باب إنزال القرآن على سبعة أحرف
) باب إنزال القرآن على سبعة أحرف ( 818 ) ( 270 ) [691] - عَنْ عُمَرَ بْن الْخَطَّابِ قَالَ : سَمِعْتُ هِشَامَ بْنَ حَكِيمِ بْنِ حِزَامٍ يَقْرَأُ سُورَةَ الْفُرْقَانِ عَلَى غَيْرِ مَا أَقْرَؤُهَا ، وَكَانَ رَسُولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - أَقْرَأَنِيهَا ، فَكِدْتُ أَنْ أَعْجَلَ عَلَيْهِ ، ثُمَّ أَمْهَلْتُهُ حَتَّى انْصَرَفَ ثُمَّ لَبَّبْتُهُ بِرِدَائِهِ ، فَجِئْتُ بِهِ رَسُولَ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - فَقُلْتُ : يَا رَسُولَ اللهِ ! إِنِّي سَمِعْتُ هَذَا يَقْرَأُ سُورَةَ الْفُرْقَانِ عَلَى غَيْرِ مَا أَقْرَأْتَنِيهَا . فَقَالَ رَسُولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - : أَرْسِلْهُ . اقْرَأْ .
فَقَرَأْ الْقِرَاءَةَ الَّتِي سَمِعْتُهُ يَقْرَأُ ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - : هَكَذَا أُنْزِلَتْ ، ثُمَّ قَالَ لِي : اقْرَأْ . فَقَرَأْتُ فَقَالَ : هَكَذَا أُنْزِلَتْ . إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ أُنْزِلَ عَلَى سَبْعَةِ أَحْرُفٍ ، فَاقْرَؤوا مَا تَيَسَّرَ مِنْهُ .
( 121 ) ومن باب : إنزال القرآن على سبعة أحرف قوله : فلَبَّبْتُهُ بردائه ؛ أي : جمعت ثوبه على حَلْقه ، وأصله من اللّبة ، وهي الثغرة التي في أسفل الحلق ، وهذا من عمر - رضي الله عنه - غَيْرةٌ على كتاب الله ، وقوة في دينه . وقوله لعمر : أرسله ؛ أي : أطلقه ، لينفِّس عنه ، حتى يُعْرِب عن نفسه . وقوله لهشام : اقرأ ، ليسمعَ ما ادعى عليه إفساده ، ليتّضح ذلك .
وقوله لعمر : اقرأ : لتجويز الغلَط على عمر ، أو ليبيِّن أن كل واحدة من القراءتين جائزة ، كما قد صوّبه فيها بعد ذلك بقوله : هكذا أنزلت . واختلف في قوله - صلى الله عليه وسلم - : هذا القرآن أنزل على سبعة أحرف على خمسة وثلاثين قولا ؛ حكاها أبو حاتم بن حِبَّان ، أَوْلاها عند المحققين ، وأقربها بمساق الأحاديث : أن السبعة أحرف هي سبع لغات من لغات العرب . قال أبو عبيد : يَمَنُها ، ومَعَدُّها ، وهي أفصح اللغات وأعلاها من كلامهم ، وقيل : بل هذه السبع لغات لمضر لا لغيرها .
قالوا : وهذه اللغات مُتفرِّقة في القرآن ، لا يلزم اجتماعها في الكلمة الواحدة ، ولو اجتمعت لم يكن في ذلك بُعد ، ويمكن أن يُقال : إن النبي - صلى الله عليه وسلم - سمعها من جبريل في عَرَضَات سبع ، أو في واحدة ، ويُوقفه على المواضع المختلف فيها . ثم لا يشترط أن يكون اختلاف هذه اللغات السبع في كيفيَّات الكلمات من : الإدغام ، والإظهار ، والمدّ ، والقصر ، والإمالة ، والفتح ، وما بين اللفظين ، والتغليظ ، والترقيق ، واختلاف الإعرابات فقط ، بل يجوز أن يكون في هذه كلها ، وفي ألفاظ مترادفة على معنى واحد ، كما قد رُوي أنه قُرئ : انْظُرُونَا نَقْتَبِسْ مِنْ نُورِكُمْ و أخرونا و أنسئونا ، وفي قوله : كُلَّمَا أَضَاءَ لَهُمْ مَشَوْا فِيهِ و مروا و سَعَوا ، وفي قوله : فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ و امضوا ، وفي زيادة ألفاظ : فيزيد بعضهم كلمة ، وينقصها غيرهم ؛ كما في قوله : من تحتها وأسقطها آخرون ، و : إِنَّ اللَّهَ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ و ( أن الله الغني ) بإسقاط هو . وهذا النحو من الاختلاف هو الذي كثر في خلافة عثمان ، حتى خاف أن يتبدَّل كثير من القرآن ، ويتغيّر ، ويختلف الناس ، فاتفق نظره ونظر الصحابة أجمعين على جمع الناس على مصحف واحد ، فكتبوه على لغة قريش ، وعلى حرق ما عداه من المصاحف المخالفة لذلك المصحف ، وهذا النحو من الاختلاف هو الذي أنكره عمر ، لَمَّا سمعه من هشام ، والذي أنكره أُبيٌّ أيضًا وعَظُم عليه ؛ لأنهما لما سمعا كلماتٍ مخالفة للتي قرآ بها على النبي - صلى الله عليه وسلم - .
