باب الحج عن المعضوب والصبي
) باب الحج عن المعضوب والصبي 1334 - 1335 [1193] عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: كَانَ الْفَضْلُ بْنُ عَبَّاسٍ رَدِيفَ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- فَجَاءَتْهُ امْرَأَةٌ مِنْ خَثْعَمَ تَسْتَفْتِيهِ ، فَجَعَلَ الْفَضْلُ يَنْظُرُ إِلَيْهَا، وَتَنْظُرُ إِلَيْهِ ، فَجَعَلَ رَسُولُ اللَّهِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- يَصْرِفُ وَجْهَ الْفَضْلِ إِلَى الشِّقِّ الْآخَرِ قَالَتْ: يَا رَسُولَ اللَّهِ! إِنَّ فَرِيضَةَ اللَّهِ عَلَى عِبَادِهِ فِي الْحَجِّ أَدْرَكَتْ أَبِي شَيْخًا كَبِيرًا لَا يَسْتَطِيعُ أَنْ يَثْبُتَ عَلَى الرَّاحِلَةِ ، أَفَأَحُجُّ عَنْهُ؟ قَالَ: نَعَمْ وَذَلِكَ فِي حَجَّةِ الْوَدَاعِ . وَفِي رِوَايَةٍ : قَالَتْ: يَا رَسُولَ اللَّهِ! إِنَّ أَبِي شَيْخٌ كَبِيرٌ عَلَيْهِ فَرِيضَةُ اللَّهِ فِي الْحَجِّ، وَهُوَ لَا يَسْتَطِيعُ أَنْ يَسْتَوِيَ عَلَى ظَهْرِ بَعِيرِهِ . فَقَالَ النَّبِيُّ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-: فَحُجِّي عَنْهُ .
( 49 ) ومن باب: الحج عن المعضوب قوله : ( فجعل الفضل ينظر إليها ، وتنظر إليه ) ؛ هذا النظر منهما بمقتضى الطباع ؛ فإنها مجبولةٌ على الميل إلى الصور الحسنة . ولذلك قال في رواية : ( وكان الفضل أبيض وسيمًا ) ؛ أي : جميلاً . و( صرف النبي - صلى الله عليه وسلم - وجه الفضل إلى الشق الآخر ) ؛ منع له من مقتضى الطبع ، وردٌّ له إلى مقتضى الشرع .
وفيه دليل : على أن المرأة تكشف وجهها في الإحرام ، وأنها لا يجب عليها ستره وإن خيف منها الفتنة ، لكنها تندب إلى ذلك ، بخلاف أزواج النبي - صلى الله عليه وسلم - ، فإن الحجاب عليهن كان فريضة . وقولها : ( إن فريضة الله على عباده في الحج أدركت أبي شيخًا كبيرًا ، لا يستطيع أن يثبت على الراحلة ) ؛ هذا هو المسمَّى بالمعضوب . والعضب : القطع .
وبه سُمِّي السيف : عضبًا ، وكأن من انتهى إلى هذه الحالة قطعت أعضاؤه ؛ إذ لا يقدر على شيء . وقد بيَّنَتُه في الرواية الأخرى بقولها : ( لا يستطيع أن يستويَ على ظهر بعيره . فبمجموع الروايتين يحصل : أنه لا يقدر على الاستواء على الراحلة ، ولو استوى لم يثبت عليها .
وقولها : ( أدركت أبي ) ، وفي الرواية الأخرى : ( عليه فريضة الله في الحج ) ؛ ظاهرٌ في أن من لم يستطع الحج بنفسه أنه يخاطب به . وبهذا الظاهر أخذ الشافعي ، وأحمد ، وإسحاق ، وأبو حنيفة ، والجمهور على تفصيل لهم يأتي إن شاء الله تعالى . وخالفهم في ذلك مالك وأصحابه ، ورأوا : أن هذا الظاهر مخالف لقوله تعالى : وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلا فإن الأصل في الاستطاعة إنما هي القوة بالبدن .
ومنه قوله تعالى : ﴿فَمَا اسْطَاعُوا أَنْ يَظْهَرُوهُ وَمَا اسْتَطَاعُوا لَهُ نَقْبًا ﴾؛ أي : ما قدروا ، ولا قووا . وبالجملة : فإذا قال القائل : فلان مستطيع ، أو غير مستطيع . فالظاهر منه السابق إلى الفهم : نفي القدرة أو إثباتها ، فلما عارض ظاهر الحديث ظاهر القرآن رجح مالك رحمه الله ظاهر القرآن .
وهو مرجح بلا شك من أوجه : منها : أنه مقطوع بتواتره . ومنها : أن هذا القول إنما هو قول المرأة على ما ظنت . ثم إنه يحتمل أن يكون معنى : ( أدركت أبي ) : أن الحج فرض وأبوها حي على تلك الحالة الموصوفة .
قلت : وهذا التأويل ، وإن قبله قولها : ( أدركت ) . فلا يقبله قولها في الرواية الأخرى : ( عليه فريضة الحج ) . لكن هذا كله منها ظن وحسبان ، ولا حجة في شيء من ذلك ، فإنها ظنت الأمر على خلاف ما هو عليه .
