باب في صيام يوم عاشوراء وفضله
( 136 و 137 ) [1001] وَعَنْ الرُّبَيِّعِ بِنْتِ مُعَوِّذِ بْنِ عَفْرَاءَ ، قَالَتْ: أَرْسَلَ رَسُولُ اللَّهِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- غَدَاةَ عَاشُورَاءَ إِلَى قُرَى الْأَنْصَارِ الَّتِي حَوْلَ الْمَدِينَةِ : مَنْ كَانَ أَصْبَحَ صَائِمًا فَلْيُتِمَّ صَوْمَهُ ، وَمَنْ كَانَ أَصْبَحَ مُفْطِرًا فَلْيُتِمَّ بَقِيَّةَ يَوْمِهِ ، فَكُنَّا بَعْدَ ذَلِكَ نَصُومُهُ وَنُصَوِّمُ صِبْيَانَنَا الصِّغَارَ مِنْهُمْ إِنْ شَاءَ اللَّهُ ، وَنَذْهَبُ إِلَى الْمَسْجِدِ فَنَجْعَلُ لَهُمْ اللُّعْبَةَ مِنْ الْعِهْنِ ، فَإِذَا بَكَى أَحَدُهُمْ عَلَى الطَّعَامِ أَعْطَيْنَاهَا إِيَّاهُ عِنْدَ الْإِفْطَارِ . وَفِي رِوَايَةٍ : وَنَصْنَعُ لَهُمْ اللُّعْبَةَ مِنْ الْعِهْنِ ، فَنَذْهَبُ بِهِ مَعَنَا ، فَإِذَا سَأَلُوا الطَّعَامَ أَعْطَيْنَاهُمْ اللُّعْبَةَ تُلْهِيهِمْ حَتَّى يُتِمُّوا صَوْمَهُم . وقول الرُّبَيْع : ( أرسل رسول الله - صلى الله عليه وسلم - غداة عاشوراء إلى قرى الأنصار ) ؛ أي : إلى قرى المدينة .
وإنما خصَّ هذا الوقت بالإرسال ؛ لأنه الوقت الذي أوحي إليه فيه في شأن صوم عاشوراء . وهذا مما يدل على أنه كان واجبًا ؛ إذ لا ينتهي الاعتناء بالندب غالبًا إلى أن يفعل فيه هكذا من الإفشاء ، والأمر به ، وبيان أحكامه ، والإبلاغ لمن بَعُدَ ، وشدة التهمم . ولما فهمت الصحابة هذا التزموه ، وحملوا عليه صغارهم الذين ليسوا بمخاطبين بشيء من التكاليف تدريبًا ، وتمرينًا ، ومبالغة في الامتثال والطواعية .
على أن جمهور من قال من العلماء : إن الصغار يؤمرون بالصلاة وهم أبناء سبع ، ويضربون عليها وهم أبناء عشر ؛ ذهبوا إلى أنهم : لا يؤمرون بالصوم لمشقته عليهم ، بخلاف الصلاة . وقد شذَّ عروة فقال : إن من أطاق الصوم منهم وجب عليه . وهذا مخالف لما عليه جمهور المسلمين ؛ ولقوله - صلى الله عليه وسلم - : ( رفع القلم عن ثلاثة : عن الصبي حتى يبلغ ، وعن المجنون حتى يفيق ، وعن النائم حتى يستيقظ ) ، ولقوله تعالى : وَإِذَا بَلَغَ الأَطْفَالُ مِنْكُمُ الْحُلُمَ فَلْيَسْتَأْذِنُوا وقوله في حديث سلمة بن الأكوع : ( من كان لم يصم فليصم ، ومن كان أكل فليتم صومه إلى الليل ) ؛ ظاهر هذا : جواز إحداث نية الصوم في أضعاف النهار ، ولا يلزم التبييت .
وقد اختلف في ذلك : فذهب أبو حنيفة ، والثوري ، والشافعي ، وأحمد ، وإسحاق ، وأبو ثور : إلى جواز ذلك في النفل . وخصَّ طائفة منهم جواز ذلك بما قبل الزوال ؛ منهم : الشافعي في أحد قوليه . وذهب مالك ، وابن أبي ذئب ، والليث ، والمزني : إلى أنه لا يصح صوم إلا بنية من الليل .
وذهب الكوفيون : إلى أن كل ما فرض من الصوم في وقت معين ؛ فإنه لا يحتاج إلى تبييت نية ، ويجزئه إذا نواه قبل الزوال . وهو قول الأوزاعي ، وإليه ذهب عبد الملك بن الماجشون ، ورواه عن مالك فيمن لم يعلم برمضان إلا في يومه . وذهب مالك في المشهور عنه ، والشافعي ، وأحمد ، وعامتهم : إلى أن الفرض لا يجزئ إلا بنية من الليل .
وهذا هو الصحيح بدليل ما رواه النسائي عن حفصة ، والدارقطني عن عائشة : أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال : ( لا صيام لمن لم يبيت الصيام من الليل ) . وغاية ما قيل في هذا الحديث : أنه روي موقوفًا . والمسندون له ثقات .
ولا حجة فيما تقدم من ابتداء الصيام في يوم عاشوراء ؛ لأنه كان ذلك في أول الأمر ، وهو منسوخ كما قد تقدم . ولو سلم أنه ليس بمنسوخ ؛ لأمكن أن يقال بموجبه . فإن من تذكر فرض صوم يوم هو فيه ، أو ثبت أنه صوم يومه لزمه إتمام صومه .
وهذا مما لا يختلف فيه ، لكن عليه قضاؤه ؛ إذ الصوم المطلوب منه لم يأت به ؛ فإنه طلب منه صوم يوم كامل ، وهذا بعض يوم . هذا مع ما قد رواه أبو داود من أنه قال - صلى الله عليه وسلم - : ( فأتموا بقية يومكم واقضوه ) ؛ يعني : عاشوراء . وقولها : ( ونصنع لهم اللعبة من العهن ) .
اللعبة : ما يُلعب به . والعهن : الصوف الأحمر . ونلهيهم : نشغلهم .
وهذا أمر فعله النساء بأولادهن ، ولعل النبي - صلى الله عليه وسلم - لم يعرف ذلك ، وبعيد أن يأمر النبي - صلى الله عليه وسلم - بذلك ؛ لأنه تعذيب صغير بعبادة شاقة غير متكررة في السَّنة .