حَـدِيثابحث في الموسوعة — حديث، راوٍ، موضوع…⌘K
المفهم لما أشكل من تلخيص مسلم

باب ما يجتنبه المحرم من اللباس والطيب

[1049] وَعَنْ يَعْلَى بن أمية ، وقال لِعُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ : لَيْتَنِي أَرَى نَبِيَّ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- حِينَ يُنْزَلُ عَلَيْهِ ، فَلَمَّا كَانَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- بِالْجِعْرَانَةِ وَعَلَى النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- ثَوْبٌ قَدْ أُظِلَّ بِهِ عَلَيْهِ ، مَعَهُ فيه نَاسٌ مِنْ أَصْحَابِهِ ، فِيهِمْ عُمَرُ إِذْ جَاءَهُ رَجُلٌ عَلَيْهِ جُبَّةُ مُتَضَمِّخٌ بِطِيبٍ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ! كَيْفَ تَرَى فِي رَجُلٍ أَحْرَمَ بِعُمْرَةٍ فِي جُبَّةٍ بَعْدَ مَا تَضَمَّخَ بِطِيبٍ ؟ فَنَظَرَ إِلَيْهِ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- سَاعَةً ثُمَّ سَكَتَ ، فَجَاءَهُ الْوَحْيُ . فَأَشَارَ عُمَرُ بِيَدِهِ إِلَى يَعْلَى بْنِ أُمَيَّةَ : تَعَالَ فَجَاءَ يَعْلَى فَأَدْخَلَ رَأْسَهُ فَإِذَا النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- مُحْمَرُّ الْوَجْهِ يَغِطُّ سَاعَةً ، ثُمَّ سُرِّيَ عَنْهُ ، فَقَالَ: أَيْنَ الَّذِي يسَأَلَنِي عَنْ الْعُمْرَةِ آنِفًا ؟ فَالْتُمِسَ الرَّجُلُ فَجِيءَ بِهِ ، فَقَالَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- : أَمَّا الطِّيبُ الَّذِي بِكَ فَاغْسِلْهُ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ وَأَمَّا الْجُبَّةُ فَانْزِعْهَا ، ثُمَّ اصْنَعْ فِي عُمْرَتِكَ مَا تَصْنَعُ فِي حَجِّكَ . وقد رواه من طرق ، ولم يذكر في شيء منها ثلاث مرات .

وَفِي رِوَايَةٍ : فَقَالَ السائل: إِنِّي أَحْرَمْتُ بِالْعُمْرَةِ وَعَلَيَّ هَذَا ، وَأَنَا مُتَضَمِّخٌ بِالْخَلُوقِ ، فَقَالَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- : مَا كُنْتَ صَانِعًا فِي حَجِّكَ ؟ فقَالَ: أَنْزِعُ عَنِّي هَذه الثِّيَابَ ، وَأَغْسِلُ عَنِّي هَذَا الْخَلُوقَ ، فَقَالَ لَهُ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- : مَا كُنْتَ صَانِعًا فِي حَجِّكَ فَاصْنَعْهُ فِي عُمْرَتِكَ . و( الجعرانة ) : ميقات من مواقيت العمرة ، وفيه لغتان : التشديد في الراء ، والكسر في العين ، والتخفيف في الراء والإسكان في العين . و ( المتضمخ ) : المتدهن بالطيب .

و( الخلوق ) : بفتح الخاء : أخلاط من الطيب تجمع بالزعفران . و( الغَطُّ والغَطِيط ) : هو صوت النفس المتردد الذي يخرج من النائم ، وهو البُهْرُ الذي كان يغشاه عند معاينة الْمَلَك ، وكانت تلك الحالة أشدُّ الوحي عليه . و( سُرِّيَ عنه ) : كُشِف عنه .

و( آنفًا ) ؛ أي : الساعة . و( يلتمس ) : يطلب . وقوله : ( أما الطيب فاغسله ) ؛ دليل على منع الْمُحْرِم من استعمال الطيب في جسده ، ووجه هذا المنع أن الطيب داعية من دواعي النكاح - على ما قدمناه - ، ولا خلاف في منعه من الطيب بعد تلبسه بالإحرام ، واختلف في استعماله قبل الإحرام ، واستدامته بعد الإحرام : فمنعه مالك تمسّكًا بهذا الحديث ، وأجاز ذلك الشافعي تمسكًا بحديث عائشة ؛ قالت : كنت أطيِّب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لإحرامه قبل أن يحرم .