ولا يقال : فقد أجابها رسول الله - صلى الله عليه وسلم - على سؤالها ، ولو كان سؤالها غلطًا لما أجابها عليه ، ولبينه لها ، فإن تأخير البيان عن وقت الحاجة غير جائز ، لأنا نقول : إنه لم يُجبها على هذا القول ، بل على قولها : ( أفأحج عنه؟ ) فقال لها : ( نعم ) . أو : ( فحجي عنه ) على اختلاف الرواية ، وإنما قال لها ذلك لما رأى من حرصها على إيصال الخير والثواب لأبيها ، فأجابها إلى ذلك . كما قال للأخرى التي قالت : إن أمي نذرت أن تحجَّ ، فلم تحجَّ حتى ماتت ، أفأحجَّ عنها؟ فقال : ( حجي عنها ، أرأيت لو كان على أمك دين أكنت قاضيته عنها ؟ ) قالت : نعم ؛ ففي هذا ما يدل على أنه من باب التطوُّعات ، وإيصال الخير والبرِّ للأموات .
ألا ترى أنه قد شبَّه فعل الحج بالدَّين؟! وبالإجماع : لو مات ميت وعليه دين لم يجب على وليه قضاؤه من ماله ، فإن تطوع بذلك تأدَّى الدين عنه . ولا يبعد في كرم الله وفضله إذا حجَّ الولي عن الميت الصَّرورة أن يعفو الله عن الميت بذلك ، ويثيبه عليه ، أو لا يطالبه بتفريطه . وقد تقدَّم الكلام على هذا المعنى في الصوم .
ولم يتعرض النبي - صلى الله عليه وسلم - لقولها ؛ لأنه فهم أن مرادها الاحتمال الذي قدمناه . والله تعالى أعلم . قلت : وقد قال بعض أصحابنا - وهو أبو عمر بن عبد البر - : حديث الخثعمية عند مالك وأصحابه مخصوص بها .
وقال آخرون : فيه اضطراب . قلت : وفي هذين القولين بُعد . والصحيح ما قدَّمته .
والله أعلم . وقد قال بعض أصحابنا بموجب حديث الخثعمية فقال : لا تجوز النيابة في الحج إلا للابن عن أبيه خاصة . وفي هذا الحديث ردٌّ على الحسن بن حييِّ حيث قال : لا يجوز حج المرأة عن الرجل .
وقد اختلف العلماء في النيابة في الحج قديمًا وحديثًا . فحكي عن النخعي وبعض السَّلف : لا يحج أحدٌ عن أحد جملة من غير تفصيل . وحكي مثله عن مالك .
وقال جمهور الفقهاء : يجوز أن يحج عن الميت ، عن فرضه ، ونذره ، وإن لم يوص به ، ويجزئ عنه . واختلف قول الشافعي - رحمه الله - في الإجزاء عن الفرض . ومذهب مالك ، والليث ، والحسن بن حيي : أنه لا يحج أحدٌ عن أحد إلا عن ميت لم يحج حجة الإسلام ، ولا ينوب عن فرضه .
قال مالك : إذا أوصى به . وكذلك عنده يتطوع بالحج عن الميت إذا أوصى به . وأجاز أبو حنيفة ، والثوري وصية الصحيح بالحج عنه تطوُّعًا .
وروي مثله عن مالك . وسبب الخلاف في هذه المسألة : ما قد أشرنا إليه من معارضة الظواهر بعضها بعضًا ، ومعارضة القياس لتلك الظواهر ، واختلافهم في تصحيح حديثي جابر وابن عباس . فأما حديث جابر : فخرَّجه عبد الرزاق قال : قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : ( إن الله يدخل بالحجة الواحدة ثلاثة الجنة : الميت ، والحاج ، والمنفِّذ لذلك ) .
في إسناده أبو معشر ؛ نجيح ، وأكثر الناس يضعفه ، ومع ضعفه يكتب حديثه . وأما حديث ابن عباس : فخرَّجه أبو داود . قال فيه : سمع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - رجلاً يقول : لبيك عن شبرمة .
فقال : ( من شبرمة ؟ ) قال : أخ لي ، أو قريب لي . فقال : ( حججت عن نفسك ؟ ) قال : لا . قال : ( حج عن نفسك ، ثم حج عن شبرمة ) .
علله بعضهم : بأنه قد روي موقوفًا ، والذي أسنده ثقة . وقد قال سفيان ، والحسن بن علي : لا يحج في الوصية بالحج من لم يحجَّ عن نفسه ، أخذًا بحديث شبرمة هذا . وقاله الشافعي فيمن حج عن ميِّت .
وقال غيرُ مَن ذكر : بجواز ذلك ، وإن كان الأولى هو الأول . والجمهور على كراهية الإجارة في الحج . وقال أبو حنيفة : لا تجوز .
وقال مالك والشافعي - في أحد قوليه - : لا تجوز ، فإن وقع مضى . وقال بعض أصحابنا بجواز ذلك ابتداءً .