باب قدر ما يقعد الإمام بعد السلام وما يقال بعده
( 594 ) ( 139 ) [481] - وَعَنْ أَبِي الزُّبَيْرِ ، قَالَ : كَانَ ابْنُ الزُّبَيْرِ يَقُولُ فِي دُبُرِ كُلِّ صَلاةٍ حِينَ يُسَلِّمُ : لا إِلَهَ إِلا اللَّهُ وَحْدَهُ لا شَرِيكَ لَهُ ، لَهُ الْمُلْكُ وَلَهُ الْحَمْدُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ ، لا حَوْلَ وَلا قُوَّةَ إِلا بِاللَّهِ ، لا إِلَهَ إِلا اللَّهُ ، وَلا نَعْبُدُ إِلا إِيَّاهُ ، لَهُ النِّعْمَةُ وَلَهُ الْفَضْلُ ، وَلَهُ الثَّنَاءُ الْحَسَنُ ، لا إِلَهَ إِلا اللَّهُ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ . وَقَالَ : كَانَ رَسُولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - يُهَلِّلُ بِهِنَّ دُبُرَ كُلِّ صَلاةٍ . ( 595 ) ( 124 ) [482] - وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ : أَنَّ فُقَرَاءَ الْمُهَاجِرِينَ أَتَوْا رَسُولَ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - فَقَالُوا : ذَهَبَ أَهْلُ الدُّثُورِ بِالدَّرَجَاتِ الْعُلَى وَالنَّعِيمِ الْمُقِيمِ .
فَقَالَ : وَمَا ذَاكَ ؟ قَالُوا : يُصَلُّونَ كَمَا نُصَلِّي ، وَيَصُومُونَ كَمَا نَصُومُ ، وَيَتَصَدَّقُونَ وَلا نَتَصَدَّقُ ، وَيُعْتِقُونَ وَلا نُعْتِقُ . فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - : أَفَلا أُعَلِّمُكُمْ شَيْئًا تُدْرِكُونَ بِهِ مَنْ سَبَقَكُمْ ، وَتَسْبِقُونَ بِهِ مَنْ بَعْدَكُمْ ، فَلا يَكُونُ أَحَدٌ أَفْضَلَ مِنْكُمْ إِلا مَنْ صَنَعَ مِثْلَ مَا صَنَعْتُمْ ؟ قَالُوا : بَلَى يَا رَسُولَ اللَّهِ ! قَالَ : تُسَبِّحُونَ وَتُكَبِّرُونَ وَتَحْمَدُونَ في دُبُرِ كُلِّ صَلاةٍ ثَلاثًا وَثَلاثِينَ مَرَّةً . قَالَ أَبُو صَالِحٍ : تُمَّ رَجَعَ فُقَرَاءُ الْمُهَاجِرِينَ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - فَقَالُوا : سَمِعَ إِخْوَانُنَا أَهْلُ الأَمْوَالِ بِمَا فَعَلْنَا ، فَفَعَلُوا مِثْلَهُ ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - : ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِهِ مَنْ يَشَاءُ .
( 597 ) [483] - وَعَنْهُ ، قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - : مَنْ سَبَّحَ اللَّهَ فِي دُبُرِ كُلِّ صَلاةٍ ثَلاثًا وَثَلاثِينَ ، وَحَمِدَ اللَّهَ ثَلاثًا وَثَلاثِينَ ، وَكَبَّرَ اللَّهَ ثَلاثًا وَثَلاثِينَ ، فَتْلِكَ تِسْعٌ وَتِسْعُونَ ، وَقَالَ تَمَامَ الْمِائَةِ : لا إِلَهَ إِلا اللَّهُ وَحْدَهُ لا شَرِيكَ لَهُ ، لَهُ الْمُلْكُ وَلَهُ الْحَمْدُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ ، غُفِرَتْ خَطَايَاهُ ، وَإِنْ كَانَتْ مِثْلَ زَبَدِ الْبَحْرِ . ( 596 ) ( 145 ) [484] - وعَنْ كَعْبِ بْنِ عُجْرَةَ ، قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - : مُعَقِّبَاتٌ لا يَخِيبُ قَائِلُهُنَّ ( أَوْ فَاعِلُهُنَّ ) دُبُرَ كُلِّ صَلاةٍ مَكْتُوبَةٍ ، ثَلاثٌ وَثَلاثُونَ تَسْبِيحَةً ، وَثَلاثٌ وَثَلاثُونَ تَحْمِيدَةً ، وَأَرْبَعٌ وَثَلاثُونَ تَكْبِيرَةً . ج٢ / ص٢١٣وقول المهاجرين : ذهب أهل الدثور بالأجور .
