باب الأمر بتسوية الصفوف ومن يلي الإمام
( 437 ) [347] - وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - قَالَ : لَوْ يَعْلَمُ النَّاسُ مَا فِي النِّدَاءِ وَالصَّفِّ الأَوَّلِ ثُمَّ لَمْ يَجِدُوا إِلا أَنْ يَسْتَهِمُوا عَلَيْهِ لاسْتَهَمُوا عَلَيْهِ ، وَلَوْ يَعْلَمُونَ مَا فِي التَّهْجِيرِ لاسْتَبَقُوا إِلَيْهِ ، وَلَوْ يَعْلَمُونَ مَا فِي الْعَتَمَةِ وَالصُّبْحِ لأَتَوْهُمَا وَلَوْ حَبْوًا . وقوله " لو يعلم الناس ما في النداء والصف الأول " ، النداء : الأذان بالصلاة ، والصف الأول اختلف فيه هل هو الذي يلي الإمام أو هو المبكر ؟ والصحيح أنه الذي يلي الإمام ، فإن كان بين الإمام وبين الناس حجب حائلة كما استحدث من مقاصير الجوامع فالصف الأول هو الذي يلي المقصورة . وقوله " لاستهموا عليه " فيه إثبات القرعة مع تساوي الحقوق ، وأما ج٢ / ص٦٥تشاحُّهم في النداء مع جواز أذان الجماعة في زمان واحد فيمكن أن يكون أراد أن يؤذِّن واحد بعد آخر لئلا يخفى صوتُ أحدهم .
قال الشيخ رحمه الله : ويمكن التشاحُّ في أذان المغرب إذا قلنا بضيق وقتها ، فإنه لا يؤذِّن لها إذ ذاك إلا مؤذن واحد . وقد نحا الداودي إلى أن هذا الاسْتِهام في أذان الجمعة ؛ أي : لو علموا ما فيه لتسابقوا إليه ولاقترعوا عليه أيهم يؤذِّنه ، وهذا الضمير الذي في " عليه " اختلف فيه على ماذا يعود ؟ فقال أبو عمر بن عبد البر : إنه يعود على الصف الأول ، وهو أقرب مذكور . قال : وهذا وجه الكلام .
وقيل : إنه يعود على معنى الكلام المتقدم ؛ فإنه مذكور ومَقُول ، ومثل هذا قوله تعالى : وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ يَلْقَ أَثَامًا ؛ أي : ومن يفعل المذكور ، وقيل - وهذا أولى من الأول ؛ لأنه إن رجع إلى الصف بقي النداء ضائعًا لا فائدة له . وقوله " لاستهموا عليه " ؛ أي لتقارعوا ، والتهجير : التبكير للصلوات - قاله الهروي . وقيل : المراد هنا به المحافظة على الجمعة والظهر ؛ فإنها التي تفعل في وقت الهاجرة وهي شدة الحرّ نصف النهار .
ويقال : هجرّ القوم وأهجروا - صاروا في الهاجرة . وعتمة الليل : ظلمته . وكانت الأعراب تحلب عند شدة الظلمة حَلْبَةً وتسميها العَتَمَة ، فكأنّ لفظ العتمة صار مشتركًا بين خسيس وهي الْحَلْبَة وبين نفيس وهي الصلاة ، فنهى عن إطلاق لفظ العتمة على الصلاة ليرفع الاشتراك ، وحيث أمن الاشتراك جاز الإطلاق .
وقيل : إنما نهى عن ذلك ليُتَأَدَّب في الإطلاق ، وليقتدي بما في كتاب الله تعالى من ذلك ، وليجتنب إطلاق الأعراب فإنهم عدلوا عَمَّا في كتاب الله ج٢ / ص٦٦تعالى من ذلك ، ومثل ذلك يمكن أن يقال في قوله عليه الصلاة والسلام : لا يغلبنكم الأعراب على اسم صلاتكم المغرب ، وتقول الأعراب هي العشاء . قال الشيخ : ويمكن أن يقال إن النهي المذكور ليس عن إطلاق ذلك اللفظ لأجل ذلك ، بل لأجل غلبة ما يطلقه الأعراب من ذلك ؛ لأنه إذا غلب إطلاقهم واقتُدي بهم في ذلك الإطلاق ترك ما في كتاب الله وما في سنة رسوله صلى الله عليه وسلم من تسميته العشاء والمغرب ، وعلى هذا فلا يمتنع إطلاق لفظ العتمة والمغرب عليهما إذا لم يكن غلبة ، والله أعلم .