وفي أخرى : كأني أنظر إلى وبيص الطيب في مفرق رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وهو محرم ، واعتذر عن الحديث الأول بأن قال : إنما أمره بغسل ما عليه منه لأن ذلك الطيب كان زعفرانًا ، وقد نهى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - الرَّجل عن المَّزَعُفُر ، وإن لم يكن مُحْرِمًا . وهذا التأويل يأباه مساق الحديث ، فتأمله . وقد تأول أصحابنا حديث عائشة تأويلات ؛ أقربها تأويلان : أحدهما : أن ذلك الوبيص الذي أبصرته عائشة إنما كان بقايا دهن ذلك الطيب ، تعذَّر قلعها ، فبقيت بعد أن غُسِلت .

وثانيهما : قاله أبو الفرج من أصحابنا : إن ذلك من خواصه - صلى الله عليه وسلم - ؛ لأن المحرم إنما مُنِع من الطيب لئلا يدعوه إلى الجماع ، والنبي - صلى الله عليه وسلم - أملك الناس لإِرْبِه ؛ كما قالت عائشة -رضي الله عنها- ، وقد ظهرت خصائصه في باب النكاح كثيرًا . وقوله : ( فاغسله ثلاث مرات ) ؛ دليل على المبالغة في غسله ، حتى يذهب ريحه ، وأثره ، لا أن ثلاثًا حدٌّ في هذا الباب . ويحتمل : أن ثلاثًا راجع إلى تكرار قوله : ( فاغسله ) ، فكأنه قال : اغسله ، اغسله ، اغسله .

يدل على صحته ما قد روي من عادته - صلى الله عليه وسلم - في كلامه ، فإنه كان إذا تكلم بكلمة أعادها ثلاثًا . وقوله : ( وأما الجبة فانزعها ) ؛ ردٌّ على الشعبي ، والنخعي حيث قالا : إن ذلك الثوب يُشق ؛ لأنه إذا خلعه من رأسه غطى رأسه ، والمحرم ممنوع من تغطية رأسه . وهذا ليس بشيء ؛ لأنا لا نسلم أن هذه التغطية منهي عنها ؛ لأنه لا ينفك عن المنهي إلا بها ، فصار هذا الْخَلْع مأمورًا به ، فلا يكون هو الذي نُهي عنه المحرم .

ويجري هذا مجرى من حَلَفَ ألا يلبس ثوبًا هو لابسه ، ولا يركب دابَّة هو راكبها . وأيضًا : فإن هذه التغطية لا ينتفع بها ، فلا تكون هي المنهي عنها للمحرم ، فإنه إنما نهي عن تغطية ينتفع بها على ما يأتي إن شاء الله تعالى . وقوله : ( ثم اصنع في عمرتك ما تصنع في حجك ) ؛ هذا اللفظ جاء في أكثر الروايات غير مبين المراد ، ناقصًا ، مقلوبًا .

وقد تَخَبَّط فيه كثير ممن تأوَّله على انفراده . والذي يوضح المراد منه على غايته رواية ابن أبي عمر في الأم ؛ وفيها : أن الرجل السَّائل قال للنبي - صلى الله عليه وسلم - : إني أحرمت بالعمرة وعليّ هذا ، وأنا مُتَضَمِّخ بالخلوق . فقال له النبي - صلى الله عليه وسلم - : ( ما كنت صانعًا في حجك ؟ ) قال : أنزع عني هذه الثياب ، وأغسل عني هذا الخلوق .

فقال له النبي - صلى الله عليه وسلم - : ( ما كنت صانعًا في حجك ، فاصنعه في عمرتك ) . وهذا سياق حسن . ومعنى واضح ، تلخيصه : أن الرجل كان يعرف : أن المحرم بالحج يجتنب المخيط ، والطيب .

وظن: أن حكم المحرم بالعمرة ليس كذلك ، فلبس ، وتطيب ، ثم أحرم وهو كذلك ، ثم وقع في نفسه من ذلك شيء ، فسأل النبي - صلى الله عليه وسلم - عن ذلك ؛ فقال له : ( ما كنت صانعًا في حجك فاصنعه في عمرتك ) ؛ يعني : من اجتناب ما كنت تَجْتَنِبُه فيه . وهذا معنى واضح ، ومساق حسن للحديث ، فَلْيُغْتَبَطْ به . وقد يستدل به للشافعي على قوله : إنه لا فدية على المتضمخ المحرم ، ولا على اللابس ؛ إذ لم يرو في طريقٍ من طرق هذا الحديث : أنه - صلى الله عليه وسلم - أمره بفدية .

وقد اعتذر من يُلْزِمه الفدية على ذلك عن هذا الحديث ، وهو أبو حنيفة ، فإنه يُلزمها إياه مطلقًا . ومالك ، وهو يلزمها إياه إذا انتفع بذلك ، فإنه - صلى الله عليه وسلم - لم يكن أوحي إليه في ذلك ، ولا تقدم له فيه شيء . ولمالك : بأنه لم يطل ذلك عليه ، ولم ينتفع به ، والله أعلم .

هذا المحتوى شرحٌ لـ2 حديثان
موقع حَـدِيث