باب تَمَلُّك دُور مكة ورِباعها وكم كان مكث المهاجر بها
) باب تَمَلُّك دُور مكة ورِباعها وكم كان مكث المهاجر بها ؟ 1351 [1210] عَنْ أُسَامَةَ بْنِ زَيْدِ أَنَّهُ قَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ ، أَتَنْزِلُ فِي دَارِكَ بِمَكَّةَ ؟ قَالَ: وَهَلْ تَرَكَ لَنَا عَقِيلٌ مِنْ رِبَاعٍ أَوْ دُورٍ ؟ وَكَانَ عَقِيلٌ وَرِثَ أَبَا طَالِبٍ هُوَ وَطَالِبٌ، وَلَمْ يَرِثْهُ جَعْفَرٌ وَلَا عَلِيٌّ شَيْئًا لِأَنَّهُمَا كَانَا مُسْلِمَيْنِ، وَكَانَ عَقِيلٌ وَطَالِبٌ كَافِرَيْنِ . وَفِي رِوَايَةٍ أَنَّ ذَلك القول كان في حجته . وفي أخرى أن ذلك زمن الفتح ( 56 ) ومن باب: تَمَلُّك دُور مكة ورِباعها قولُ أسامة للنبي صلى الله عليه وسلم أتنزل في دارك ؛ ظاهر هذه الإضافة أنها كانت ملكه ، ويدلُّ عليه أيضًا قوله وهل ترك لنا عقيل من رِباع أو دور ، فأضافها لنفسه ، وظاهرُها الملك ، فيكون عقيل اعتدى على دار النبي - صلى الله عليه وسلم - ورباعه فأخذها وتصرَّف فيها ، كما فعل أبو سفيان بدور من هاجر من المؤمنين .
قَالَ الدَّاوُدِيُّ : إِنَّ عُقَيْلًا بَاعَ مَا كَانَ لِلْنبي - صلى الله عليه وسلم - ولمن هاجر من بني عبد المطلب . فعلى هذا يكون تَرْكُ النبي - صلى الله عليه وسلم - تحرُّجًا من أن يرجع في شيء أُخرج منه لأجل الله تعالى . وقيل : إنَّه حكم لها بحكم البلد .
وقد خرجت عن ملكه لما غنمها المسلمون - كما يقوله مالك والليث في هذه المسألة لا في هذا الحديث . وهذا فيه بُعد ؛ لأنه يكون تعليله - صلى الله عليه وسلم - بأخذ عقيل لها ضائعًا ، ويخرج أن يكون جوابًا عما سُئله . وقيل : كان أصلها لأبي طالب فأسكنه إيَّاها ، فلما مات أبو طالب ورثه عقيل وطالب لكونهما مساويَيْن له في الكفر ، ولم يرثه علي ولا جعفر لكونهما مسلمين ، فأخذها عقيل لما هاجر النبي - صلى الله عليه وسلم - بحكم ميراثه من أبيه .
وعلى هذا فيكون إضافتها إليه مجازية لأنه سكنها فقط ، والقول الأول أولى . وقد اختلف في مكة ودورها ورباعها ؛ هل هي مملوكة لأحدٍ فيبيع ويكري ؟ أو لا ملك لأحدٍ على شيء منها فلا يجوز فيها شيء من ذلك ؟ وإلى الأول ذهب الشافعي وبعض السَّلف ، وإلى الثاني ذهب أبو حنيفة والثوري ، وتوسَّط مالك فكره ذلك ، وللخلاف سببان : أحدهما : هل فتح مكة كان عُنْوة فتكون مغنومة ، لكن النبي - صلى الله عليه وسلم - لم يقسمها وأقرها إلى أهلها ولمن جاء بعدهم ، كما فعل عمر بالأرض المغنومة ، فتبقى على ذلك لا تباع ولا تُشرى ؟ وبأنها فتحت عُنْوة - قال مالك وأبو حنيفة والأوزاعي ، أو كان فتحها صُلْحًا ؟ وإليه ذهب الشافعي . فتبقى ديارهم بأيديهم وفي أملاكهم يتصرفون فيها كيف شاؤوا .
والسبب الثاني : للنظر في قوله تعالى سَوَاءً الْعَاكِفُ فِيهِ وَالْبَادِ ؛ هل الضمير راجع إلى المسجد الحرام أو إلى البلد ؟ والظاهر الأول ، وأن مكة فتحت عُنْوة ، وأنه - صلى الله عليه وسلم - أمَّنهم وأقرَّهم على أموالهم ، وهو الصحيح من الأحاديث ، والله تعالى أعلم . قال أبو عبيد : ولا نعلم مكة يشبهها شيء من البلاد . قلت : وعلى قول مالك إنها مغنومة ينبغي أن يكون مذهبه كمذهب أبي حنيفة ، لكنه راعى الخلاف على أصله في مراعاة الخلاف الظاهر ، ويكون فائدة حكمه بالكراهة أن من باع شيئًا منها أو أَكْرَاه لا يفسخ عقده ويُمضى ، غير أنه لا يسوغ الإقدامُ عليه ، والله تعالى أعلم .
وقوله هل ترك لنا عقيل من رباع أو دور ؟ ، هذا الاستفهام معناه النفي ؛ أي : ما ترك لنا شيئًا من ذلك . واختلف الرواة ؛ هل كان هذا القول في فتح مكة أو في حجة الوداع ؟ فروي عن الزهري كل ذلك ، ويحتمل أن يكون تكرر هذا السؤال والجواب في الحالتين ، وفيه بُعد .