باب تحسين الصوت بالقراءة والترجيع فيها
) باب تحسين الصوت بالقراءة والترجيع فيها ( 792 ) ( 233 ) و ( 234 ) [667] - عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ، أَنَّهُ سَمِعَ رَسُولَ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - يَقُولُ : مَا أَذِنَ الله لِشَيْءٍ مَا أَذِنَ لِنَبِيٍّ حَسَنِ الصَّوْتِ ، يَتَغَنَّى بِالْقُرْآنِ يَجْهَرُ بِهِ . وَفِي رِوَايَةٍ : كَإِذْنِهِ ، مَكَانَ : مَا أَذِنَ . ( 113 ) [ ومن باب : تحسين الصوت بالقراءة والترجيع فيها ] قوله : ما أذن الله ؛ أي : ما استمع الله وأصغى .
وأصله : أن الْمُسْتَمِع يميل بأذنه إلى جهة الْمُسْتَمَع ، تقول العرب : أَذِن ؛ بكسر الذال ، يأذَن بفتحها في المستقبل ؛ أَذَنًا بفتح الهمزة والذال في المصدر : إذا أصغى واستمع . وهذا المعنى في حق الله تعالى محال ، وإنما هو من باب التوسُّع على ما جرى به عرف التخاطب ، وهو منصرف في حق الله تعالى لإكرام القارئ وإجزال ثوابه . ووجه هذا التوسع : أن الإصغاء إلى الشيء قبول له ، واعتناء به ، ويترتب على ذلك إكرام الْمُصْغَى إليه ، فعبّر عن الإكرام بالإصغاء ؛ إذ هو عنه .
وفائدة هذا الخبر حث القارئ على إعطاء القراءة حقها من : ترتيلها ، وتحسينها ، وتطييبها بالصوت الحسن ما أمكن . فأما قوله : يتغنى بالقرآن ، فتمسك به من يجوّز القرآن بالألحان ، وهو أبو حنيفة وجماعة من السلف ، وقال به الشافعي في التحزين ، وكرهه مالك وأكثر العلماء ، ولا أشك أن موضع الخلاف في هذه المسألة إنما هو إذا لم يغيّر لفظ القرآن بزيادة أو نقصان ، أو يبهم معناه بترديد الأصوات ، فلا يُفهم معنى القرآن ، فإن هذا مما لا شك في تحريمه . فأما إذا سلم من ذلك ، وحذى به حذو أساليب الغناء والتطريب والتحزين فقط ، فقد قال مالك : ينبغي أن ننَزِّه أذكار الله ، وقراءة القرآن عن التشبه بأحوال المجون والباطل ؛ فإنها حق ، وجد ، وصدق .
والغناء : هزل ، ولهو ، ولعب . وهذا الذي قاله مالك وجمهور العلماء هو الصحيح ؛ بدليل ما ذُكِر ، وبأدلة أُخَرى : منها : أن كيفية قراءة القرآن قد بلغتنا متواترة عن كافة المشايخ جيلا فجيلا إلى العصر الكريم ؛ إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ، وليس فيها تلحين ولا تطريب ، مع كثرة المتعمِّقين والمتنطِّعين في مخارج الحروف ، وفي المدِّ ، والإدغام ، والإظهار ، وغير ذلك من كيفية القراءات ، وهذا قاطع . ومنها : أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قد قال : لست من ددٍ ولا الدَّدُ مني ، والدَّدُ : هو اللعب ، واللهو ، ومعنى ذلك : أن اللعب لا يليق بأحواله ، فكيف بقرآنه وقراءته ؟! ومنها : أنّ التطريب والترجيع يؤدي إلى الزيادة في القرآن ، والنقص منه ، وهما ممنوعان ، فالمؤدِّي إليهما ممنوع ؛ وبيانه : أن التطريب ، والتلحين يحتاج من ضروراته أن يمد في غير موضع المدّ ، وينقص ؛ مراعاة للوزن ؛ كما هو معلوم عند أهله .
ومنها : أنه يؤدي إلى تشبيه القرآن بالشعر ، وقد نزهه الله عن الشعر وأحواله ، حيث قال تعالى : ﴿إِنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ ﴾وَمَا هُوَ بِقَوْلِ شَاعِرٍ وقد تأوّل من منع من تلحين القرآن ، قوله - صلى الله عليه وسلم - : يتغنى به . وقوله : ليس منا من لم يتغن بالقرآن ؛ على تأويلات : أحدها : أن معناه أنه يستغني به ، يقال : تغنّيت ، وتغانيت ، بمعنى : استغنيت ، قاله سفيان . وثانيها : أن معناه يجعله مكان الغناء ، وبدلا منه ، فيستديم تلاوته ، ويستطيبه كما يستطيب الغناء .
وثالثها : أن معناه : يجهر به . كما فسّره الصحابي راوي الحديث ، وهذا أشبه ؛ لأن العرب تسمي كل من رفع صوته ووالى به : غانيًا ، وفعله ذلك : غناء ، وإن لم يلحنه تلحين الغناء ، وعلى هذا فسّره الصحابي ، وهو أعلم بالمقال ، وأقصد بالحال . والله تعالى أعلم .