باب ما جاء في الصيد وفي لحمه للمحرم
( 59 ) [1065] وَعَنْ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَبِي قَتَادَةَ قَالَ: انْطَلَقَ أَبِي مَعَ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- عَامَ الْحُدَيْبِيَةِ فَأَحْرَمَ أَصْحَابُهُ وَلَمْ يُحْرِمْ وَحُدِّثَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- أَنَّ عَدُوًّا بِغَيْقَةَ فَانْطَلَقَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- قَالَ: فَبَيْنَمَا أَنَا مَعَ أَصْحَابِهِ يَضْحَكُ بَعْضُهُمْ إِلَيَّ ، إِذْ نَظَرْتُ فَإِذَا أَنَا بِحِمَارِ وَحْشٍ ، فَحَمَلْتُ عَلَيْهِ فَطَعَنْتُهُ فَأَثْبَتُّهُ ، فَاسْتَعَنْتُهُمْ فَأَبَوْا أَنْ يُعِينُونِي ، فَأَكَلْنَا مِنْ لَحْمِهِا ، وَخَشِينَا أَنْ نُقْتَطَعَ فَانْطَلَقْتُ أَطْلُبُ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- أَرْفَعُ فَرَسِي شَأْوًا وَأَسِيرُ شَأْوًا ، فَلَقِيتُ رَجُلاً مِنْ بَنِي غِفَارٍ فِي جَوْفِ اللَّيْلِ ، فَقُلْتُ: أَيْنَ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- ؟ قَالَ: تَرَكْتُهُ بِتَعْهِنَ ، وَهُوَ قَائِلٌ السُّقْيَا ، فَلَحِقْتُهُ ، فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ! إِنَّ أَصْحَابَكَ يَقْرَءُونَ عَلَيْكَ السَّلَامَ وَرَحْمَةَ اللَّهِ ، وَإِنَّهُمْ قَدْ خَشُوا أَنْ يُقْتَطَعُوا دُونَكَ انْتَظِرْهُمْ فَانْتَظَرَهُمْ ، فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ! إِنِّي أَصَدْتُ وَمَعِي مِنْهُ فَاضِلَةٌ . فَقَالَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- لِلْقَوْمِ: كُلُوا وَهُمْ مُحْرِمُونَ . وقوله في حديث أبي قتادة : ( إن أصحابه أحرموا ، ولم يحرم هو ) ، قيل في سبب بقاء أبي قتادة غير محرم أقوال : أحدها : أنه لم تكن وُقِّتت المواقيت ، وفيه بُعد .
وثانيها : أن النبي - صلى الله عليه وسلم - بعثه في أصحابه لكشف عدوٍّ لهم بجهة السَّاحل ، على ما ذكره مسلم . وثالثها : أن أهل المدينة أرسلوه إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - ليعلمه : أن بعض العرب عزم على غزو المدينة . وقوله : ( فاستعنتهم ، فأبوا أن يعينوني ) ؛ دليل على أبي حنيفة ؛ إذ يرى : أن المعونة لا تؤثر إلا أن يكون الصيد لا يصح دونها .
وامتناعهم من المعونة مطلقًا ، ومن مناولة السَّوط ترد عليه ، بل في الرواية الآتية قوله - صلى الله عليه وسلم - : ( أمنكم أحدٌ أمره أن يحمل عليها ، أو أشار إليها ؟ ) قالوا : لا . قال : ( فكلوا ) ، ظاهره : أنه لو أعانه أحدٌ لمنعهم من أكلها . وقد اختلف في وجوب الجزاء على المحرم الدَّال للحلال ، فقال مالك ، والشافعي ، وأبو ثور : لا شيء عليه .
وقال الكوفيون ، وأحمد ، وإسحاق ، وجماعة من الصحابة ، والتابعين : عليه الجزاء . وكذلك اختلفوا في المحرم إذا دلَّ محرمًا آخر ؛ فذهب الكوفيون ، وأشهب من أصحابنا : إلى أن على كل واحد منهم جزاء . وقال مالك ، والشافعي وأبو ثور : الجزاء على المحرم القاتل .
وكذلك الخلاف فيما لو أعانه بالرمح ، أو بالسَّوط ، وبأي معونة كانت . وقال بعض شيوخنا : لو أشار إليه ليصيد ؛ لكان دالاًّ ، ويجري فيه الخلاف المتقدم . وقوله : ( أرفع فرسي شأوًا ، وأسير شأوًا ) ؛ أي : أرفع في سيره ، وأجريه .
و( الشأو ) : الطَّلق . وقوله : ( خشينا أن نقتطع ) ؛ أي : خفنا أن يحال بيننا وبينهم ، ويقطع بنا عنهم . وقوله : ( أصدت ) ؛ أصله : أصطدت ، فأدغمت الطاء في الصاد لتقاربهما .
وقوله - صلى الله عليه وسلم - للقوم : ( كلوا ) وهم محرمون ، وأكله منه وهو محرم ؛ دليل على من منع المحرم من أكل لحم الصيد . وهو مروي عن عطاء ، وابن عبَّاس ، وجماعة من السَّلف ، وهو قول سفيان الثوري ، وإسحاق . وذكر نحوه عن مالك والليث .
وقوله : ( فجعل بعضهم يضحك إلى بعض ) ؛ لم يكن ضحكهم لينبهوه على الصيد ، وإنما كان - والله أعلم - تعجبًا من إتيان هذا الصيد ، وتأتي صائده الحلال له ولم يفطن له . وأما لو ضحك منبهًا: فقال الداودي : لم يمنع من أكله . قلت : ولا بُعد في أن يقال : إن ذلك كالإشارة ؛ إذ قد حصل منه ما يحصل من المشير من التنبيه .
وقوله : ( تركته بتعهن ) ، قائل السُّقيا . قائل : اسم فاعل من القول ، ومن القائلة أيضًا ، والأول هو المراد هنا ، والسقيا: مفعول بفعل مضمر ، كأنه قال : اقصدوا السقيا .