باب النهي عن تمنِّي لقاء العدو والصبر عند اللقاء والدعاء بالنصر
( 3 ) باب النهي عن تمنِّي لقاء العدو والصبر عند اللقاء والدعاء بالنصر 1741 [1258] عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ: أَنَّ رسول الله -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- قَالَ: لَا تَمَنَّوْا لِقَاءَ الْعَدُوِّ ، فَإِذَا لَقِيتُمُوهُمْ فَاصْبِرُوا . ( 3 ) ومن باب: النهي عن تمنِّي لقاء العدو قوله : ( لا تتمنوا لقاء العدو ) ؛ قيل : إن فائدة هذا النهي ألَّا يُستخف أمر العدو ، فيتساهل في الاستعداد له ، والتحرز منه ، وهذا لما فيه من المكاره ، والمحن ، والنكال ، ولذلك قال متصلاً به : ( واسألوا الله العافية ) . وقيل : لما يخاف من إدالة العدو ، وظفره بالمسلمين .
وقد ذكر في هذا الحديث : ( فإنهم يظفرون كما تنصرون ) . وقيل : لما يؤدي إليه من إذهاب حياة النفوس التي يزيد بها المؤمن خيرًا ، ويرجى للكافر فيها أن يراجع . وكل ذلك محتمل .
والله تعالى أعلم . ولا يقال : فلقاء العدو وقتاله طاعة يحصل منه إما الظفر بالعدو ، وإما الشهادة ، فكيف ينهى عنه ؟ وقد حضّ الشرع على تمنّي الشهادة ، ورغَّب فيه ، فقال : ( من سأل الله الشهادة صادقًا من قلبه ، بلغه الله منازل الشهداء ، وإن مات على فراشه )؟! لأنا نقول : لقاء العدو وإن كان جهادا وطاعة ومحصلاً لأحد الأمرين ، فلم يُنه عن تمنيه من هذه الجهات ، وإنما نهي عنه من جهات تلك الاحتمالات المتقدِّمة ، ثم هو ابتلاء ، وامتحان لا يعرف عما تسفر عاقبته ، وقد لا تحصل فيه لا غنيمة ولا شهادة ، بل ضد ذلك . وتحريره : أن تمني لقاء العدو المنهي عنه غير تمني الشهادة المرغب فيه ؛ لأنه قد يحصل اللقاء ولا تحصل الشهادة ، ولا الغنيمة ، فانفصلا .
وقد فهم بعض العلماء من هذا الحديث كراهة المبارزة . وبها قال الحسن ، وروي عن علي رضي الله عنه أنه قال : ( يا بني ! لا تدع أحدًا إلى المبارزة ، ومن دعاك إليها فاخرج إليه ، فإنه باغ ، وقد ضمن الله نصر من بُغي عليه ) . وقال ابن المنذر : أجمع كل من أحفظ عنه على جواز المبارزة ، والدَّعوة إليها ، وشرط بعضهم فيها إذن الإمام ؛ وهو قول الثوري ، والأوزاعي ، وأحمد ، وإسحاق .
ولم يشترطه غيرهم . وهو قول مالك ، والشافعي . واختلفوا ، هل يعين المبارَز غيره أم لا؟ على قولين .
وقوله : ( إنَّه - صلى الله عليه وسلم - كان ينتظر حتى إذا مالت الشمس ) ؛ يعني : أنه كان يؤخر القتال عن الهاجرة إلى أن تميل الشمس ليبرد الوقت على المقاتلة ، ويخف عليهم حمل السلاح ، التي يؤلم حملها في شدَّة الهاجرة ؛ ولأن ذلك الوقت وقت الصلاة ، وهو مظنَّة إجابة الدعاء . وقيل : بل كان يفعل ذلك لانتظار هبوب ريح النصر التي نُصر بها ، كما قال : ( نُصِرت بالصَّبا ) ، وفي حديث آخر ؛ أنه - صلى الله عليه وسلم - كان ينتظر حتى تزول الشمس ، وتهب رياح النصر .