باب ما تجب فيه الزكاة وكم مقدار ما يخرج
) كتاب الزكاة ( 1 ) باب ما تجب فيه الزكاة ، وكم مقدار ما يخرج 980 [848] عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللهِ ، عَنْ رَسُولِ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - أَنَّهُ قَالَ : ( لَيْسَ فِيمَا دُونَ خَمْسِ أَوَاقٍ مِنَ الْوَرِقِ صَدَقَةٌ ، وَلَيْسَ فِيمَا دُونَ خَمْسِ ذَوْدٍ مِنَ الإِبِلِ صَدَقَةٌ ، وَلَيْسَ فِيمَا دُونَ خَمْسَةِ أَوْسُقٍ مِنَ التَّمْرِ صَدَقَةٌ ) . 979 [849] وَعَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيَّ ؛ أَنَّ النَّبِيَّ - صلى الله عليه وسلم - قَالَ : لَيْسَ فِي حَبٍّ وَلا تَمْرٍ صَدَقَةٌ حَتَّى يَبْلُغَ خَمْسَةَ أَوْسُقٍ الحديث . ( 9 ) كتاب الزكاة قد تقدم اشتقاق الزكاة في كتاب الإيمان ، وتسمى أيضًا : صدقة ، مأخوذة من الصدق ؛ إذ هي دليل على صحة إيمانه ، وصدق باطنه مع ظاهره ، وقد تقدم استيفاء ذلك المعنى في كتاب الطهارة .
وشرعها الله تعالى مواساة للفقراء ، وتطهيرًا للأغنياء من البخل . وإنما تجب على من كان له مِن المال ما له بال . وأقل ذلك: النصاب على ما يأتي بيانه .
ثم موضوعها : الأموال النامية ؛ أي : الصالحة للنماء ، وهي : العين ، والحرث والماشية ، ثم هذه الأصول منها ما ينمي بنفسه ، كالحرث والماشية ؛ ومنها ما ينمو بتغيير عينه وتقليبه ، كالعين . والإجماع منعقدٌ على تعلق الزكاة بأعيان هذه المسميات . فأما الزكاة بما سواها من العروض والديون ؛ ففيها للفقهاء ثلاثة أقوال : فأبو حنيفة : يوجبها على الإطلاق ، وداود يسقطها في ذلك ، ومالك : يوجبها في عروض التجارة ، وفي الديون تفصيل يعرف في كتب فقهه ، وستأتي حجة كل فريق في تضاعيف الكلام .
( 1 ) ومن باب: ما تجب فيه الزكاة ، وكم مقدار ما يخرج ( قوله - صلى الله عليه وسلم - : ( ليس فيما دون خمس أواق من الورق صدقة ) ، أواقٍ: جمع أوقية . قال أبو عبيد : هي اسم لوزن مبلغه أربعون درهمًا كيلاً . قال ابن السكيت : الأُوقيّة - ضم الهمزة وتشديد الياء - ، وجمعها أواق .
ولا يقال: وَقية - بفتح الواو - من غير همزة . وحكى اللحياني أنه يقال : وتجمع : وقايا . ودرهم الكيل زنته خمسون حبةً وخُمُسَا حبة ، وسمي درهم الكيل ؛ لأنه بتكييل عبد الملك بن مروان ؛ أي : بتقديره وتحقيقه ، وذلك أن الدراهم التي كان الناس يتعاملون بها على وجه الدهر نوعان : نوع عليه نقش فارس .
ونوع عليه نقش الروم . أحد النوعين يقال له : البَغْلِيّة ، وهي السود ، الدرهم منها ثمانية دوانق ، والأخرى يقال لها : الطبرية ، وهي العُتُق ، الدرهم منها من أربعة دوانق ، فجاء الإسلام وهي كذلك ، فكان الناس يتعاملون بها مجموعة على الشطر من هذه والشطر من هذه لدى الإطلاق ؛ ما لم يعينوا بالنص أحد النوعين . وكذلك كانوا يؤدون الزكاة في أول الإسلام ؛ باعتبار مائة من هذه ، ومائة من هذه في النصاب .
ذكر هذا أبو عبيد وغيره ، فلما كان عبد الملك بن مروان تَحَرَّجَ من نقوشها ، فضرب الدرهم بنقش الإسلام بعد أن تحرى معاملتهم الإطلاقية ، فجمع بين درهم بغلي من ثمانية دوانق ، وبين درهم طبري من أربعة دوانق ، فكان اثني عشر دانقا ، فقسمها نصفين ، فضرب الدرهم من نصفها وهو ستة دوانق ، والدانق : ثمان حبات ، وثُلُث حبة ، وثُلُثَا خُمُسِ حبة من الشعير المطلق . واتفق المسلمون على اعتبار درهم الكيل المذكور ؛ لموافقته ما كان معتبرًا من عهد النبي - صلى الله عليه وسلم - وإلى أن ضربت ، وأن نصاب الزكاة مائتا درهم من دراهم الكيل . وهي الخمسة الأواقي المذكورة في الحديث .
