حَـدِيثابحث في الموسوعة — حديث، راوٍ، موضوع…⌘K
المفهم لما أشكل من تلخيص مسلم

باب كراهية سرد الصوم وبيان أفضل الصوم

) باب كراهية سرد الصوم ، وبيان أفضل الصوم 1159 ( 186 ) [1026] عَنْ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ ، قال : بَلَغَ نَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- أَنِّي أَصُومُ أَسْرُدُ ، وَأُصَلِّي اللَّيْلَ ، فَإِمَّا أَرْسَلَ إِلَيَّ وَإِمَّا لَقِيتُهُ فَقَالَ: أَلَمْ أُخْبَرْ بك أَنَّكَ تَصُومُ وَلَا تُفْطِرُ وَتُصَلِّي اللَّيْلَ ؟ فَلَا تَفْعَلْ . وَفِي رِوَايَةٍ : قال : فَإِنَّكَ إِذَا فَعَلْتَ ذَلِكَ هَجَمَتْ عَيْنَاكَ وَنَفِهَتْ نَفْسُكَ ، فَإِنَّ لِعَيْنِكَ حَظًّا ، وَلِنَفْسِكَ حَظًّا ، وَلِأَهْلِكَ حَظًّا ، فَصُمْ وَأَفْطِرْ ، وَصَلِّ وَنَمْ ، وَصُمْ مِنْ كُلِّ عَشْرَةِ أَيَّامٍ يَوْمًا ، وَلَكَ أَجْرُ تِسْعَةٍ . قَالَ: إِنِّي أَجِدُنِي أَقْوَى مِنْ ذَلِكَ يَا نَبِيَّ اللَّهِ! قَالَ: َصُمْ صِيَامَ دَاوُدَ قَالَ: وَكَيْفَ كَانَ دَاوُدُ يَصُومُ يَا نَبِيَّ اللَّهِ ؟ ! قَالَ: كَانَ يَصُومُ يَوْمًا وَيُفْطِرُ يَوْمًا ، وَلَا يَفِرُّ إِذَا لَاقَى .

قَالَ: مَنْ لِي بِهَذِهِ يَا نَبِيَّ اللَّهِ ؟ ! قَالَ: عَطَاءٌ: فَلَا أَدْرِي كَيْفَ ذَكَرَ صِيَامَ الْأَبَدِ ، فَقَالَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- : لَا صَامَ مَنْ صَامَ الْأَبَدَ ، لَا صَامَ مَنْ صَامَ الْأَبَدَ . ( 22 ) ومن باب: كراهية سرد الصوم حديث عبد الله بن عمرو اشتهر وكثر رواته ، فكثر اختلافه حتى ظن من لا بصيرة عنده: أنه مضطرب . وليس كذلك ؛ فإنه إذا تتبع اختلافه ، وضم بعضه إلى بعض انتظمت صورته ، وتناسب مساقه ؛ إذ ليس فيه اختلاف تناقض ، ولا تهاتر ، بل يرجع اختلافه إلى أن ذكر بعضهم ما سكت عنه غيره ، وفصل بعض ما أجمله غيره .

وسنشير إلى بعضه إن شاء الله تعالى . وقوله : ( ألم أُخْبَر أنك تصوم ولا تفطر ، وتصلي ) ؛ هذا إنما فعله عبد الله بعد أن التزمه بقوله : ( لأصومن النهار ، ولأقومن الليل ما عشت - كما جاء في الرواية الأخرى- فبلغ ذلك النبي - صلى الله عليه وسلم - ، فحكى بعض الرواة الفعل ، وحكى بعضهم القول . وقوله : ( لا تفعل ) نهي عن الاستمرار في فعل ما التزمه لأجل ما يؤدي إليه من المفسدة التي نبه عليها بقوله : ( فإنك إذا فعلت ذلك هجمت عيناك ) ؛ قال المفسرون : أي : غارتا ودخلتا .

قلت : وتحقيقه : هجمت على الضرر دفعة واحدة . فإن الهجم هو : أخذ الشيء بسرعة بغتة . ويحتمل أن يكون معناه : هجمت العين عليه بغلبة النوم لكثرة السَّهر السابق ، فينقطع عما التزم ، فيدخل في ذمّ من ابتدع رهبانية ولم يرعها ، وكما قال له : ( يا عبد الله ! لا تكن مثل فلان ؛ كان يقوم الليل ، فترك قيام الليل ) .

