باب يَجِبُ الرضا بما قسم رسول الله وبما أعطى ويكفر من نَسبَ إليه جَوْرًَا وذكر الخوارج
[935] وَعَنْ زَيْدِ بْنِ وَهْبٍ الْجُهَنِيِّ أَنَّهُ كَانَ فِي الْجَيْشِ الَّذِينَ كَانُوا مَعَ عَلِيٍّ ، الَّذِينَ سَارُوا إِلَى الْخَوَارِجِ ، فَقَالَ عَلِيٌّ : أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - يَقُولُ : ( يَخْرُجُ قَوْمٌ مِنْ أُمَّتِي يَقْرَءُونَ الْقُرْآنَ لَيْسَ قِرَاءَتُكُمْ إِلَى قِرَاءَتِهِمْ بِشَيْءٍ ، وَلا صَلاتُكُمْ إِلَى صَلاتِهِمْ بِشَيْءٍ وَلا صِيَامُكُمْ إِلَى صِيَامِهِمْ بِشَيْءٍ يَقْرَءُونَ الْقُرْآنَ يَحْسِبُونَ أَنَّهُ لَهُمْ وَهُوَ عَلَيْهِمْ لا تُجَاوِزُ صَلاتُهُمْ تَرَاقِيَهُمْ ، يَمْرُقُونَ مِنَ الإِسْلامِ كَمَا يَمْرُقُ السَّهْمُ مِنَ الرَّمِيَّةِ لَوْ يَعْلَمُ الْجَيْشُ الَّذِينَ يُصِيبُونَهُمْ مَا قُضِيَ لَهُمْ عَلَى لِسَانِ نَبِيِّهِمْ لاتَّكَلُوا عَلى الْعَمَلِ وَآيَةُ ذَلِكَ أَنَّ فِيهِمْ رَجُلاً لَهُ عَضُدٌ وَلَيْسَ لَهُ ذِرَاعٌ ، عَلَى رَأْسِ عَضُدِهِ مِثْلُ حَلَمَةِ الثَّدْيِ ، عَلَيْهِ شَعَرَاتٌ بِيضٌ ، فَتَذْهَبُونَ إِلَى مُعَاوِيَةَ وَأَهْلِ الشَّامِ ، وَتَتْرُكُونَ هَؤُلاءِ يَخْلُفُونَكُمْ فِي ذَرَارِيِّكُمْ وَأَمْوَالِكُمْ ، وَاللهِ إِنِّي لأَرْجُو أَنْ يَكُونُوا هَؤُلاءِ الْقَوْمَ ، فَإِنَّهُمْ قَدْ سَفَكُوا الدَّمَ الْحَرَامَ وَأَغَارُوا فِي سَرْحِ النَّاسِ ، فَسِيرُوا عَلَى اسْمِ اللهِ . قَالَ سَلَمَةُ بْنُ كُهَيْلٍ : فَنَزَّلَنِي زَيْدُ بْنُ وَهْبٍ مَنْزِلاً . حَتَّى قَالَ : مَرَرْنَا عَلَى قَنْطَرَةٍ ، فَلَمَّا الْتَقَيْنَا وَعَلَى الْخَوَارِجِ يَوْمَئِذٍ عَبْدُ اللهِ بْنُ وَهْبٍ الرَّاسِبِيُّ فَقَالَ لَهُمْ : أَلْقُوا الرِّمَاحَ وَسُلُّوا سُيُوفَكُمْ مِنْ جُفُونِهَا ، فَإِنِّي أَخَافُ أَنْ يُنَاشِدُوكُمْ كَمَا نَاشَدُوكُمْ يَوْمَ حَرُورَاءَ ، فَرَجَعُوا فَوَحَّشُوا بِرِمَاحِهِمْ ، وَسَلُّوا السُّيُوفَ ، وَشَجَرَهُمُ النَّاسُ بِرِمَاحِهِمْ .