ولم يخالفه في ذلك إلا من زعم أن أهل كل بلد يعتبرون النصاب بما يجري عندهم من الدراهم ، صغرت أو كبرت . وهو مذهب ابن حبيب الأندلسي . والصحيح ما ذهب إليه الجمهور ، ويعضده قوله - صلى الله عليه وسلم - : ( الوزن على وزن أهل مكة ) ، وهو حديث صحيح .
وقد تقدّم أن هذا المقدار المذكور هو الذي كان [على] وزن أهل مكة ، في عصر النبي - صلى الله عليه وسلم - . وأما دينار الذهب: فهو أربعة وعشرون قيراطًا . والقيراط: ثلاث حبات من وسط الشعير ، فمجموعه اثنتان وسبعون حبة ، وهو مجمع عليه .
والوَرِق : بكسر الراء على الأصل ككَبِد ، وبإسكانها تخفيف ، كما يقال : كبْد وفخْذ ، وهي الدراهم خاصة . ويقال عليها أيضا : الرقة - بتخفيف القاف . ومنه قوله : ( في الرِّقة ربع العشر ) .
قال أبو بكر : جمعها : رقات ورقون . ومنه قولهم : وجدان الرقين يغطي أَفَن الأَفِين ؛ أي : وجدان الدراهم يغطي عيب المعيب . قال الهروي : يقال : رجل وارّق : كثير الوَرِق .
وقال بعضهم : لا يقال : لغير الدراهم وَرِق ، ولا رِقَة . وإنما يقال لها : فضة . وأما الفقهاء : فالفضة والورق عندهم سواء .
وكذلك قال ابن قتيبة : إن الرقة والورق : الفضة ، مسكوكها ، وغير مسكوكها . وقوله: ( ليس فيما دون ) ؛ ظاهره أنه إذا نقص من النصاب ولو أقل ما ينطلق عليه اسم النقص ، لم تجب فيه زكاة ، وبه قال أبو حنيفة . وقال مالك : إذا كان النقصان يسيرًا لم تسقط الزكاة .
واختلف أصحابه في مقدار اليسير : فمنهم من قال : هو ما لا يتشاح فيه في العادة . ومنهم من فسره : بأنه المقدار الذي تختلف فيه الموازين . وهذا عندهم بشرط جوازها بجواز الوازنة .
وحكي عن عمر بن عبد العزيز : أن نصاب الدراهم إن نقص ثلاثة دراهم ، ونصاب الذهب إن نقص ثلث دينار ، لم تسقط الزكاة . والظاهر مع أبي حنيفة ، والمعنى مع أصحابنا . و دون في كل مواضع هذا الحديث بمعنى : أقل ؛ أي : ليس في أقل من خمس صدقة ، لا أنه نفى عن غير الخمس الصدقة ، كما زعم بعضهم في قوله : ( ليس فيما دون خمسة أوسق صدقة ) ؛ أنها بمعنى غير .
وقوله : ( خمس ذود ) : الرواية المشهورة فيه على الإضافة ، ومنهم من يرويه بالتنوين على البدل . والصحيح في الرواية إسقاط الهاء من خمس على التأنيث . وأثبتها بعضهم على التذكير ، وهذا على الخلاف في الذود ، هل يطلق على الإناث أو على الذكور ؟ على ما يأتي .
وأصل وضع الذود إنما هو مصدر ، من ذاد يذود ، إذا دفع شيئًا ، فكأن من كان عنده دفع عن نفسه معرّة الفقر ، أو شدّة الفاقة والحاجة . واختلف اللغويون فيه : فقال أبو عبيد : هو ما بين الثنتين إلى التسع ، ومن الإناث دون الذكور . ونحوه عند سيبويه في التأنيث ، فقال : يقال : ثلاث ذَوْدٍ ؛ لأن الذود أنثى ، وليس باسم كسر عليه مذكره .
وقال الأصمعي : الذود : ما بين الثلاث إلى العشر . والضُّبة : خمس أو ست ، والصِّرْمَة : ما بين العشر إلى العشرين ، والفَكَرَة : ما بين العشرين إلى الثلاثين ، والْهَجْمَةُ : ما بين الستين إلى السبعين ، والْهُنَيْدةُ : مائة ، والخِطْرُ : نحو المائتين ، والعَرْج : من خمسمائة إلى الألف . قال غيره : وهِنْدُ - غير مصغر - : مائتان ، وأمَامَة : ثلاثمائة .
