر الأصمعي قول الناس : إن الكعب في ظهر القدم ، قاله في الصحاح ، والأول هو المشهور عند أهل المذهب والفقهاءِ . وقد روي عن ابن القاسم : أنه العظم الذي في ظهر القدم عند معقد الشراك ، والأول هو الصحيح المعروف .
و ( قوله : " ومسح رأسه بماء غير فضل يديه " ) دليل على مشروعية تجديد الماء لمسح الرأس ، وأنه سنة ، خلافًا للأوزاعي والحسن وعروة في تجويزهم مسحه ابتداءً بما فضل في يديه . ولم يجئ في هذا الحديث ولا في حديث عثمان للأذنين ذكرٌ ، ويمكن أن يكون ذلك ؛ لأن اسم الرأس تضمنهما .
وقد جاءت الأحاديث صحيحة في كتاب النسائي وأبي داود وغيرهما : أن النبي - صلى الله عليه وسلم - مسح أذنيه ظاهرهما وباطنهما ، وأدخل أصابعه في صماخيه، وسيأتي ذكرهما .
ج١ / ص٤٩٠وهذه الأحاديث أعني حديث عثمان وعبد الله تدل على مراعاة الترتيب في الوضوء والموالاة . وقد اختلف أهل المذهب في ذلك وغيرهم على ثلاثة أقوال : الوجوب ، والسنة ، والاستحباب ، والأولى القول بالسنة فيهما ؛ إذ لم يصح قط عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه توضأ مُنكسًا ولا مفرقًا تفريقًا مُتفاحشًا ، وليس في آية الوضوء ما يدل على وجوبهما ، وما ذكر من أن الواو ترتب لا يصح ، ومما يدل على بطلان ذلك وقوعها في موضع يستحيل فيه الترتيب ، وذلك بابُ المفاعلة ، فإنها لا تكون إلا من اثنين ، فإن العرب تقولُ : تخاصم زيدٌ وعمرو ، ولا يجوز أن يكون هنا ترتيبٌ ، ولا أن يقع موقعها حرفٌ من حروف الترتيب بوجهٍ من الوجوه ، فصح ما قلناهُ .