باب الخطبة والقيام لها والجلوس بين الخطبتين
) باب الخطبة ، والقيام لها ، والجلوس بين الخطبتين ، والإشارة باليد ( 863 ) ( 38 ) [731] - عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ الله : أَنَّ النَّبِيَّ - صلى الله عليه وسلم - كَانَ يَخْطُبُ قَائِمًا يَوْمَ الْجُمُعَةِ ، فَجَاءَتْ عِيرٌ مِنَ الشَّامِ ، فَانْفَتَلَ النَّاسُ إِلَيْهَا ، حَتَّى لَمْ يَبْقَ إِلا اثْنَا عَشَرَ رَجُلا - وفي رواية : فِيهِمْ أَبُو بَكْر وَعُمَر - فَأُنْزِلَتْ هَذِهِ الآيَةُ : وَإِذَا رَأَوْا تِجَارَةً أَوْ لَهْوًا انْفَضُّوا إِلَيْهَا وَتَرَكُوكَ قَائِمًا ( 5 ) ومن باب : الخطبة والقيام لها قوله : كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يخطب قائمًا : هكذا سنّة الخطبة ليكون أبلغ في الإسماع ؛ كالمؤذن [ عند الجمهور ] ، إلا أن تدعوه حاجة من ضعف أو غيره . وقد حُكي عن أبي حنيفة : أنه لا يرى القيام لها مشروعًا . حكاه ابن القصار ، بل هو عنده مُباح .
ثم اختلف في مشروعيته ؛ هل هو شرط في صحة الخطبة والجمعة أم لا ؟ فذهب الشافعي إلى أنه شرطٌ إلا مع العذر ، ومذهبنا : أنه ليس من شروط الصحة للخطبة ولا للجمعة ، ومن تركه أساء ولا شيء عليه . وقد روي : أن أول من خطب جالسًا معاوية لما ثقل . واختُلف في الخطبة : هل هي شرط في صحة الجمعة أم لا ؟ فكافة العلماء على أنها شرط ، وشذّ الحسنُ ، فرأى أن الصلاة تجزئ دونها ، وتابعه أهل الظاهر في هذا ، وحكاه ابن الماجشون عن مالك .
ثم اختلف هؤلاء : هل هي فرض ، أو سنة ؟ واضطربت الروايات عن أصحابنا في ذلك ، ثم اختلفوا في الخطبة المشروعة : فذهب مالك وجمهور العلماء إلى أنه لا يجزئ في الخطبة إلا ما وقع عليه اسم الخطبة عند العرب . وأبو حنيفة وأبو يوسف ذهبا إلى أنه يُجزئ من ذلك تحميدةٌ ، أو تهليلة ، أو تسبيحة ، وحكاه ابن عبد الحكم عن مالك . والعير : الإبل التي تحمل الأطعمة والتجارة ، وهي المسماة في الرواية الأخرى : سويقة ، وهي تصغير سوق .
وقوله : فانفتل الناس إليها حتى لم يبق إلا اثنا عشر رجلا : فيه ردّ على من يقول : إن الجمعة لا تُقام إلا على أربعين فصاعدًا ، وحُكي ذلك عن الشافعي ، وقد تمسّك بهذا الحديث طائفة من أهل العلم على أن أقل ما تنعقد به الجمعة اثنا عشر ، ولا حجة فيه على ذلك ؛ لأنه - صلى الله عليه وسلم - إنما عَقَدَهَا ، وشرع فيها بأكثر من هذا العدد ، ثم عرض لهم أن تفرقوا ، ولم يبق منهم غير ذلك العدد . وقد رُوي في بعض روايات هذا الحديث : أنه بقي معه أربعون رجلا ، والأول أصح وأشهر . وعلى الجملة فقد اختلف العلماء في العدد المشروط في وجوب الجمعة ، وفي العدد الذي تصح ببقائهم إذا تفرقوا عن الإمام بعد شروعه فيها على أقوال كثيرة ، فلنرسم فيه مسألتين : المسألة الأولى : اختلف هل يُشترط في وجوب الجمعة عدد ؟ فذهب الجمهور من الصحابة والتابعين والفقهاء إلى اشتراطه ، وذهب داود إلى أنه لا يُشترط ذلك في وجوبها ، وتلزم المنفرد ، وهي ظهرُ ذلك اليوم عنده لكل أحد .