وأنكر ابن قتيبة أن يراد بالذود: الواحد ، وقال : لا يصح أن يقال : خمس ذود ، كما لا يقال : خمس ثوب . وقال القاضي عياض : الذود : ما بين الثلاثة إلى العشرة ، ولا واحد له من لفظه ، إنما يقال في الواحد : بعير ، كما يقال للواحدة من النساء : امرأة . وقال غيره : خمس ذود ، كما يقال خمس أبعرة ، وخمسة جمال ، وخمس نوق .
وقد نصّ بعض اللغويين: على أن الذود يكون وحدًا . وقال أبو حاتم : تركوا القياس في الجمع فقالوا : ثلاث ذود لثلاث من الإبل ، وأربعُ ذودٍ ، وعشرُ ذود على غير قياس ، كما قالوا : ثلاثمائة وأربعمائة ، والقياس : مِائِتين ومِئات ، ولا يكاد يقولونه . قلت : وهذا صريح بأن الذود واحد في لفظه ، والأشهر ما قاله المتقدمون: إنه لا يقال على الواحد ، والله أعلم .
وقوله : ( ليس فيما دون خمسة أوسُق صدقة ) ؛ الأوسق : جمع قلة الوِسْق ، كفِلْس وأَفْلُس ، ويقال : أَوْسَاق : جمع وِسق - بكسر الواو - ، كما يقال : عِدْل وأعْدَال . واختلفوا في اشتقاقه ، فقال شمر : كل شيء حملتَه فقد وسقْتَه ، يقال : ما أفعلُ كذا ما وسقتْ عيني الماء : أي : ما حملْته . وقال غيره : الوسق : ضمك الشيء إلى الشيء وجمعه ، ومنه قوله تعالى : ﴿وَاللَّيْلِ وَمَا وَسَقَ ﴾؛ أي : جمع وضم ، يقال للذي يجمع الإبل : وَاسِق ، وللإبل نفسها : وَسَقَتْ ، وقد وَسَقْتُها فاستَوسَقَتْ ؛ أي : اجتمعت وانضمت .
وقال الخطابي : الوسق : تمام حمل الدواب النقالة ، وهو ستون صاعًا . قال غيره : والصاع : أربعة أمداد ، والْمُد : رطل وثلث بالعراقي . والرطل العراقي : هو اثنا عشر أوقية .
والأوقية هنا : هي زنة عشرَةِ دراهمَ وثلثي درهم ، من دراهم الكيل ، فمبلغ زنة الرطل من دراهم الكيل : مائة درهم وثمانية وعشرون درهمًا . ولم يجر في هذا الحديث ذكر لنصاب الذهب ، ولا وقع في الصحيحين ، ولا ما يدلّ على اشتراط الحول في الزكاة . وقد ذكر أبو داود ما يدل عليهما ، فروى بإسناد صحيح إلى أبي إسحاق السبيعي ، عن عاصم بن ضمرة والحارث الأعور ، عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه ، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال : ( إذا كانت لك مائتا درهم ، وحال عليها الحول ، ففيها خمسة دراهم ، وليس عليك شيء - يعني: في الذهب - حتى يكون لك عشرون دينارًا ، فإذا كان لك عشرون دينارًا ، وحال عليها الحول ، ففيها نصف دينار ، فما زاد فبحساب ذلك ) ، قال : ولا أدري أعليٌّ يقول بحساب ذلك ، أو رفعه إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - : وليس في مال زكاة حتى يحول عليه الحول .
قلت : هذا الحديث غاية ما قيل فيه : أن جرير بن حازم رواه عن أبي إسحاق ، وقرن فيه بين عاصم بن ضمرة ، وهو ثقة ، وبين الحارث الأعور ، وهو كذاب . ورواه جماعة من الأئمة عن أبي إسحاق ، عن عاصم موقوفًا على عليّ ، فقال من رَدَّ ذلك الحديث : لعل جريرًا سمعه من أبي إسحاق عن عاصم موقوفًا ، وسمعه عنه الحارث في هذا الحديث مسندًا ، ولذلك قرن بينهما ، وكأن الإسناد متلقى عن الحارث . وهذا لا ينبغي أن يُردَّ الخبر له ، لأنه وهمٌ ، وظَنٌّ غير محقق ، بل هو مردود ؛ لأن المعتمد ثقة جرير وأمانته ، وقد أخبر بأنه سمعه منهما في مساق واحد ، وظاهره : أنه تلقاه عن كل واحد منهما على نحو ما تلقاه عن الآخر ، فيُعْتَمد على رواية الثقة ، وتلغى رواية غيره ، ولا يضره وقــف من وقــفه ، إذا كان الذي رفعه ثقة .
