باب في كيفية صلاة رسول الله صلى الله عليه وسلم بالليل
( 769 ) [644] - وعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ : أَنَّ رَسُولَ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - كَانَ يَقُولُ إِذَا قَامَ إِلَى الصَّلاةِ مِنْ جَوْفِ اللَّيْلِ : اللهمَّ لَكَ الْحَمْدُ ، أَنْتَ نُورُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ ، وَلَكَ الْحَمْدُ ، أَنْتَ قَيَّامُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ ، وَلَكَ الْحَمْدُ ، أَنْتَ رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَمَنْ فِيهِنَّ ، أَنْتَ الْحَقُّ ، وَوَعْدُكَ الْحَقُّ ، وَقَوْلُكَ الْحَقُّ ، وَلِقَاؤُكَ حَقٌّ ، وَالْجَنَّةُ حَقٌّ ، وَالنَّارُ حَقٌّ ، وَالسَّاعَةُ حَقٌّ ، اللهمَّ لَكَ أَسْلَمْتُ ، وَبِكَ آمَنْتُ ، وَعَلَيْكَ تَوَكَّلْتُ ، وَإِلَيْكَ أَنَبْتُ ، وَبِكَ خَاصَمْتُ ، وَإِلَيْكَ حَاكَمْتُ ، فَاغْفِرْ لِي مَا قَدَّمْتُ وَما أَخَّرْتُ ، وَما أَسْرَرْتُ وما أَعْلَنْتُ ، أَنْتَ إِلَهِي ، لا إِلهَ إِلا أَنْتَ . وَفِي رِوَايَةٍ : " قَيِّمُ " مَكَانَ : " قَيَّامُ " . وقوله : اللهم لك الحمد ، أنت نور السماوات والأرض ؛ أي : منوّرها في قول الحسن ؛ دليله : قراءة علي - رضي الله عنه - : ( الله نَوَّرَ السماوات ) بفتح النون ، والواو مشددة .
قال ابن عباس : هادي أهلهما . ومجاهد : مدبرهما ، وقيل : هو المنزه في السماوات والأرض من كل عيب ، من قول العرب : امرأة نوارة ؛ أي : مبرأة من كل ريبة . وقيل : هو اسم مدح ، يقال : فلان نور البلد ، وشمس الزمان ؛ كما قال النابغة :
وقوله : أنت قيّام السماوات والأرض : قيام على المبالغة ، من قام بالشيء : إذا هيأ له ما يحتاج إليه ، ويقال : قيوم ، وقيام ، وقيِّم . وقرأ عمر : ( الله لا إله إلا هو الحي القيّام ) . وعلقمة : ( القيِّم ) .
وقال قتادة : هو القائم بتدبير خلقه . الحسن : القائم على كل نفس بما كسبت . ابن جبير : الدائم الوجود .
ابن عباس : الذي لا يحول ولا يزول . وقوله : أنت رب السماوات والأرض ؛ أي : مصلحهما ، ومصلح من فيهما ، مأخوذ من الربّة ، وهي نبت تصلح عليه المواشي ، يقال : رَبَّ ، يَرُبُّ رَبَّا ، فهو رابٌّ ، وربٌّ ، وربّى يربي تربية ، فهو مُربٍّ . قال النابغة :
والرب : المالك ؛ أي : هو مالكهما ومالك من فيهما . وقوله : أنت الحق ؛ أي : الواجب الوجود ، وأصله من : حق الشيء ؛ إذا ثبت ووجب ، ومنه : أَفَمَنْ حَقَّ عَلَيْهِ كَلِمَةُ الْعَذَابِ وَلَكِنْ حَقَّ الْقَوْلُ مِنِّي ؛ أي : ثبت ووجب ، وهذا الوصف لله تعالى بالحقيقة والخصوصية لا ينبغي لغيره ؛ إذ وجوده لنفسه ، فلم يسبقه عدم ، ولا يلحقه عدم ، وما عداه مما يقال عليه هذا الاسم مسبوق بعدم ، ويجوز عليه لحاق العدم ، ووجوده من موجده لا من نفسه ، وباعتبار هذا المعنى كان أصدق كلمة قالها الشاعر كلمة لبيد :
ج٢ / ص٣٩٩وقوله : لك أسلمت ؛ أي : انْقَدْتُ وخضعت . وبك آمنت ؛ أي : صدّقت . وعليك توكلت ؛ أي : فوّضت .
[ وإليك أنبت ؛ أي : رجعت . وبك خاصمت ؛ أي : بما لقَّنْتَنِي من الحجة غلبت الخصوم . وإليك حاكمت ؛ أي : إليك فوّضت ] الحكومة ؛ كما قال تعالى : أَنْتَ تَحْكُمُ بَيْنَ عِبَادِكَ فِي مَا كَانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ وقد تقدم الكلام على عصمة الأنبياء والذنوب المنسوبة إليهم في كتاب الطهارة .
فإذا فرّعنا على جواز الصغائر عليهم ، فيكون الاستغفار على بابه وظاهره ، وإن أحلنا ذلك عليهم ، فيكون استغفاره لِيَسُنَّه لأمته ، أو على تقدير وقوع ذنوب منه حتى يلازم حالة الافتقار والعبودية . وقوله : وما قدمت ؛ أي : قبل وقتي هذا . وما أخرت : عنه .
وما أسررت ؛ أي : أخفيت . وأعلنت : أظهرت . أنت إلهي ؛ أي : معبودي ومقصودي ، الذي وَلِهَ فيك قلبي ، وتحيَّر في عظمتك وجلالك عقلي ، وكَلَّ عن ثنائك لساني ، فغاية الوسيلة إليك ، لا أحصي ثناءً عليك .
لا إله إلا أنت ؛ أي : لا معبود غيرك ، ولا معروف بهذه المعرفة سواك .