باب من بعث بهدي لا يلزمه أن يجتنب ما يجتنبه المحرم وفي ركوب الهدي
[1177] وعَنْ أبي هريرة أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- رَأَى رَجُلاً يَسُوقُ بَدَنَةً - وَفِي رِوَايَةٍ : مقلدة - فَقَالَ: ارْكَبْهَا فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ! إِنَّهَا بَدَنَةٌ فَقَالَ: ارْكَبْهَا وَيْلَكَ فِي الثَّانِيَةِ، أَوْ فِي الثَّالِثَةِ وقوله - صلى الله عليه وسلم - لسائق البدنة : ( اركبها ) ؛ أخذ بظاهره أحمد ، وإسحاق ، وأهل الظاهر . وروى ابن نافع عن مالك : لا بأس بركوب الرجل بدنته ركوبًا غير فادح . وأوجب ركوبها بعضهم لهذا الأمر .
وذهب مالك في المشهور: إلى أنه لا يركبها إلا إن اضطر إليها ، محتجًّا بقوله - صلى الله عليه وسلم - : ( اركبها إذا ألجئت إليها بالمعروف ) ؛ وهذا المقيَّد يقضي على ذلك المطلق على ما يعرف في الأصول . وبنحو ذلك قال الشافعي ، وأبو حنيفة . ثم إذا ركبها عند الحاجة فاستراح ؛ نزل .
قال إسماعيل القاضي : وهو الذي يدل عليه مذهب مالك ، وهو خلاف ما ذكره ابن القاسم : أنه لا يلزمه النزول ، وحجته إباحة النبي - صلى الله عليه وسلم - له الركوب ، فجاز له استصحابه . وقال أبو حنيفة والشافعي : إن نقصها الركوب المباح فعليه قيمة ذلك ، ويتصدَّق به . وقوله : ( اركبها ويلك! ) تأديبٌ له لأجل مراجعته ، وقول الرجل : ( إنها بدنة ) ، وقد كان حالها غير خافٍ على النبي - صلى الله عليه وسلم - ، فإنها كانت مقلَّدة ، ويحتمل أن يكون النبي - صلى الله عليه وسلم - فهم عن الرجل : أنه لا يرى ركوبها بحال على عادة الجاهلية في البحيرة ، والسائبة ، والوصيلة ، فزجره عن ذلك .
وقيل : إنما قال له ذلك لأن هذا الرجل قد كان جهد من المشي ، ووصل إلى حد الهلكة . و( الويل ) : الهلكة . فقوله : ( ويلك ) ؛ أي : أشرفت على الهلاك لما رأى النبي - صلى الله عليه وسلم - من الشدَّة .
وقيل : إن هذه الكلمة مما تدغم فيها العرب كلامها . كقولهم : لا أمَّ له ولا أب . وتربت يمينك .
ومن ذلك : قوله - صلى الله عليه وسلم - : ( ويل أمه مِسعَرُ حرب ) . وقد تقدم هذا النحو في الطهارة .