باب فيمن لم يّدْرِ كم صلى
( 572 ) ( 89 و 90 و 92 و 96 ) [461] - وَعَنْ عَلْقَمَةَ قَالَ : قَالَ عبد الله : صَلَّى رَسُولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم ( قَالَ إِبْرَاهِيمُ بْنُ سُوَيْدٍ : زَادَ أَوْ نَقَصَ ، الْوَهْمُ مِنْهُ ) فَلَمَّا سَلَّمَ قِيلَ لَهُ : يَا رَسُولَ اللَّهِ ! أَحَدَثَ فِي الصَّلاةِ شَيْءٌ ؟ قَالَ : وَمَا ذَاكَ ؟ قَالُوا : صَلَّيْتَ كَذَا وَكَذَا . قَالَ : فَثَنَى رِجْلَهِ وَاسْتَقْبَلَ الْقِبْلَةَ ، فَسَجَدَ سَجْدَتَيْنِ ، ثُمَّ سَلَّمَ ، ثُمَّ أَقْبَلَ عَلَيْنَا بِوَجْهِهِ فَقَالَ : إِنَّهُ لَوْ حَدَثَ فِي الصَّلاةِ شَيْءٌ أَنْبَأْتُكُمْ بِهِ ، وَلَكِنْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ ، أَنْسَى كَمَا تَنْسَوْنَ ، فَإِذَا نَسِيتُ فَذَكِّرُونِي ، فإِذَا شَكَّ أَحَدُكُمْ فِي الصَلاة فَلْيَتَحَرَّ الصَّوَابَ فَلْيُتِمَّ عَلَيْهِ ، ثُمَّ يَسْجُدْ سَجْدَتَيْنِ . وَفي رِوَايَةٍ : فَلْيَنْظُرْ أَحْرَى ذَلِكَ إلى الصَّوَابِ .
وَفي أُخْرَى : فَلْيَتَحَرَّ أَقْرَبَ ذَلِكَ إِلَى الصَّوَابِ . وَفي أُخْرَى : فَقَالَ رَسُولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - : إِذَا زَادَ الرَّجُلُ أَوْ نَقَصَ فَلْيَسْجُدْ سَجْدَتَيْنِ ، قَالَ : ثُمَّ سَجَدَ سَجْدَتَيْنِ . وَفي أُخْرَى : أَنَّهُ - عليه الصلاة والسلام - صلى خَمْسًا ( مِنْ غَيْرِ شَكٍّ ) .
وقولهم في حديث ابن مسعود : أَحَدَث في الصلاة شيء ؟ سؤال عن ج٢ / ص١٨٤جواز النسخ على ما ثبت من العبادة ، ويدل هذا : على أنهم كانوا يتوقعونه . وقوله : وما ذاك ؟ سؤال من لم يشعر بما وقع منه ، ولا يقين عنده ، ولا غلبة ظن . وقولهم : صليت كذا أو كذا : إخبار من حقق ما وقع .
وقبول النبي - صلى الله عليه وسلم - قول المخبِر عما وقع له دليل على قبول الإمام قول من خلفه في إصلاح الصلاة ، إذا كان الإمام على شك ، بلا خلاف . وهل يشترط في المخبر عدد ؛ لأنه من باب الشهادة ، أو لا يشترط ذلك ، لأنه من باب قبول الخبر ؟ قولان : الأول : لأشهب وابن حبيب ، وأما إن كان الإمام جازمًا في اعتقاده بحيث يصمم عليه ، فلا يرجع إليهم ، إلا أن يفيد خبرهم العلم فيرجع إليهم ، وإن لم يفد خبرهم العلم ؛ فذكر ابن القصّار في ذلك عن مالك قولين : الرجوع إلى قولهم ، وعدمه . وبالأول قال ابن حبيب ، ونصه : إذا صلى الإمام برجلين فصاعدًا فإنه يعمل على يقين من وراءه ، ويدع يقين نفسه ، قال المشايخ : يريد الاعتقاد .
وبالثاني قال ابن مسلمة ، ونصّ ما حكي عنه : يرجع إلى قولهم إن كثروا ، ولا يرجع إذا قلّوا ، وينصرف ، ويُتِمّون لأنفسهم . وقوله : لو حدث في الصلاة شيء أنبأتكم به : يفهم منه أن الأصل في الأحكام بقاؤها على ما قُرِّرَتْ وإن جوز غير ذلك ، وأن تأخير البيان لا يجوز عن وقت الحاجة . وقوله : إنما أنا بشر أنسى كما تنسون : دليل على جواز النسيان على النبي - صلى الله عليه وسلم - فيما طريقه البلاغ من الأفعال وأحكام الشرع .