قال القاضي عياض : وهو خلافُ الإجماع . واختلف المشترطون : هل هو مختصٌ بعدد محصور أم لا ؟ فعدم الحصر هو مذهب مالك ؛ فإنه لم يشترط في ذلك حدًّا محدودًا ، وإنما قال : يكونون بحيث يمكنهم الثَّواء في بلدهم ، وتتقرَّى بهم قرية . وفسّره بعض أصحابنا بنصب الأسواق فيها ؛ حكاه عياض .
والمشترطون للعدد اختلفوا : فمن قائل : مئتان ، ومن قائل : خمسون ؛ قاله عمر بن عبد العزيز ، ومن قائل : أربعون ؛ قاله الشافعي ، ومن قائل : ثلاثون بيتًا ؛ قاله مطرف ، وعبد الملك ، عن مالك ، ومن قائل : اثنا عشر ، ومن قائل : أربعة ؛ قاله أبو حنيفة ، لكن إذا كانوا في مصر . وقال غيره : ثلاثة ، وقيل : واحد مع الإمام . وهذه أقوال متكافئة ، وليس على شيء منها دليل ، فالأصل ما صار إليه مالك من عدم التحديد ، والتمسك بفعل النبي - صلى الله عليه وسلم - ، والعمل المتصل في ذلك : فإنهم كانوا يُجمِّعون في الأمصار الكِبار ، والقرى الصغار ؛ كجواثا وغيرها .
وأما المسألة الثانية : فقد اختلفوا فيما إذا كمل ما تنعقد به الجمعة ، ثم تفرقوا عن الإمام ، فقيل : إنها تجزئ وإن بقي وحده ؛ قاله أبو ثور ، وحُكي عن الشافعي . وقيل : إذا بقي معه اثنان ، وهو قول الثوري ، والشافعي ، وقيل : إذا بقي معه اثنا عشر رجلا ؛ تمسُّكًا بهذا الحديث ، وحكاه أبو يعلى العبدي عن أصحاب مالك ، وبه قال إسحاق ، ثم اختلفوا في الحال التي يتفرقون عنها ؛ فقال أبو حنيفة : إن عقد بهم ركعة أو سجدة ثم تفرقوا عنه أجزأه أن يُتمها جمعة ، وإن كان قبل ذلك استقبل ظهرًا . وقال مالك والمزني : إن صلّى بهم ركعة بسجدتيها أتمها جمعة ، وإلا لم تجزه ، وقال زفر : متى تفرقوا قبل الجلوس للتشهد لم تصح جمعة ، وإن جلس وتفرقوا عنه قبل السلام صحَّت ، وقال ابن القاسم وسحنون : إن تفرقوا عنه قبل سلامه لم تجزئ الجمعة .
وللشافعي قول ثالث : إنها لا تجزئه حتى يبقى معه أربعون رجلا إلى تمام الصلاة . والأصحّ من هذه الأقوال ما يعضده هذا الحديث ، وهو قول إسحاق وأصحابنا ، والله تعالى أعلم . وقوله تعالى : وَإِذَا رَأَوْا تِجَارَةً أَوْ لَهْوًا : التجارة هنا : العير التي تحمل التجارة ، واللهو : الطبل ؛ الذي كانوا يضربونه عند قدومهم ، وانفضّوا ؛ أي : تفرقوا .
وقوله : وَتَرَكُوكَ قَائِمًا ؛ أي : تخطب . [ فهذا ذمٌّ لمن ترك الخطبة بعد الشروع فيها ، ونهي للمسلمين أن يتفرقوا عن إمامهم ] . [ وقد استدل به على اشتراط الخطبة في الجمعة ، وفيه بُعد ] ، وأحسن مُتَمَسَّك فيه قوله - صلى الله عليه وسلم - : صلوا كما رأيتموني أصلي .