واحد الدثور : دَثْرٌ ، وهو المال الكثير ، ومنه الحديث الآخر : وابعث راعيها في الدَّثْرِ . وكذلك الدِّبْرُ بكسر الدال ، وبالباء بواحدة . قال ابن السكيت : الدّبرُ : المال الكثير .
ووقع في السيرة في خبر النجاشي : " دَبْرٌ من ذهب " ، بفتح الدال ، قال ابن هشام : ويقال : دبر . قال : وهو الجبل بلغة الحبشة . قال الهروي : يقال : مال دثر ، ومالان دثر ، وأموال دثر ، وحكى أبو عمر المطرز : إن الدثر بالثاء تثنى وتجمع .
وقوله - صلى الله عليه وسلم - : ذلك فضل الله يؤتيه من يشاء . استدل به من يفضل الغنى على الفقر ، وهي مسألة اختلف الناس فيها على خمسة أقوال : فمن قائل بتفضيل الغنى ، ومن قائل بتفضيل الفقر ، ومن قائل بتفضيل الكفاف ، ومن قائل رابع : يَرُدُّ هذا التفضيل إلى اعتبار أحوال الناس في ذلك ، ومن قائل خامس : توقف ، ولم ج٢ / ص٢١٤يفضل واحدًا منهما على الآخر . والمسألة لها غور ، وفيها أحاديث متعارضة ، ولعلنا نتكلم عليها تفصيلا إن شاء الله تعالى .
وقد كتب الناس فيها كتبًا كثيرة ، وأجزاء عديدة . والذي يظهر لي في الحال : أن الأفضل من ذلك ما اختاره الله لنبيه - صلى الله عليه وسلم - ، ولجمهور صحابته رضوان الله تعالى عليهم ، وهو الفقر غير المدقع . ويكفيك من هذا : أن فقراء المسلمين - كما رُوي : يدخلون الجنة قبل أغنيائهم بخمسمائة عام ، وأصحاب الأموال محبوسون على قَنْطَرة بين الجنة والنار يُسألون عن فضول أموالهم .
وعلى هذا يتعين تأويل قوله تعالى : ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ وقد تأوله بعضهم بأن قال : إن الإشارة في قوله : " ذلك " راجعة إلى الثواب المترتب على الأعمال ، الذي به يحصل التفضيل عند الله ، فكأنه قال : ذلك الثواب الذي أخبرتكم به ، لا يستحقه الإنسان بحسب الأذكار ، ولا بحسب إعطاء الأموال ، وإنما هو فضل الله يؤتيه من يشاء ، والله تعالى أعلم . ولم يذكر في هذه الرواية تمام المائة ، وذكره في الرواية الأخرى وعيّن : أنه التهليل ، وفي رواية : أن زيادةَ تكبيرةِ كمّلت المائة . وهذا يدل على عدم تعيّن ما تُكُمِّلَ به المائة ، بل أي شيء قال من ذلك حصل له ذلك الثواب ، والله تعالى ج٢ / ص٢١٥أعلم .
وقد اتفق مساق هذه الأحاديث والتي قبلها : على أن أدبار الصلوات أوقات فاضلة للدعاء والأذكار ، فيرتجى فيها القبول ، ويُبْلَغُ ببركة التفرغ لذلك إلى كل مأمول ، وتسمى هذه الأذكار : معقِّبات ؛ لأنها تقال عَقِيب الصلوات ، كما قال في حديث أبي هريرة : " دبر كل صلاة " ؛ أي : آخرها . ويقال : دُبر بضم الدال ، وحكى أبو عمر المطرِّز في " اليواقيت " : دَبْر كل شيء بفتح الدال : آخر أوقات الشيء : الصلاة وغيرها . قال : وهذا هو المعروف في اللغة ، قال : وأما الجارحة : فبالضم .
وقال الداودي عن ابن الأعرابي : دُبُر الشيء ، ودَبْرُهُ ، بالوجهين : آخر أوقات الشيء ، والدِّبار جمعه ، ودابر كل شيء : آخره أيضًا . وأما اجتهاد النبي - صلى الله عليه وسلم - في الاستعاذة مما استعاذ في الدعاء بما دعا - وإن كان قد أُمِّنَ قبل الاستعاذة ، وأُعطي قبل السؤال - فوفاء بحق العبودية ، وقيام بوظيفة الشكر وبحق العبادة ، كما قال : أفلا أكون عبدًا شكورًا .