حَـدِيثابحث في الموسوعة — حديث، راوٍ، موضوع…⌘K
المفهم لما أشكل من تلخيص مسلم

باب في التأمير على الجيوش والسرايا ووصيتهم والدعوة قبل القتال

[1254] وعَنْ ابْنِ عَوْنٍ قَالَ: كَتَبْتُ إِلَى نَافِعٍ أَسْأَلُهُ عَنْ الدُّعَاءِ قَبْلَ الْقِتَالِ قَالَ: فَكَتَبَ إِلَيَّ: إِنَّمَا كَانَ ذَلِكَ فِي أَوَّلِ الْإِسْلَامِ ، قَدْ أَغَارَ رَسُولُ اللَّهِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- عَلَى بَنِي الْمُصْطَلِقِ وَهُمْ غَارُّونَ ، وَأَنْعَامُهُمْ تُسْقَى عَلَى الْمَاءِ ، فَقَتَلَ مُقَاتِلَتَهُمْ ، وَسَبَى سَبْيَهُمْ ، وَأَصَابَ يَوْمَئِذٍ ، قَالَ يَحْيَى بن يحيى : أَحْسِبُهُ قَالَ: جُوَيْرِيَةَ ، ( أَوْ قَالَ: الْبَتَّةَ ) ابْنَةَ الْحَارِثِ . وَفِي رِوَايَةٍ : وَأَصَابَ يَوْمَئِذ جويرية بنت الحارث . ولم يشك .

وقول نافع - وقد سئل عن الدعوة قبل القتال - : ( أنها كانت في أول الإسلام ) ، واستدلاله بقضية بني المصطلق ؛ يفهم منه : أن حكم الدعوة كان متقدمًا ، وأنه منسوخ بقضية بني المصطلق . وبه تمسَّك من قال بسقوط الدعوة مطلقًا . ومنهم من ذهب إلى أنها واجبة مطلقًا ، متمسّكًا بظاهر وصية النبي - صلى الله عليه وسلم - بذلك أمراءه ، ولم تصلح عنده قضية بني المصطلق لأن تكون ناسخة لذلك ؛ لأن تلك الوصايا تقعيد قاعدة عامة ، وقضية بني المصطلق قضية في عين ؛ ولأن الوصية قول ، وقضية بني المصطلق فعل ، والفعل لا ينسخ القول على ما يُعرف في الأصول .

والذي يجمع بين هذه الأحاديث صريح مذهب مالك ، وهو أنه قال : لا يقاتل الكفار قبل أن يُدْعَوا ، ولا تلتمس غرّتهم ، إلا أن يكونوا ممن بلغتهم الدعوة ، فيجوز أن تؤخذ غرتهم . وعلى هذا فيحمل حديث بني المصطلق : على أنهم كانوا قد بلغتهم الدعوة ، وعرفوا ما يطلبه المسلمون منهم . وهذا الذي صار إليه مالك هو الصحيح ؛ لأن فائدة الدَّعوة أن يعرف العدو أن المسلمين لا يقاتلون للدنيا ، ولا للعصبية ، وإنما يقاتلون للدِّين .

وإذا علموا بذلك أمكن أن يكون ذلك سببًا مُمِيلاً لهم إلى الانقياد للحق بخلاف ما إذا جهلوا مقصود المسلمين ، فقد يظنون أنهم يقاتلون للملك ، وللدنيا ، فيزيدون عتوًّا ، وتعصبًا . وقوله : ( أغار عليهم ) ؛ أي : أرسل عليهم الغارة ، وهي الخيل التي تغير في أول النهار . وغارون : غافلون .

والغرة : الغفلة . والأنعام : الإبل ، والبقر ، والغنم . والمقاتلة : الصالحون للقتال ، المطيقون له .

والسبي : الذراري ، والنساء . وقوله : ( وأصاب يومئذ ) ؛ قال يحيى : أحسبه قال : جويرية ، أو قال : ابنة الحارث . هكذا صواب هذه الرواية ، بإسقاط : البتة .

وقد غلط فيها بعض النَّقلة ، فظن : أن يحيى إنما شك في اسم ابنة الحارث : هل هو جويرية أو البتة ؟ وحمله على ذلك الأخذ بظاهر ذلك اللفظ ، وهو غلط فاحش ؛ لأنه لم يذهب أحدٌ من الناس إلى أن اسم ابنة الحارث هذه : البتة . وإنما يحيى بن يحيى شك في سماع اسم جويرية ، ثم بت القضية ، وحقق السَّماع لاسمها ؛ بدليل قوله في الرواية الأخرى : ( جويرية بنت الحارث ) ولم يشك . والله أعلم .

فرع : إذا قتل من أمر بدعوته من قبل أن يُدعى ، فهل على قاتله دية ، أم لا ؟ فذهب مالك وأبو حنيفة : إلى أنه لا دية عليه ؛ لأنه حلال الدَّم بأصل الكفر ، ولم يتجدد من جهته ما يوجب حرمة دمه ، فبقي على الأصل لعدم الناقل ، ولا يصلح المنع من قتالهم قبل الدعوة موجبًا لحرمتهم ، كما لا يصلح ذلك موجبًا لحرمة نسائهم ، وأبنائهم . والله تعالى أعلم .

هذا المحتوى شرحٌ لـ1 حديث
موقع حَـدِيث