باب الأمر بالصلاة على الميت وكيفية الصلاة عليه
( 951 ) ( 62 و 63 ) [820] - وعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - نَعَى لِلنَّاسِ النَّجَاشِيَ فِي الْيَوْمِ الَّذِي مَاتَ فِيهِ ، فَخَرَجَ بِهِمْ إِلَى الْمُصَلَّى ، فَصَلَّى وَكَبَّرَ أَرْبَعَ تَكْبِيرَاتٍ . وَفِي رِوَايَةٍ : فَقَالَ اسْتَغْفِرُوا لأَخِيكُمْ . ( 957 ) [821] - وعن عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي لَيْلَى قَالَ : كَانَ زَيْدٌ يُكَبِّرُ عَلَى جَنَائِزِنَا أَرْبَعًا ، وَإِنَّهُ كَبَّرَ عَلَى جَنَازَةٍ خَمْسًا ، فَسَأَلْتُهُ فَقَالَ : كَانَ رَسُولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - يُكَبِّرُهَا .
ج٢ / ص٦١٠وقوله " نعى للناس النجاشيّ في اليوم الذي مات فيه " مِن أدلِّ الأدلة على صحَّة نبوَّة نبينا محمد صلى الله عليه وسلم ، والنعي : إشاعة الأخبار بموت الميت ، قال الهروي : النعْيّ - بسكون العين - الفعل ، والنعِيّ - بكسرها - الرجل الميت ، ويجوز أن يجمع نعايا مثل صفي وصفايا . وهذا الحديث احتجّ به أئمتنا على جواز الإعلام بموت الميت ، ولم يره من النعي المنهيّ عنه في قوله عليه الصلاة والسلام " إياكم والنعي ، فإنّ النعيَ من عمل الجاهلية " ، وهذا النعي الذي كان من عمل الجاهلية إنما كان أن الشريف إذا مات فيهم بعثوا الركبان إلى أحياء العرب فيندبون الميت ويثنون عليه بنياحة وبكاء وصراخ وغير ذلك ، وذلك هو الذي نهى عنه . وقد روي عن حذيفة أنه نهى أن يؤذن بالميت أحد ، وقال : إني أخاف أن يكون نعيًا .
ونحوه عن ابن المسيب ، وقال به بعض السلف من الكوفيين من أصحاب ابن مسعود . قلت : وهذا الحديث حجة على من كره الإعلام به ، وكذلك قوله صلى الله عليه وسلم " هلاّ آذنتموني به ! " ، ونعيه - صلى الله عليه وسلم - أهل مؤتة . وقوله " فخرج إلى المصلَّى " يستدل به على أن الجنائز لا يصلّى عليها في المسجد كما قد روي عن مالك وأبي حنيفة ، وجوّزه الشافعي .
وظاهر هذا الحديث جواز الصلاة على الغائب ، وهو قول الشافعي ، ولم يَرَ ذلك أصحابنا جائزًا ؛ لأنه لو كان ذلك لكان أحقُّ من صُلِّي عليه كذلك رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في البلاد النائية عن المدينة ، ولم يصحَّ أنه فعل ذلك أحدٌ من الصحابة ولا غيرهم ، ولو كان ج٢ / ص٦١١ذلك مشروعًا للزم أن يفعلَ ذلك دائمًا إلى غير غايةٍ لعدم القاصر له على زمان معين ، واعتذروا عن حديث النجاشيِّ بأمور ؛ أحدها : أن ذلك مخصوصٌ بالنجاشيِّ ؛ ليُعْلِم النبيُّ - صلى الله عليه وسلم - أصحابه بإسلامه وليستغفروا له كما جاء في الحديث . وثانيها : أنه كان قد رُفِعَ وأُحضِرَ له حتى رآه ، فصلَّى على حاضرٍ بين يديه ، كما رُفِع للنبيِّ - صلى الله عليه وسلم - بيتُ المقدس كما تقدّم في كتاب الإيمان . وثالثها : أنه كان لم يصلِّ عليه أحدٌ ؛ لأنه مات بين قوم كفّار ، وكان يكتم إيمانه منتظرًا التخلُّصِ منهم ، فمات قبل ذلك ولم يصل عليه أحد ، وعلى هذا فيُصلِّى على الغريق وأكيل السَبُع ، وهو قول ابن حبيب من أصحابنا ، ولم ير ذلك مالك ولا جماعة من العلماء .