قال القاضي عياض : فأما نصاب الذهب فهو عشرون دينارًا ، والْمُعوِّل في تحديده على الإجماع ، وقد حكي فيه خلاف شاذ ، وورد فيه أيضًا حديث عن النبي - صلى الله عليه وسلم - . قلت : وأما نصاب الإبل والغنم ، فلم يخرج في كتاب مسلم من ذلك شيء . وقد خرَّج البخاري فيه كتاب النبي - صلى الله عليه وسلم - لأبي بكر الصديق .
وأما نصاب البقر فلم يقع في الصحيحين شيء من ذلك . وقد روى في ذلك النسائي عن مسروق ، عن معاذ بن جبل قال : لما بعثه رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إلى اليمن أمره أن يأخذ من كل ثلاثين من البقر تبيعًا أو تبيعة ، ومن كل أربعين مسنة ، ومن كل حالمٍ دينارًا ، أو عِدْلَه مَعَافِر . غير أنه منقطع ، لم يلق مسروق معاذًا .
وقد خرَّجه الترمذي عن أبي عبيدة بن عبد الله بن مسعود ، عن أبيه ، ولم يسمع أبو عبيدة من أبيه . ورواه مالك عن طاوس ، عن معاذ من فعله موقوفًا ، وطاوس لم يدرك معاذًا . وأحسن ما في الباب ما خرَّجه الدارقطني ، عن الشعبي ، عن أنس قال : قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : ( في كل أربعين من البقر مسنة ، وفي كل ثلاثين تبيع أو تبيعة ) ، قال : هذا يروى مرسلاً عن الشعبي ، وهو الصواب .
قال أبو محمد بن حزم : قد صح الإجماع المتيقن المقطوع به ، الذي لا اختلاف فيه : أن في كل خمسين بقرةٍ: بقرةٌ . فوجب الأخذ بهذا ، وما دون ذلك مختلف فيه ، ولا نص في إيجابه . قلت : وحديث جابر وأبي سعيد يدلان: على أن ما نقص عن هذه النصب ليس فيه زكاة ، ولا خلاف في ذلك ، إلا ما ذهب إليه أبو حنيفة وبعض السلف من أن الحب تخرج الزكاة من قليله وكثيره ، والحديثان حجتان عليهم .
وقال داود : كل ما يدخله الكيل فتراعى فيه الخمسة الأوسق ، وما عداه مما لا يوسق ، ففي قليله وكثيره الزكاة . قال القاضي عياض : وأجمعوا على أن في عشرين دينارًا الزكاة . ولا تجب في أقل منها ، إلا ما روي عن الحسن والزهري مما لم يتابعا عليه : أن لا صدقة في أقل من أربعين دينارًا ، والأشهر عنهما ما روي عن الجماعة .
وروي عن بعض السلف : أن الذهب إذا كانت قيمته مائتي درهم فيها الزكاة ، فإن نقصت عن ذلك فلا شيء فيه . واتفقوا على أن ما زاد من الحب على خمسة أوسق ، أن الزكاة في قليله وكثيره ، ولا وَقَصَ فيه . واتفقوا على الأوقاص في المواشي .
واختلفوا في الذهب والفضة ، فذهب مالك والشافعي وبعض السلف والجمهور إلى أن لا وقَصَ فيهما . وذهب أبو حنيفة وبعض الجماعة إلا أنه لا شيء فيما زاد على المائتي درهم حتى تبلغ أربعين ، ولا على العشرين دينارًا حتى تبلغ أربعة دنانير ، فإذا زادت على ذلك ، ففي كل أربعين درهمًا درهم . وفي كل أربعة دنانير درهم ، ومعتمدهم في هذا: حديث ضعيف لا أصل له .
ومالك وجمهور علماء الأمصار يرون ضَمَّ الذهب والفضة على اختلاف بينهم : فمالك وجماعة يراعون الوزن ، والضم على الأجزاء لا على القيم ، ويُنْزِلُون كل دينار منزلة عشرة دراهم على الصرف القديم . وأبو حنيفة والأوزاعي والثوري يرون ضمها على القيمة في وقت الزكاة . وقال الشافعي وداود وأبو ثور وأحمد : لا يضم منها شيء إلى شيء ، ويراعى نصاب كل واحد منهما بنفسه .
وذهب آخرون إلى أنه إنما يضم إذا كمل من أحدهما نصاب ، فيضم الآخر ، ويزكى الجميع .