باب فضل صيام يوم عرفة وترك صيامه لمن كان بعرفة
( 13 ) باب فضل صيام يوم عرفة وترك صيامه لمن كان بعرفة 1162 ( 196 و 197 ) [992] عَنْ أَبِي قَتَادَةَ الْأَنْصَارِيِّ ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- سُئِلَ عَنْ صَوْمِهِ ، قَالَ: فَغَضِبَ رَسُولُ اللَّهِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- ، فَقَالَ عُمَرُ: رَضِينَا بِاللَّهِ رَبًّا وَبِالْإِسْلَامِ دِينًا وَبِمُحَمَّدٍ رَسُولاً ، وَبَيْعَتُنَا بَيْعَةٌ . زاد في رواية : نَعُوذُ بِاللَّهِ مِنْ غَضَبِ اللَّهِ وَغَضَبِ رَسُولِهِ ، فَجَعَلَ عُمَرُ يُرَدِّدُ هَذَا الْكَلَامَ حَتَّى سَكَنَ غَضَبُهُ . قَالَ: فَسُئِلَ عَنْ صِيَامِ الدَّهْرِ ؟ فَقَالَ: لَا صَامَ وَلَا أَفْطَرَ ( أَوْ مَا صَامَ وَمَا أَفْطَرَ ) قَالَ: فَسُئِلَ عَنْ صيامِ يَوْمَيْنِ وَإِفْطَارِ يَوْمٍين قَالَ: وَمَنْ يُطِيقُ ذَلِكَ ؟ ! قَالَ: وَسُئِلَ عَنْ صَوْمِ يَوْمٍ وَإِفْطَارِ يَوْمَيْنِ ؟ قَالَ: لَيْتَ أَنَّ اللَّهَ قَوَّانَا على ِذَلِكَ ، قَالَ: وَسُئِلَ عَنْ صَياْمِ يَوْمٍ وَإِفْطَارِ يَوْمٍ ؟ قَالَ: ذَلكَ صياْمُ أَخِي دَاوُدَ ، قَالَ: وَسُئِلَ عَنْ صَوْمِ يَوْمِ الإثْنَيْنِ ؟ قَالَ: ذَلكَ يَوْمٌ وُلِدْتُ فِيهِ ، وَيَوْم بُعِثْتُ ( أَوْ أُنْزِلَ عَلَيَّ فِيهِ ) قَالَ: فَقَالَ: صَوْمُ ثَلَاثَةٍ مِنْ كُلِّ شَهْرٍ ، وَرَمَضَانَ إِلَى رَمَضَانَ صَوْمُ الدَّهْرِ ، قَالَ: وَسُئِلَ عَنْ صَوْمِ يَوْمِ عَرَفَةَ فَقَالَ: يُكَفِّرُ السَّنَةَ الْمَاضِيَةَ وَالْبَاقِيَةَ قَالَ: وَسُئِلَ عَنْ صَوْمِ يَوْمِ عَاشُورَاءَ .
فَقَالَ: يُكَفِّرُ السَّنَةَ الْمَاضِيَةَ . ج٣ / ص١٨٥( 13 ) ومن باب: فضل صيام يوم عرفة قول أبي قتادة : ( سئل رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عن صومه فغضب ) ؛ غضبه عند هذا السؤال يحتمل أوجهًا : أحدها : أنه فهم عن السائل: أنه إنما سأل عن صومه ليلتزمه ، وربما يعجز عنه ، فغضب لذلك ، ولم يجبه . وثانيها : أنه فهم أن السَّائل إنما سأل ليعلم مقدار ذلك فيزيد عليه ، كما قد سأل نفر عن عبادة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فتقالّوها ، وقالوا : قد غفر الله لك ما تقدم من ذنبك .
فقال أحدهم : أما أنا: فأصوم ولا أفطر . وقال الآخر : أما أنا: فأصلي الليل ولا أنام . وقال الآخر : أما أنا : فلا أنكح النساء .
فقال النبي - صلى الله عليه وسلم - : ( أما أنا فأصلي وأنام ، وأصوم وأفطر ، وأنكح النساء ، فمن رغب عن سنَّتي فليس منِّي ) . وثالثها : لعلَّه إنما غضب لما يؤدي إليه من إظهار عمل السرّ ، كما قال صلى الله عليه وسلم : ( إن من شرِّ الناس المجاهرين ) ؛ قيل : ومن هم ؟ قال : ( الرجل يعمل العمل بالليل ، فيقول : يا فلان ! عملت البارحة كذا . فيبيت يستره ربُّه ، ويصبح فيكشف ستر الله عنه ) .
وقد ذكر في ذلك أوجه هذه أقربها ، والله تعالى أعلم . ج٣ / ص١٨٦وقول عمر : ( رضينا . ) إلخ ؛ يقتضي تسكين غضب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - من حيث : إنه يقتضي الطواعية الكلية ، والانقياد التام ، ويتضمن ذلك : مرنا بأمرك ننفذه على أي وجه ، وفي أي محل ، ومن حيث : التعوذ بالله وبرسوله ، وهو الالتجاء إليهما ، والاستجارة بهما من غضبهما .