قلت : وهذا الوجه الثالث أقربها ، وفيما تقدم نظر . وقوله " وكبّر أربع تكبيرات " ، وفي حديث زيد بن ثابت أنه كبّر خمسًا ، وقد اختلف العلماء من السلف في ذلك من ثلاث تكبيرات إلى تسع ؛ فروي عن عليٍّ أنّه كان يكبّر على أهل بدر ستًّا وعلى سائر الصحابة خمسًا ، وعلى غيرهم أربعًا . وقد جاء من رواية ابن أبي خيثمة أنه - صلى الله عليه وسلم - كان يكبّر أربعًا ج٢ / ص٦١٢وخمسًا وستًّا وسبعًا وثمانيًا حتى مات النجاشيُّ فكبّر أربعًا ، وثبت عليها حتى تُوفي صلى الله عليه وسلم .
قال أبو عمر : وانعقَد الإجماع بعدُ على أربع . قال عياض : وما سواه شذوذ ، ولا يلتفت إليه اليوم ، ولا نعلم أحدًا من فقهاء الأمصار قال بخمس تكبيرات إلا ابن أبي ليلى . قال الإمام : وهذا المذهب متروكٌ الآن ؛ لأن ذلك صار علمًا على القول بالرفض .
ولم يقع في الصحيح ذكر السلام من صلاة الجنازة على الخصوص ، لكن يستدل عليه بعموم
قوله صلى الله عليه وسلم " تحريم الصلاة التكبير ، وتحليلها التسليم " ، وهو صحيح. واختلف في عدده ؛ فالجمهور من السلف وغيرهم على أنه واحدة ، وذهب أبو حنيفة والشافعي - في أحد قوليه - وجماعة من السلف إلى أنه تسليمتان ، ثم هل يجهر الإمام بالتسليم أو يُسِرّ ؟ قولان عن مالك ، والجهر لأبي حنيفة ، والإسرار للشافعي . وهل يردّ المأموم على إمامه أو لا ؟ قولان لمالك ، وهل تُرفع الأيدي مع التكبير أم لا ؟ اختلف فيه قول مالك على ثلاثة أقوال : الرفع في الأولى فقط ، وفي الجميع ، ولا يرفع في شيء منها .
واختلف هل يقرأ في صلاة الجنازة بأمّ القرآن أم لا ؟ فذهب مالك في المشهور عنه إلى ترك القراءة ، وكذلك أبو حنيفة والثوري ، وكأنهم تمسّكوا بظاهر ما أخرجه أبو داود من حديث أبي هريرة قال : سمعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول : إذا صليتم على الميت فأخلصوا له في الدعاء . وبأن مقصودَ هذه الصلاة إنما هو الدعاء له ج٢ / ص٦١٣واستفراغ الوسع بعمارة كل أحوال تلك الصلاة في الاستشفاع للميت . وذهب الشافعي وأحمد وإسحاق ومحمد بن مسلمة وأشهب من أصحابنا وداود إلى أنه يقرأ فيها بالفاتحة ؛ لقوله صلى الله عليه وسلم " لا صلاة إلا بفاتحة الكتاب " حملا له على عمومه ، وبما خرَّجه البخاري عن ابن عباس : وصلّى على جنازة فقرأ بفاتحة الكتاب وقال : لتعلموا أنَّها سنَّة .
وخرّج النسائي من حديث أبي أمامة قال : السنة في الصلاة على الجنائز أن يقرأ في التكبيرة الأولى بأم القرآن مُخَافَتَةً ثم يكبر ثلاثًا ، والتسليم عند الآخرة . وذكر محمد بن نصر المروزي عن أبي أمامة أيضًا قال : السنَّة في الصلاة على الجنازة أن يكبر ثم يقرأ بأم القرآن ، ثم يصلى على النبي صلى الله عليه وسلم ، ثم يخلص الدعاء للميت ، ولا يقرأ إلا في التكبيرة الأولى ، ثم يسلّم . وهذان الحديثان صحيحان ، وهما ملحقان عند الأصوليين بالمسند، والعمل على حديث أبي أمامة أولى ؛ إذ فيه جمع بين عموم قوله " لا صلاة " وبين " إخلاص الدعاء للميت " ، وقراءة الفاتحة فيها إنما هي استفتاح للدعاء ، والله تعالى أعلم .