[ وقد دلّ على هذا : أن النسائي أخرج هذا الحديث . وقال فيه : إن عمر قال : سمعت هشام بن حكيم يقرأ سورة الفرقان ، فقرأ فيها حروفًا لم يكن النبي - صلى الله عليه وسلم - أقرأنيها ، ولما جاء به النبي - صلى الله عليه وسلم - قال له : إني سمعت هذا يقرأ فيها حروفًا لم تكن أقرأتنيها . وهذا نص ] .
وعن ذلك تحرّج النبي - صلى الله عليه وسلم - من أن يقصر أمته على حرف واحد ؛ حتى سأل الله - تعالى - في أن يخفف عنهم ، فأجيب إلى ذلك ، ووسَّع عليهم ، وأنهى التّوسيع إلى هذه ؛ لأنها لغات أكثر العرب الحجازيين ، ولو ضُيِّق على الناس حتى يقرأ الكل بلغةٍ واحدةٍ ؛ لشقَّ ذلك عليهم ، وحُرِجُوا ؛ لأنهم كانوا يُكلَّفون أن يخرجوا عن أسلوب طباعهم وعاداتهم في كلامهم ، لا سيّما في حدّة الأمر وفجأته ، فلما وُسِّع عليهم في ذلك [ أُمر كلُّ منهم أن يقرأ بلغته ولا ينكر على غيره ، واتسع الناس في ذلك ] في صدر الإسلام ، وإلى زمن عثمان - رضي الله عنه - ، فلما خاف عثمان - رضي الله عنه - أن يتعدَّى الناس حدَّ التوسعة ومحلَّها ، وأدخل بعض الناس في مصحفه ما ليس بقرآن ؛ كالتشهد ، والقنوت ، وغير ذلك ، أو ما كان قد نُسِخَت تلاوته ؛ شاور الصحابة على جمع الناس على مصحف واحد ، يكتبونه بلغة قريش ، فأجابوه لذلك ، واجتهدوا في ذلك غايتهم ، وبذلوا في حفظه وصيانته غاية وسعهم ، ثم أجمعوا على أن يكتبوه كذلك ، وأن يكتبوا منه نسخًا ، وأن يوجّهوها للأمصار [ ففعلوا ، فوجّهوا للعراق والشام ومصر بأمهات ، فاتخذها قراءُ الأمصار معتمد اختياراتهم ] ، ولم يخالف أحدٌ منهم مصحفه على النحو الذي بلغه ، وما وُجد بين هؤلاء القراء السبعة من الاختلاف في حروفٍ يزيدها بعضهم ، وينقصها بعضهم ؛ فذلك لأن كلامهم اعتمد على ما بلغه في مصحفه أو رواه ؛ إذ قد كان عثمان قد كتب تلك المواضع في بعض نُسخ المصاحف ، ولم يكتبها في بعضٍ ؛ إشعارًا بأن كل ذلك صحيح ، وأن القراءة بكل منها جائزة . قلت : فكلُّ ما تضمنته تلك المصاحف متواتر ، مُجْمَعٌ عليه من الصحابة وغيرهم ، وما خرج عن تلك المصاحف لا تجوز القراءة به ، ولا الصلاة ؛ لأنه ليس من القرآن الْمُجمع عليه ، فأما هذه القراءات السبع التي تُنسب لهؤلاء القراء السبعة ، فقال كثير من علمائنا ؛ كالداودي ، وابن أبي صفْرَة وغيرهما : إنها ليست هي الأحرف السبعة التي اتّسعت الصحابة في القراءة بها ، وإنما هي راجعة إلى حرفٍ واحدٍ من تلك السبعة ، وهو الذي جمع عليه عثمان المصحف ؛ ذكره ابن إسحاق وغيره . وهذه القراءات المشهورة هي اختيار أولئك الأئمة القراء ، وذلك أن كل واحد منهم اختار فيما روى وعَلِم وجهة من القراءات ما هو الأحسن عنده والأولى ، فالتزمه طريقةً ، ورواه ، وأقرأ به فاشتهر عنه ، وعرف به ، فنُسب إليه ، فقيل : حرف نافع ، وحرف ابن كثير ، ولم يمنع واحد منهم اختيار الآخر ، ولا أنكره ، بل سوّغه وجوَّزه ، فكل واحد من هؤلاء السبعة ، رُوي عنهم اختياران أو أكثر ، وكلٌ صحيح .
وقد أجمع المسلمون في هذه الأعصار على الاعتماد على ما صح عن هؤلاء الأئمة ، مما رووه ورأوه من القراءات ، وكتبوا في ذلك مصنفات ، فاستمر الإجماع على الصواب ، وحصل ما وعد الله - تعالى - به من حفظ الكتاب ، وعلى هذا الذي قررناه الأئمةُ المتقدمون ، والفضلاء المحققون ؛ كالقاضي أبي بكر ابن الطيِّب والطبري ، وغيرهما . وقوله : فاقرؤوا ما تيسر منه ، الضّمير في : منه عائد على القرآن ، لا على الأحرف ؛ إذ لو كان عائدًا على الأحرف ؛ لقال : منها ، وإنما أعاده على القرآن ؛ ليبيّن أنه يجوز أن يقرأ بما تيسَّر من الأحرف ، ومن القرآن ، لا أنه إذا أباح الاقتصار على قراءة بعض القرآن ، فلأن يجوز الاقتصار على بعض الأحرف أولى .