باب ما جاء في البكاء على الميت وعنده
( 924 ) [793] - وَعَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عُمَرَ قَالَ : اشْتَكَى سَعْدُ بْنُ عُبَادَةَ شَكْوَى لَهُ ، فَأَتَى رَسُولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - يَعُودُهُ مَعَ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ ، وَسَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ وَعَبْدِ اللهِ بْنِ مَسْعُودٍ ، فَلَمَّا دَخَلَ عَلَيْهِ وَجَدَهُ فِي غَشيةٍ ، فَقَالَ : أَقَدْ قَضَى ؟ قَالُوا : لا ، يَا رَسُولَ اللهِ ! فَبَكَى رَسُولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - فَلَمَّا رَأَى الْقَوْمُ بُكَاءَ رَسُولِ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - بَكَوْا ، فَقَالَ : أَلا تَسْمَعُونَ ! إِنَّ اللهَ لا يُعَذِّبُ بِدَمْعِ الْعَيْنِ ، وَلا بِحُزْنِ الْقَلْبِ ، وَلَكِنْ يُعَذِّبُ بِهَذَا - وَأَشَارَ إِلَى لِسَانِهِ - أَوْ يَرْحَمُ . وقوله : فوجده في غشية ، روايتنا فيه بسكون الشين وتخفيف الياء ، وقد رواه جماعة من الشيوخ بكسر الشين وتشديد الياء . وقال الحافظ أبو الحسن : لا فرق بينهما ، هما واحد ، يريد من الغشاوة .
ورواه البخاري : في غاشية ، قال : ويحتمل وجهين : مَن يغشاه من الناس ، أو ما يغشاه من الكرب . وقوله : أقد قضى ؟ أي : مات . وقوله : إن الله لا يعذب بدمع العين ، ولا بحزن القلب : يدل على أن البكاء الذي لا يصحبه صوتٌ ولا نياحةٌ جائز ، قبل الموت وبعده ، بل قد يقال فيه : إنه مندوب إليه ؛ لأنه قد قال فيه : إنه رحمة ، والرحمة مندوب إليها .
فأمّا النياحة التي كانت الجاهلية تفعلها ؛ من تعديد خصال الميت ، والثناء عليه بما كان فيه من ج٢ / ص٥٧٧الخصال الدُّنيوية والمذمومة ، والصراخ الذي يُخرجه الجزع المفضي إلى السّخط والعبث ؛ من ضرب الخدود ، وشق الجيوب ، فكل ذلك محرَّم ، من أعمال الجاهلية ، ولا يختلف فيه . فأمّا بكاء وصراخ لا يكون معه شيء من ذلك فهو جائز قبل الموت ، مكروه بعده : أمّا جوازه فبدليل حديث جابر بن عقبة الذي خَرَّجه مالك ، وذلك أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - جاء يعود عبد الله بن ثابت ، فوجده قد غلب عليه ، فصاح به ، فلم يُجبْه ، فاسترجع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ، وقال : غُلِبْنا عليك أبا الربيع . فصاح النسوة وبكين ، فجعل جابر يُسكِتُهنّ ، فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : دعهن ، فإذا وجب فلا تبكين باكية .
ووجه الاستدلال : أنه - صلى الله عليه وسلم - أقرّهن على البكاء والصياح قبل الموت ، وأمر بتركهنّ على ذلك . وإنما قلنا : إنه مكروه بعد الموت ليس بمحرَّم ؛ لما في حديث جعفر من بكائهن بعد الموت ، وإعلام النبي - صلى الله عليه وسلم - بذلك ونهيهن عنه ، فلما لم ينكَفِفْن ، قال للمبلّغ : احْثُ في أفواههنّ التراب . ولم يبالغ في الإنكار عليهن ، ولا زجرهن ، ولا ذمّهن ، ولو كان ذلك محرَّمًا لفعل كل ذلك .
والله أعلم . وبهذا الذي قررناه يرتفع الاختلاف بين ظواهر الأحاديث التي في هذا الباب ، ويصح جمعها ، فتمسّكْ به ، فإنه حسن جدًّا ، وهو الصواب - إن شاء الله تعالى - .