باب زيارة القبور والتسليم عليها والدعاء والاستغفار للموتى
( 974 ) 103 و ( 975 ) [842] - وعَنْ عَائِشَةَ : أَلا أُحَدِّثُكُمْ عَنِّي وَعَنْ رَسُولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم ؟ قُلْنَا : بَلَىَ . قَالَتْ : لَمَّا كَانَتْ لَيْلَتِي الَّتِي كَانَ النَّبِيُّ - صلى الله عليه وسلم - فِيهَا عِنْدِي انْقَلَبَ فَوَضَعَ رِدَاءَهُ ، وَخَلَعَ نَعْلَيْهِ فَوَضَعَهُمَا عِنْدَ رِجْلَيْهِ ، وَبَسَطَ طَرَفَ إِزَارِهِ عَلَى فِرَاشِهِ فَاضْطَجَعَ ، فَلَمْ يَلْبَثْ إِلا رَيْثَمَا ظَنَّ أَنْ قَدْ رَقَدْتُ ، فَأَخَذَ رِدَاءَهُ رُوَيْدًا ، وَانْتَعَلَ رُوَيْدًا ، وَفَتَحَ الْبَابَ رُوَيْدًا فَخَرَجَ ، ثُمَّ أَجَافَهُ رُوَيْدًا ، فَجَعَلْتُ دِرْعِي فِي رَأْسِي وَاخْتَمَرْتُ وَتَقَنَّعْتُ إِزَارِي ، ثُمَّ انْطَلَقْتُ عَلَى إِثْرِهِ ، حَتَّى جَاءَ الْبَقِيعَ فَقَامَ فَأَطَالَ الْقِيَامَ ، ثُمَّ رَفَعَ يَدَيْهِ ثَلاثَ مَرَّاتٍ ، ثُمَّ انْحَرَفَ فَانْحَرَفْتُ ، فَأَسْرَعَ وَأَسْرَعْتُ ، فَهَرْوَلَ فَهَرْوَلْتُ ، فَأَحْضَرَ فَأَحْضَرْتُ ، فَسَبَقْتُهُ فَدَخَلْتُ ، فَلَيْسَ إِلا أَنِ اضْطَجَعْتُ فَدَخَلَ ، فَقَالَ : مَا لَكِ يَا عَائِشُ حَشْيَا رَابِيَةً ؟! قَالَتْ : قُلْتُ : لا بِي شَيْء . قَالَ : أتُخْبِرِينِي أَوْ لَيُخْبِرَنِّي اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ ؟ قَالَتْ : قُلْتُ : يَا رَسُولَ اللهِ ، بِأَبِي أَنْتَ وَأُمِّي ! فَأَخْبَرْتُهُ ، قَالَ : فَأَنْتِ السَّوَادُ الَّذِي رَأَيْتُهُ أَمَامِي ؟ قُلْتُ : نَعَمْ .
فَلَهَدَنِي فِي صَدْرِي لَهْدَةً أَوْجَعَتْنِي ، ثُمَّ قَالَ : أَظَنَنْتِ أَنْ يَحِيفَ اللهُ عَلَيْكِ وَرَسُولُهُ ؟ قَالَتْ : مَهْمَا يَكْتُمِ النَّاسُ يَعْلَمْهُ اللهُ . قَالَ رسول الله صلى الله عليه وسلم : فَإِنَّ جِبْرِيلَ - عليه السلام - أَتَانِي حِينَ رَأَيْتِ فَنَادَانِي ، فَأَخْفَاهُ مِنْكِ ، فَأَجَبْتُهُ ، فَأَخْفَيْتُهُ مِنْكِ ، وَلَمْ يَكُنْ يَدْخُلُ عَلَيْكِ وَقَدْ وَضَعْتِ ثِيَابَكِ ، وَظَنَنْتُ أَنْ قَدْ رَقَدْتِ فَكَرِهْتُ أَنْ أُوقِظَكِ ، وَخَشِيتُ أَنْ تَسْتَوْحِشِي ، فَقَالَ : إِنَّ رَبَّكَ يَأْمُرُكَ أَنْ تَأْتِيَ أَهْلَ الْبَقِيعِ فَتَسْتَغْفِرَ لَهُمْ ! قَالَتْ : قُلْتُ : كَيْفَ أَقُولُ لَهُمْ يَا رَسُولَ اللهِ ؟ قَالَ : قُولِي السَّلامُ عَلَى أَهْلِ الدِّيَارِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُسْلِمِينَ ، وَيَرْحَمُ اللهُ الْمُسْتَقْدِمِينَ مِنَّا وَالْمُسْتَأْخِرِينَ ، وَإِنَّا إِنْ شَاءَ اللهُ بِكُمْ لَلاحِقُونَ . وَفِي رِوَايَةٍ : أَسْأَلُ اللّه لَنَا وَلَكُم العَافِيَةَ .