قَالَ : وَقُتِلَ بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ ، وَمَا أُصِيبَ مِنَ النَّاسِ يَوْمَئِذٍ إِلا رَجُلانِ . فَقَالَ عَلِيٌّ : الْتَمِسُوا فِيهِمُ الْمُخْدَجَ . فَالْتَمَسُوهُ ، فَلَمْ يَجِدُوهُ ، فَقَامَ عَلِيٌّ بِنَفْسِهِ حَتَّى أَتَى نَاسًا قَدْ قُتِلَ بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ .
قَالَ : أَخِّرُوهُمْ فَوَجَدُوهُ مِمَّا يَلِي الأَرْضَ ، فَكَبَّرَ ، ثُمَّ قَالَ : صَدَقَ اللهُ وَبَلَّغَ رَسُولُهُ . قَالَ : فَقَامَ إِلَيْهِ عَبِيدَةُ السَّلْمَانِيُّ فَقَالَ : يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ ، الله الَّذِي لا إِلهَ إِلا هُوَ لَسَمِعْتَ هَذَا الْحديث مِنْ رَسُولِ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - ؟ قَالَ: إِي وَاللهِ الَّذِي لا إِلهَ إِلا هُوَ ، حَتَّى اسْتَحْلَفَهُ ثَلاثًا ، وَهُوَ يَحْلِفُ لَهُ . 1066 ( 157 ) [936] وَعَنْ عُبَيْدِ اللهِ بْنِ أَبِي رَافِعٍ مَوْلَى رَسُولِ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - أَنَّ الْحَرُورِيَّةَ لَمَّا خَرَجَتْ وَهُوَ مَعَ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ قَالُوا : لا حُكْمَ إِلا لِلَّهِ ، فَقَالَ عَلِيٌّ : كَلِمَةُ حَقٍّ أُرِيدَ بِهَا بَاطِلٌ ، إِنَّ رَسُولَ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - وَصَفَ نَاسًا إِنِّي لأَعْرِفُ صِفَتَهُمْ فِي هَؤُلاءِ ، يَقُولُونَ الْحَقَّ بِأَلْسِنَتِهِمْ لا يَجُوزُ هَذَا مِنْهُمْ - وَأَشَارَ إِلَى حَلْقِهِ - مِنْ أَبْغَضِ خَلْقِ اللهِ إِلَيْهِ مِنْهُمْ أَسْوَدُ ، إِحْدَى يَدَيْهِ طُبْيُ شَاةٍ أَوْ حَلَمَةُ ثَدْيٍ ، فَلَمَّا قَتَلَهُمْ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ قَالَ : انْظُرُوا ، فَنَظَرُوا فَلَمْ يَجِدُوا شَيْئًا .
فَقَالَ : ارْجِعُوا . فَوَاللهِ مَا كَذَبْتُ وَلا كُذِبْتُ مَرَّتَيْنِ أَوْ ثَلاثًا . ثُمَّ وَجَدُوهُ فِي خَرِبَةٍ .
فَأَتَوْا بِهِ حَتَّى وَضَعُوهُ بَيْنَ يَدَيْهِ . قَالَ عُبَيْدُ اللهِ : وَأَنَا حَاضِرُ ذَلِكَ مِنْ أَمْرِهِمْ وَقَوْلِ عَلِيٍّ فِيهِمْ . 1067( 158 ) [937] وَمِنْ حديث عَبْدِ اللهِ بْنِ الصَّامِتِ : يَخْرُجُونَ مِنَ الدِّينِ كَمَا يَخْرُجُ السَّهْمُ مِنَ الرَّمِيَّةِ ، ثُمَّ لا يَعُودُونَ فِيهِ ، هُمْ شَرُّ الْخَلْقِ وَالْخَلِيقَةِ ) .
