باب التغليس بصلاة الصبح
( 647 ) ( 235 و 237 ) [531] - وعن أَبَي بَرْزَةَ ، قَالَ : كَان رَسُولِ اللهِِ - صلى الله عليه وسلم - يُصَلِّي الظُّهْرَ حِينَ تَزُولُ الشَّمْسُ ، وَالْعَصْرَ يَذْهَبُ الرَّجُلُ إِلَى أَقْصَى الْمَدِينَةِ وَالشَّمْسُ حَيَّةٌ . قَالَ : وَالْمَغْرِبَ لا أَدْرِي أَيَّ حِينٍ ذَكَرَ . وَكَانَ يُصَلِّي الصُّبْحَ ، فَيَنْصَرِفُ الرَّجُلُ فَيَنْظُرُ إِلَى وَجْهِ جَلِيسِهِ الَّذِي يَعْرِفُ فَيَعْرِفُهُ .
وَكَانَ يَقْرَأُ فِيهَا بِالسِّتِّينَ إِلَى الْمِائَةِ . وَفِي رِوَايَةٍ : كَانَ رَسُولُ اللهِِ - صلى الله عليه وسلم - يُؤَخِّرُ الْعِشَاءَ إِلَى ثُلُثِ اللَّيْلِ ، وَيَكْرَهُ النَّوْمَ قَبْلَهَا ، وَالْحَدِيثَ بَعْدَهَا . وقوله : " والشمس حيَّة " ؛ أي : بيضاء لم تدخلها صفرة .
وقيل : أي لم تذهب حرارتها . ج٢ / ص٢٧١وقوله : " وكان يكره النوم قبلها ، والحديث بعدها " . أما كراهة النوم قبلها ؛ فلما يخاف من غلبة النوم ، فيفوت وقتها ، أو أفضل وقتها المستحسن ، وقال بهذا جماعة ؛ منهم : ابن عمر ، وابن عباس ، وغيرهم [ وهو مذهب مالك ، ورخص فيه بعضهم ؛ منهم : علي ، وأبو موسى ، وغيرهم ] .
وهو مذهب الكوفيين ، واشترط بعضهم : أن يجعل معه من يوقظه للصلاة ، وروي عن ابن عمر مثله ، وإليه ذهب الطحاوي . وأما كراهة الحديث بعدها ؛ فلما يؤدي إليه من السهر ، ومخافة غلبة النوم آخر الليل ، فينام عن قيام آخر الليل ، وربما ينام عن صلاة الصبح . قلت : ويظهر لي : أن كراهة ذلك إنما هو لَمَّا أن الله جعل الليل سكنًا - أي : يسكن فيه - ، فإذا تحدث الإنسان فيه فقد جعله كالنهار الذي هو متصرّف المعايش ، فكأنه قصد إلى مخالفة حكمة الله تعالى التي أجرى عليها وجوده .
وقيل : يكره ذلك ؛ لئلا نلغو في كلامنا ، أو نخطئ فيه ، فيختم عملنا بعمل سيئ ، أو بقول سيئ . والنوم أخو الموت ، أو لعله يكون فيه الموت ، والله تعالى أعلم . وقيل : كره ذلك لتراح الكتبة الكرام .
وقد كان بعض السلف يقول لمن أراد أن يتحدث بعد العشاء : أريحوا الكَتَبَة . وهذه الكراهة تختص بما لا يكون من قبيل القُرَبِ ، والأذكار ، وتعلم العلم ، ومسامرة أهل العلم ، وتعلم المصالح وما شابه ذلك . فقد ورد عن النبي - صلى الله عليه وسلم - ، وعن السلف ما يدل على جواز ذلك ، بل على ندبيته ، والله تعالى أعلم .