وقول عائشة " فلم يلبث إلا ريثما ظن أني قد رقَدْتُ " ؛ أي مقدار ذلك ، و" رويدًا " أي مترفقًا متمهلا لئلا ينبهها ، وهو مصدر في موضع الحال . وقولها " ثم أجافه رويدًا " ؛ أي أغلقه بلطف لئلا تعلم بخروجه وبقائها في الليل وحدها فتستوحش وتذعر ، وظاهر خروجها خلفه إنما كان لأنها ظنت خروجه إلى بعض أزواجه . والبقيع : هو بقيع الغرقد ، وهو مدفن أهل المدينة ، والغرقد : شجر العَوْسَج .
ومعنى " انحرف " مال للرجوع ، والهرولة فوق الإسراع ، والإحضار فوق الهرولة ، وكلها مراتب الجري . ج٢ / ص٦٣٥وقوله " ما لك يا عائش حشيا رابية ؟ " ، عائش : منادى مرخَّم ، وحشيا رابية : وقع بها الربو ، وهو البُهْر الذي يلحق من الجري . قال الهروي : يقال منه امرأة حشيا وحشية ، ورجل حشيان وحشٍ .
وقولها في جوابها " لا بي شيء " قيّد الأسدي هذا الحرف " لأيِّ شيء ؟ " بالياء باثنتين وخفض " شيء " على الاستفهام تغطية لحالها ، كأنها تقول : لأيِّ شيء تسأل ؟ ورواه العذري " لا بي شيء " بالباء الواحدة ورفع " شيء " على أن تكون لا بمعنى ليس ؛ أي : ليس بي شيء - وهي روايتنا ، وفي بعض النسخ " لا شيء " ، وهي أقربها . و " السواد " : الشخص . و " لَهَدَني " : ضربني ودفعني .
قال ابن القوطية : لَهدْتُه لَهْدًا دفعته ، وأَلْهَدْتُ به قصرت به . وقوله " أظننت أن يحيف الله عليك ورسوله ؟ " ؛ أي يجور ، وهذا يؤيد أنها ظنت أن قد سار إلى بعض أهله . وقوله " أمرت أن آتي أهلَ البقيع وأستغفر لهم " يدلّ على أنه دعا لأهل البقيع واستغفر ، وأن هذا هو الذي عبّر عنه في الرواية الأخرى " يصلي " ، وقد ج٢ / ص٦٣٦قيل : إنه صلّى عليهم صلاته على الجنازة ، ويؤيد هذا القول أنه قد جاء في حديث مالك " فأُصلّي عليهم " .
وقولها " فقام فأطال القيام ، ثم رفع يديه ثلاث مرار " ، ثم الذي يقول بهذا يرى أن ذلك خصوص بالنبي صلى الله عليه وسلم ، والأول أظهر ، وهذا محتمل . وقوله " السلام على أهل الديار من المؤمنين والمسلمين " هذا يدل على أن السلام على الموتى كالسلام على الأحياء خلافًا لمن قال : إن تحية الميت : عليك السلام - بتقديم عليك السلام ، تمسكًا بما روي أن النبي - صلى الله عليه وسلم - سلّم رجلٌ عليه فقال : عليك السلام يا رسول الله ! فقال : لا تقل عليك السلام ؛ فإن عليك السلام تحية الميت . وهذا لا حجَّة فيه ؛ لأنه - صلى الله عليه وسلم - إنما كره منه أن يبدأ بعليك السلام ؛ لأنه كذلك كانت تحية الجاهلية للموتى ، كما قال شاعرهم :
وقد تقدّم قوله " وإنا إن شاء الله بكم لاحقون " في الطهارة . وفي إسناد هذا الحديث قال ابن جريج : أخبرني عبد الله رجل من قريش ، عن محمد بن قيس بن ج٢ / ص٦٣٧مخرمة - هذا الرجل هو عبد الله بن أبي مُلَيْكَة على ما قاله النسائي وأبو نعيم الجرجاني وأبو بكر وأبو عبد الله الجيزي . وقال الدارقطني : هو عبد الله بن كثير بن المطلب بن أبي ودَاعَة السهمي .