قال القاضي عياض : وهو ج٢ / ص١٨٥مذهب عامة العلماء والأئمة النظار ، وظاهر القرآن والأحاديث ، لكن شرط الأئمة أن الله تعالى ينبهه على ذلك ، ولا يقرّه عليه ، ثم اختلفوا : هل من شرط التنبيه اتصاله بالحادثة على الفور ؟ وهذا مذهب القاضي أبي بكر والأكثر من العلماء ، أو يجوز في ذلك التراخي ما لم ينخرم عمره ، وينقطع تبليغه ؟ وإليه نَحَا أبو المعالي . ومنعت طائفة من العلماء السهو عليه في الأفعال البلاغية ، والعبادات الشرعية ، كما منعوه اتفاقًا في الأقوال البلاغية ، واعتذروا عن الظواهر الواردة في ذلك ، وإليه مال الأستاذ أبو إسحاق ، وشذّت الباطنية وطائفة من أرباب علم القلوب ، فقالوا : لا يجوز النسيان عليه ، وإنما يَنْسَى قصدًا ، ويتعمد صورة النسيان ليسنّ ، ونحا إلى قولهم عظيم من أئمة التحقيق ؛ وهو أبو المظفر الإسفراييني في كتابه " الأوسط " ، وهذا مَنْحىً غير سديد ، وجمع الضد مع الضد مستحيل بعيد . قلت : والصحيح أن السهو عليه جائز مطلقًا ؛ إِذْ هو واحد من نوع البشر ، فيجوز عليه ما يجوز عليهم إذا لم يقدح في حاله ، وعليه نبّه حيث قال : إنما أنا بشر أنسى كما تنسون ، غير أن ما كان منه فيما طريقه بلاغ الأحكام قولا أو فعلا ، لا يقرّ على نسيانه ، بل ينبَّه عليه إذا تعينت الحاجة إلى ذلك المبلغ ، فإن أقر على نسيانه ذلك ، فإنما ذلك من باب النسخ ؛ كما قال تعالى : سَنُقْرِئُكَ فَلا تَنْسَى إِلا مَا شَاءَ اللَّهُ وقوله : فليتحرّ الصواب فليتمّ عليه ، و ( فليتحر أقرب ذلك إلى الصواب ) ظاهره ما صار إليه الكوفيون من عمله على غلبة ظنه ، وقد ذكرنا أن ج٢ / ص١٨٦الجمهور ردّوه إلى حديث أبي هريرة ، وهذا لم تضم إليه ضرورة تعارض ، إذ يمكن أن يحمل كل واحد من الحديثين على حالة غير الأخرى ، فَيَحْملُ حديث أبي هريرة فيمن شك ، ويحمل هذا الحديث فيمن ظنّ ، ولا تعارض بينهما ، والتحرّي وإن كان هو القصد ، كما قال تعالى : فَأُولَئِكَ تَحَرَّوْا رَشَدًا فكما يُقْصَدُ المتيقَّن يُقْصَدُ المظنون ، والله تعالى أعلم .
فإن قيل : الموجب لتأويل هذا الحديث وردّه إلى حديث أبي هريرة : أن الصلاة في ذمته بيقين ، ولا تبرأ ذمته إلا بيقين ، قلنا : لا نسلِّم ، بل تبرأ ذمته بغلبة الظن ؛ بدليل : أن صحة الصلاة تتوقف على شروط مظنونة باتفاق ؛ كطهارة النجاسة ، وطهارة الحدث باختلاف ، والموقوف على المظنون مظنون ، فلا يلزم اليقين ، وإن كان الأولى هو اليقين ، والله تعالى أعلم . وقوله : إذا زاد الرجل أو نقص فليسجد سجدتين : يقتضي التسوية بين ما كان للنقص ، وبين ما كان للزيادة ، فإما أن يكون هذا الأمر بهما على الوجوب ، أو على الندب . والتفرقة التي حكيناها عن أصحابنا مخالفة لهذا الظاهر فتلغى .
وقوله في الرواية الأخرى التي لا شك فيها : أنه - صلى الله عليه وسلم - صلى خمسًا ثم سجد ؛ حجة على أبي حنيفة حيث قال : تبطل الصلاة بزيادة الخامسة ، وهو حجة ج٢ / ص١٨٧لمالك على صحة ذلك في غير الثنائية ، فلو زاد في الثنائية ركعة فقد زاد مثل نصفها ، وقد اختلف فيما إذا زاد مثل نصف الصلاة فأكثر ، فقيل : النصف كثير فتعاد الصلاة منه في الصبح وغيرها . وهذا قول مطرِّف وابن القاسم . وقيل : إنما تفسد بزيادة ركعتين ، وليست زيادة ركعة واحدة تبطل في الصبح ولا غيرها ، وهو قول عبد الملك ، فأما لو زاد مثل الصلاة ؛ ففي بطلانها بذلك روايتان ؛ مشهورهما : البطلان .
والثانية : رواية عبد الملك ومطرف : وهي الصحة ، ويجزئه سجود السهو ، وسبب هذا الخلاف اعتبار الزيادة ؛ هل هي كثيرة بالنسبة أم لا ؟