وقد كان عمر - رضي الله عنه - جعل هذا الكلام هِجِّيراه مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - كلما غضب ، فإنه قد روي : أنه قال له هذا الكلام مرارًا في مواطن متعددة . وقوله - صلى الله عليه وسلم - وقد سئل عن صيام الأبد فقال - : ( لا صام ولا أفطر ) ؛ يحتمل أن يكون دعا عليه ، لا أنه أخبر عنه ، ويحتمل أن يكون خبرًا عن أنه لم يأت بشيء . ووجه ذلك : أن من سرد الصوم صار له عادة ، ولم يجد له مشقة ، فيعود النهار في حقه كالليل في حق غيره ، فكأنه ما صام ؛ إذ لم يجد ما يجده الصائم ، ولا أفطر لصورة الصوم ، وتكون ( لا ) بمعنى ( ما ) ؛ كما قال تعالى : فَلا صَدَّقَ وَلا صَلَّى وحمل كثير من العلماء هذا على ما إذا صام الأيام المحرمة ، فأما لو أفطرها : فكرهه قوم ، وأجازه آخرون .
وقال أبو الطاهر بن بشير : وهو مستحب . وهذا أبعدها . وقوله - وقد سئل عن صوم يوم وإفطار يومين: ( ليت أن الله قوَّانا على ذلك ) ؛ يشكل مع وصاله ، وقوله : ( إني أبيت أطعم وأسقى ) .
ويرتفع الإشكال : بأن ج٣ / ص١٨٧هذا كان منه - صلى الله عليه وسلم - في أوقات مختلفة : ففي وقت : يواصل الأيام بحكم القوَّة الإلهية . وفي آخر : يضعف ؛ فيقول هذا بحكم الطباع البشرية . ويمكن أن يقال : تمنَّى ذلك دائمًا ، بحيث لا يخل بحق من الحقوق التي يخل بها من أدام صومه : من القيام بحقوق الزوجات ، واستبقاء القوة على الجهاد ، وأعمال الطاعات ، والله تعالى أعلم .
وقوله في يوم الإثنين : ( فيه ولدتُّ ، وفيه أنبئتُ ، وفيه أُنزل عليَّ ) . قلت : وفيه مات . وكل هذا دليل على فضل هذا اليوم مع ما قد ثبت : أنه صلى الله عليه وسلم كان يصوم يوم الخميس ، ويقول فيه وفي يوم الإثنين : ( إنهما يومان تعرض فيهما الأعمال على ربِّ العالمين ، فأحب أن يعرض عملي وأنا صائم ) .
وقوله : ( صيام ثلاثة أيام من كل شهر ، ورمضان إلى رمضان صوم الدهر ) ؛ هذا إنما كان لأن الحسنة بعشر أمثالها . فثلاث من كل شهر كالشهر بالتضعيف ، ورمضان بغير تضعيف شهر ، فيكمل دهر السنة . فإن اعتبر رمضان بتضعيفه كان بإزاء عشرة أشهر ، فإذا أضيفت ستة أيام شوال كان له صوم ستين بالتضعيف .
وعلى مقتضى مساق هذا الحديث ، وعلى ما تقرر من معناه : تستوي أيام الشهر كلها ، ولا فرق بين أن يصوم هذه الثلاثة أيام أول الشهر ، أو وسطه ، أو آخره . وكذلك قالت عائشة : لم يكن يبالي من أي أيام الشهر كان يصومها . غير أن ج٣ / ص١٨٨النسائي روى هذا الحديث عن جرير ، وقال فيه : صيام ثلاثة أيام من كل شهر صيام الدهر ، ( أيام البيض ) صبيحة ثلاث عشرة وأربع عشرة وخمس عشرة .
وهذا يقتضي تخصيص الثلاثة بأيام الليالي البيض ، وهذا - والله تعالى أعلم - لأن الليالي البيض ، وقت كمال القمر ، ووسط الشهر ، وخير الأمور أوساطها ، وقد قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لرجل : ( هل صمت من سرة شعبان شيئًا ؟ ) . يعني: وسطه وفي رواية أخرى : ( من سُرَر ) ، مكان ( سُرة ) ، وسيأتي . وقال ابن حبيب : تصام الثلاثة الأيام : أول يوم من الشهر ، والعاشر ، والعشرين .
قال : وبلغني أن هذا صوم مالك . وفي تسمية عرفة : بعرفة ، قولان : أحدهما : أن جبريل كان يُري إبراهيم المناسك ، فيقول : عرفتُ ، عرفتُ . وثانيهما : أن آدم وحواء تعارفا هنالك .
وقوله في صيام يوم عرفة : ( يكفر السنة التي قبله ) ؛ يعني السنة التي هو ج٣ / ص١٨٩فيها ؛ لأنه في أواخر السَّنة ، والتي بعدها : يعني التي تأتي متصلة بشهر يوم عرفة . وعاشوراء : يكفر السَّنة التي بعده ؛ لأنه في أوائل السَّنة الآتية .