وقوله : ( ونفهت نفسك ) ؛ أي : أعيت ، وضعفت عن القيام بذلك ، كما قال في لفظ آخر : ( نهكت نفسك ) . وقوله : ( فإن لعينك حظًّا ، ولنفسك حظًّا ) ؛ أي : من الرفق بهما ، ومراعاة حقهما ، وقد سمى في الرواية الأخرى : الحظ : ( حقا ) ؛ إذ هو بمعناه ، وزاد : ( فإن لزوجك عليك حقًّا ، ولزورك عليك حقًّا ) ، وفي لفظ آخر : ( ولأهلك ) مكان ( ولزوجك ) . وأما حق الزوجة فهو في الوطء ، وذلك إذا سرد الصوم ، ووالى القيام بالليل منعها بذلك حقها منه .

وأما حق الزور - وهو الزائر والضيف - فهو : القيام بإكرامه ، وخدمته ، وتأنيسه بالأكل معه . وأما الأهل فيعني به هنا : الأولاد ، والقرابة . وحقهم : هو في الرفق بهم ، والإنفاق عليهم ، ومؤاكلتهم ، وتأنيسهم .

وملازمة ما التزم من سرد الصوم ، وقيام الليل يؤدي إلى امتناع تلك الحقوق كلها . ويفيد : الحقوق إذا تعارضت قدم الأولى . وقوله : ( صم من كل عشرة يومًا ) ؛ هذا في المعنى موافق للرواية التي قال فيها : ( صم من كل شهر ثلاثة أيام ، فإن الحسنة بعشر أمثالها ) ؛ وكذلك قوله في الرواية الأخرى : ( صم يومًا ولك أجر ما بقي ) ، على ما يأتي .

وهذا الاختلاف وشبهه من باب النقل بالمعنى . وقوله : ( فصم صوم داود ) ؛ هكذا جاء في هذه الرواية ، سكت فيها عن المراتب التي ثبتت في الرواية الآتية بعد هذا ، وذلك أن فيها نقلة من صيام ثلاثة أيام في الشهر إلى أربعة فيها ، ومنها إلى صوم يومين وإفطار يومين ، ثم منها إلى صوم يوم وإفطار يوم . وهذا محمول على أن النبي - صلى الله عليه وسلم - دَرَّجَه في هذه المراتب هكذا ، لكن بعض الرواة سكت عن ذكر بعض المراتب إما نسيانًا ، أو اقتصارًا على قدر ما يحتاج إليه في ذلك الوقت ، ثم في وقت آخر ذكر الحديث بكماله .

وقوله : ( فصم صوم داود ؛ فإنه كان أعبد الناس ) ؛ إنما أحاله على صوم داود ، ووصفه : بأنه كان أعبد الناس لقوله تعالى : وَاذْكُرْ عَبْدَنَا دَاوُدَ ذَا الأَيْدِ إِنَّهُ أَوَّابٌ قال ابن عباس : الأَيْدِ هنا : القوة على العبادة . و( الأوَّاب ) : الرجَّاع إلى الله تعالى وإلى عبادته ، وتسبيحه . وقوله : ( ولا يفرُّ إذا لاقى ) ؛ تنبيه على أن صوم يوم ، وإفطار يوم لا يضعف ملتزمه ، بل يحفظ قوته ، ويجد من الصوم مشقته كما قدمناه ، وذلك بخلاف سرد الصوم فإنه ينهك البدن والقوة ، ويزيل روح الصوم ؛ لأنه يعتاده ، فلا يبالي به ، ولا يجد له معنى .

وقول عبد الله بن عمرو : ( من لي بهذه ) ؛ إشارة إلى استبعاد عدم الفرار ، وتمني أن لو كانت له تلك القوة . ومعنى قوله : ( من لي بهذا الشيء ) ؛ أي : من يتكفل لي به ؟ أو من يحصله لي ؟ . وقول عطاء : ( فلا أدري كيف ذكر صيام الأبد ؟ ) .

هو شكٌّ عرض للراوي ، ثم قال بعد أن عرض له ذلك الشك : ( لا صام من صام الأبد ) ، فأتى بصوم الأبد على هذا اللفظ من غير شك ولا تردد ، بل حقق نقله ، وحرر لفظه . وأما الذي تقدم في حديث أبي قتادة : فإنه شك في أي اللفظين قال ، فذكرهما ، فقال فيه : قال : يا رسول الله! كيف من يصوم الدهر ؟ ! قال : ( لا صام ، ولا أفطر ) ، أو : ( لم يصم ، ولم يفطر ) . وقد تقدم القول على صوم الدهر .

و( الأبد ) : من أسماء الدهر . والمراد به هنا : سرد الصوم دائمًا ، والله تعالى أعلم .

هذا المحتوى شرحٌ لـ1 حديث
موقع حَـدِيث