باب تحريم مكة وصيدها وشجرها ولقطتها
[1213] وَعَنْ أَبِي شُرَيْحٍ الْعَدَوِيِّ أَنَّهُ قَالَ لِعَمْرِو بْنِ سَعِيدٍ وَهُوَ يَبْعَثُ الْبُعُوثَ إِلَى مَكَّةَ: ائْذَنْ لِي أَيُّهَا الْأَمِيرُ أُحَدِّثْكَ قَوْلاً قَامَ بِهِ رَسُولُ اللَّهِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- الْغَدَ مِنْ يَوْمِ الْفَتْحِ ، سَمِعَتْهُ أُذُنَايَ ، وَوَعَاهُ قَلْبِي، وَأَبْصَرَتْهُ عَيْنَايَ ، حِينَ تَكَلَّمَ بِهِ رسول الله صلى الله عليه وسلم أَنَّهُ حَمِدَ اللَّهَ وَأَثْنَى عَلَيْهِ، ثُمَّ قَالَ: إِنَّ مَكَّةَ حَرَّمَهَا اللَّهُ، وَلَمْ يُحَرِّمْهَا النَّاسُ ، فَلَا يَحِلُّ لِامْرِئٍ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ أَنْ يَسْفِكَ بِهَا دَمًا، وَلَا يَعْضِدَ بِهَا شَجَرَةً، فَإِنْ أَحَدٌ رَخَّصَ بِقِتَالِ رَسُولِ اللَّهِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- فِيهَا فَقُولُوا لَهُ: إِنَّ اللَّهَ أَذِنَ لِرَسُولِهِ وَلَمْ يَأْذَنْ لَكُمْ، وَإِنَّمَا أَذِنَ لِي فِيهَا سَاعَةً مِنْ نَهَارٍ، وَقَدْ عَادَتْ حُرْمَتُهَا الْيَوْمَ كَحُرْمَتِهَا بِالْأَمْسِ، وَلْيُبَلِّغْ الشَّاهِدُ الْغَائِبَ . فَقِيلَ لِأَبِي شُرَيْحٍ: مَا قَالَ لك عَمْرٌو؟ قَالَ: أَنَا أَعْلَمُ بِذَلِكَ مِنْكَ يَا أَبَا شُرَيْحٍ ، إِنَّ الْحَرَمَ لَا يُعِيدُ عَاصِيًا وَلَا فَارًّا بِخَرْبَةٍ . وأبو شريح : هو خويلد بن عمرو ، وكذلك سَمَّاه البخاري ومسلم ، وقال محمد بن سعد : خويلد بن صخر بن عبد العزيز .
وقال أبو بكر البرقاني : اسمه كعب . وقوله وهو يبعث البعوث إلى مكة ، البعوث جمع بعث ، وهي الجيوش أو السرايا ، ويعني بها هنا الجيوش التي وجها يزيد بن معاوية إلى عبد الله بن الزبير ، وذلك أنه لما توفي معاوية وجَّه يزيد إلى عبد الله يستدعي منه بيعته ، فخرج إلى مكة ممتنعًا من بيعته يحرض الناس على بني أمية ، فغضب يزيد ، وأرسل إلى مكة يأمر واليها يحيى بن حكيم بأخذ بيعة عبد الله ، فبايعه وأرسل إلى يزيد ببيعته ، فقال : لا أقبل حتى يُؤتى به في وثاقٍ ! فأبى ابن الزبير وقال : أنا عائذٌ بالبيت . فأبى يزيد ، وكتب يزيد إلى عمرو بن سعيد أن يوجه إليه جندًا ، فبعث إليه هذه البعوث .
وقوله إن الله حرَّم مكة ، ولم يحرمها الناس ؛ يعني أنه حرَّمها ابتداءً من غير سبب يُعزى إلى أحدٍ ولا مقدمة ، ولا لأحد فيه مدخل ؛ لا نبي ولا عالم ولا مجتهد . وأكد ذلك المعنى بقوله ولم يحرمها الناس ، لا يقال : فهذا يعارضه قوله في الحديث الآخر اللهم إن إبراهيم حرَّم مكة ، وإني أحرِّم المدينة ؛ لأنا نقول : إنما نسب الحكم هنا لإبراهيم لأنه مبلغه ، وكذلك نسبته لنبينا صلى الله عليه وسلم ، كما قد ينسب الحكم للقاضي لأنه مُنَفّذُه ، والحكم لله العلي الكبير بحكم الأصالة والحقيقة . وقول عمرو بن سعيد إن الحرم لا يعيذ عاصيًا ولا فارًا بدم ، ولا فارا بِخَرْبة ، روايتنا بِخَربة بفتح الخاء ، وهي المشهورة الصحيحة ، وضبطه الأصيلي بالضم ، وكذلك قاله الخليل ، وفُسِّرت بالسرقة وبالفساد في الأرض .
والخارب : اللص المفسد ، وقيل : سارق الإبل خاصة . قال أبو الفرج بن الجوزي : انعقد الإجماع على أن من جنى في الحرم يقاد منه فيه ولا يؤمن ؛ لأنه هَتك حرمة الحرم ورد الأمان . واختلف فيمن ارتكب جناية خارج الحرم ثم لجأ إليه ؛ فروي عن أبي حنيفة وأحمد أنه لا يقام عليه الحد فيه ويُلْجأ إلى الخروج إلى الحِل ، ويُمنع المعاملة والمبايعة حتى يضطر إلى الخروج ، فيخرج إلى الحِل فيقام عليه الحد فيه .
وقول عمرو بن سعيد لأبي شريح أنا أعلم بذلك منك ليس بصحيح للَّذي تمسك به أبو شريح ، ولما في حديث ابن عباس كما قدمناه ، وحاصل قول عمرو أنه تأويل غير معضود بدليل .