باب إنزال القرآن على سبعة أحرف
( 820 ) و ( 821 ) [692] - وعَنْ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ قَالَ : كُنْتُ فِي الْمَسْجِدِ ، فَدَخَلَ رَجُلٌ يُصَلِّي ، فَقَرَأَ قِرَاءَةً أَنْكَرْتُهَا عَلَيْهِ ، ثُمَّ دَخَلَ آخَرُ فَقَرَأَ قِرَاءَةً سِوَى قَرَاءَةِ صَاحِبِهِ ، فَلَمَّا قَضَيْنَا الصَّلاةَ دَخَلْنَا جَمِيعًا عَلَى رَسُولِ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - فَقُلْتُ : إِنَّ هَذَا قَرَأَ قِرَاءَةً أَنْكَرْتُهَا عَلَيْهِ ، وَدَخَلَ آخَرُ فَقَرَأَ سِوَى قِرَاءَةِ صَاحِبِهِ ، فَأَمَرَهُمَا رَسُولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - ، فَقَرَآ ، فَحَسَّنَ النَّبِيُّ - صلى الله عليه وسلم - شَأْنَهُمَا ، فَسَقَطَ فِي نَفْسِي مِنَ التَّكْذِيبِ ، وَلا إِذْ كُنْتُ فِي الْجَاهِلِيَّةِ ، فَلَمَّا رَأَى رَسُولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - مَا قَدْ غَشِيَنِي ضَرَبَ فِي صَدْرِي ، فَفِضْتُ عَرَقًا ، وَكَأَنَّمَا أَنْظُرُ إِلَى الله عَزَّ وَجَلَّ فَرَقًا فَقَالَ لِي : يَا أُبَيُّ ! أُرْسِلَ إِلَيَّ : أَنِ اقْرَأ الْقُرْآنَ عَلَى حَرْفٍ فَرَدَدْتُ إِلَيْهِ ، أَنْ هَوِّنْ عَلَى أُمَّتِي ؟ ! فَرَدَّ إِلَيَّ الثَّانِيَةَ : اقْرَأْهُ عَلَى حَرْفَيْنِ ، فَرَدَدْتُ إِلَيْهِ : أَنْ هَوِّنْ عَلَى أُمَّتِي ؟ ! فَرَدَّ إِلَيَّ الثَّالِثَةَ : اقْرَأْهُ عَلَى سَبْعَةِ أَحْرُفٍ ؛ فَلَكَ بِكُلِّ رَدَّةٍ رَدَدْتهَا مَسْأَلَةٌ تَسْأَلُنِيهَا . فَقُلْتُ : اللهمَّ اغْفِرْ لأُمَّتِي ، اللهمَّ اغْفِرْ لأُمَّتِي ، وَأَخَّرْتُ الثَّالِثَةَ لِيَوْمٍ يَرْغَبُ إِلَيَّ الْخَلْقُ كُلُّهُمْ حَتَّى إِبْرَاهِيمُ - عليه السلام - . وَفِي رِوَايَةٍ : أَنَّ النَبَّي - صلى الله عليه وسلم - أَتَاهُ جِبْرِيلُ فَقَالَ : إِنَّ الله يَأْمُرُكَ أَنْ تَقْرَأَ أُمَّتُكَ الْقُرْآنَ عَلَى حَرْفٍ ، فَقَالَ : أَسْأَلُ الله مُعَافَاتَهُ وَمَغْفِرَتَهُ ، وَإِنَّ أُمَّتِي لا تُطِيقُ ذَلِكَ ، ثُمَّ أَتَاهُ الثَّانِيَةَ فَقَالَ مِثْلَهُ ، وَهَكَذَا إِلَى أَنْ قَالَ : إِنَّ الله يَأْمُرُكَ أَنْ تَقْرَأَ أُمَّتُكَ الْقُرْآنَ عَلَى سَبْعَةِ أَحْرُفٍ فَأَيُّمَا حَرْفٍ قَرَؤوا عَلَيْهِ فَقَدْ أَصَابُوا .
وقول أُبيّ : فَسُقط في نفسي من التكذيب ، ولا إذ كنت في الجاهلية : هذا الذي وقع لأُبيّ - رضي الله عنه - نزغة من الشيطان ، ليشوِّش عليه حاله ، ويكدِّر عليه وقته ، فإنه عظم عليه من اختلاف القراءات [ ما ليس عظيمًا في نفسه ، وإلا فأيّ شيء يلزم من المحال والتكذيب من اختلاف القراءات ] ، لكن لما تولّى الله بكفايتهم أَمْرَ الشيطان لم يؤثر تزيينه وتسويله أثرًا يركنون إليه ، ولا يدومون عليه ، وإنما كان ذلك امتحانا لسرائرهم ؛ ليبرز للوجود ما علمه الله من ضمائرهم ، ولـ يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ وإلا فانظر مآل هذا الواقع ماذا كان ، فإنه لما رأى النبي - صلى الله عليه وسلم - ما أصابه من ذلك الخاطر ؛ نبّهه بأن ضرب في صدره ، فأعقب ذلك بأن شرح الله صدره ، وتنوّر باطنه ، حتى آل له الكشف والشرح إلى حالة المعاينة ، فلما ظهر له قبح ذلك الخاطر ، خاف من الله - تعالى - ؛ وسببه : أنه قد حصل منه التفات إلى ذلك الخاطر . وفيضه بالعرق ؛ إنما كان استحياء من الله - تعالى - . ومعنى : سقط في نفسي ؛ أي : اعترتني حيرة ودهشة .
ج٢ / ص٤٥٢يقال للنادم المتحيِّر : سقط في يده ، وأسقط ؛ أي : حصل في يده منه مكروه . ومنه : وَلَمَّا سُقِطَ فِي أَيْدِيهِمْ وَرَأَوْا أَنَّهُمْ قَدْ ضَلُّوا وهذا الخاطر الذي خطر لأُبَيّ هو من قبيل ما قد أخبر النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه لا يُؤاخذُ به ، بل هو من قبيل ما قال فيه : ذلك محض الإيمان . وقوله : إن الله يأمرك أن تقرأَ أُمَّتُكَ على سبع ؛ أي : لا تَزِد عليها ، وأي شيء قرؤوا به كفاهم وأجزأهم ؛ بدليل قوله : فأيّ حرف قرؤوا عليه فقد أصابوا .
وقوله : أسأل الله معافاته ؛ أي : تسهيله وتيسيره ، من عفا الأثر ؛ أي : ج٢ / ص٤٥٣سهل وتغيّر ، وسؤاله المغفرة : مخافةَ وقوع التقصير فيما يلزم من ذلك ، والله أعلم .