وقوله : ( لا تجاوز صلاتُهم تراقيَهم ) ؛ هو كناية عن أنها لا تقبل ، ولا ينتفعون بها ، أو يعني بذلك : أن دعاءهم لا يسمع ، والله أعلم . وقوله : ( لو يعلم الجيش الذين يصيبونهم ما قضي لهم على لسان نبيهم لاتَّكلوا على العمل ) ، قضي معناه : حكم به ، وأخبر عن ثوابه ، والعمل: يعني به : قتلهم ، والألف واللام في العمل للعهد ، فكأنه قال : لاتَّكلوا على ثواب ذلك العمل ، واعتَمدوا عليه في النجاة من النار ، والفوز بالجنة ، وإن كانت الأعمال لا تُحصّل ذلك ، كما قال - صلى الله عليه وسلم - : ( لن ينجي أحدًا منكم عمله ) ، لكن ذلك العمل الذي هو قتلهم عظيم ، وثوابه جسيم ، بحيث لو اطلع عليه صاحبه ؛ لاعتمد عليه ، وظن أنه هو الذي ينجيه . والرواية في ذلك اللفظ : لاتَّكلوا بلام ألف ، وبالتاء باثنتين ، من التوكُّل ، وقد صحّفه بعضهم فقال : لنكلوا بالنون من النكول عن العمل .
أي : لا يعملون شيئًا ؛ اكتفاء بما حصل لهم من ثواب ذلك . وهذا معنى واضح لو ساعدته الرواية . و العضد : ما بين المنكب والمرفق .
وحلمة الثدي : الأنبوبة التي يخرج منها اللبن ، وتسمى السعدانة . و سرح الناس : مواشيهم . وقول سلمة : فنزلني زيد منزلاً ؛ أي : أخبرني بالمواضع التي نزلها علي مع جيشه منزلا منزلاً واحدًا واحدًا ، وصوابه : منزلاً منزلاً مرتين ؛ لأن معناه : أخبرني بالمنازل مفصَّلة ، فهو منصوب على الحال ، كما تقول العرب : علّمته الحساب بابًا بابًا .
ولا يكتفى في هذا النوع بذكر مرة واحدة ؛ لأنه لا يفيد ذلك المعنى ، غير أنه وقع هنا منزلاً مرة واحدة ، لجميع رواة مسلم فيما أعلم . وقد جاء من كتاب النسائي : منزلاً منزلاً ، وهو الصحيح . وقول زعيم الخوارج : ألقُوا الرماح ، وسُلُّوا السيوف ؛ كان في هذا الرأي فتح للمسلمين ، وصيانة لدمائهم ، وتمكين من الخوارج ؛ بحيث تُمُكّنَ منهم بالرماح ، فَطُعِنُوا ولم يكن لهم بما يطعنون أحدًا ، فَقُتِلوا عن بكرة أبيهم ، ولم يقتل من المسلمين سوى رجلين ، فنعوذ بالله من تدبير يقود إلى تدمير .
وقوله : فوحَّشوا برماحهم ؛ أي : صيروها كالوحش بعيدة منهم ، وقد جاء في حديث آخر : فوحّشوا بأسنَّتِهم ، واعتنق بعضهم بعضًا . وهو مُشَدَّد الحاء ، يقال : وحّش الرجل ، إذا رمى بثوبه وبسلاحه مخافة أن يلحق ، قال الشاعر : فإن أنتم لم تطلبوا بأخيكم فذروا السلاح ، ووحِّشوا بالأبرق وقوله : وشجرهم الناس برماحهم ؛ أي : داخلوهم وطاعنوهم . قال ابن دريد : تشاجر القوم بالرماح ، إذا تطاعنوا بها ، ومنه : التشاجر في الخصومة .
وعبيدة السلماني - بفتح العين وكسر بائه - ، والسلماني - بفتح اللام وسكونها معًا ، وبالسكون وحده - ؛ ذكره الجبّائي قال : هو منسوب إلى سلمان . وقوله : آلله الذي لا إله إلا هو ؛ بمد وهمزة ، فالهمزة عوض من باء القسم ، وهو قسم أُقسم عليه به ؛ لتزيد طمأنينة قلبه ، لا ليدفع شكًّا عن نفسه .